المقالات
السياسة
رواية "إنهم بشر": محاولة في كتابة التاريخ الاجتماعي ..
رواية "إنهم بشر": محاولة في كتابة التاريخ الاجتماعي ..
01-11-2014 07:25 PM



أقرب إلى القلب:
أحدثكم عن رواية كتبها رائد من روّاد القصّة في السودان، هي رواية "إنّهم بشر"، وقد صدرت مطبوعة أول الستينات من القرن الماضي، بعد أن أكمل كاتبها الرواية في حدود عام 1954، أي قبل استقلال السودان بعامين. إنها رواية مدهشة وشكلت في تقديري وثبة إلى مرحلة من السرد الروائي، عرفت عند الكثير من النقاد أنّها الأٌقرب لأدب الواقعية الاشتراكية..
تعود معرفتي بهذه الرواية إلى سنواتٍ بعيدة وأنا لم أتجاوز الثانية عشرة من العمر. كنتُ في المدرسة الأولية وتعلّق قلبي أيّما تعلّق بمجلةِ الصبيان التي تصدر عن مكتب النشر التابع لوزارة التربية والتعليم. تجدنا نتطلع يوم خميس من كل أسبوع بل نترقّب مقدم الشاحنة الحكومية التي تحمل نسخ المجلة وتقوم بتوزيعها على المدارس الأولية في العاصمة المثلثة. كان حصولي على تلك المجلة، ثمّ الاحتفاظ بها مرتبة مع ما أحفظ من ملابس تخصّني، هي البداية التي أوحت لي أن أنشيء مكتبة صغيرة، كبرت معي وأنا أتنقل من فصل لآخر، ومن مرحلة لأخرى. حين بلغت المرحلة الوسطى بدأت ألاحق المجلات المصرية، ثم الكتب المصرية الصغيرة والرخيصة الثمن مثل كتب سلسلة "إقرأ".
كنّا في المرحلة التعليمية الوسطى، التي هي الآن ما يعادل مرحلة الثانوي العام، أنا وابن عمي وصديقي كمال الدين صالح والذي يكبرني ببضعة أشهر، نتنافس في اقتناء الكتب ونتبادلها، فكأنّا نتسابق لامتلاك الكتب. أسبقه لاقتناء كتب العقاد ومحمود تيمور، أجده يقتني كتب طه حسين وتوفيق الحكيم. نقرأ في تلك السن المبكرة روايات جرجي زيدان، ثم روايات نجيب محفوظ، ونقرأ سراراً ما يصدر من دواوين شعرية لنزار قباني وللسياب ولعبد المعطي حجازي وللبياتي، غير تلك القصائد التي ندرسها في المدرسة.
(2)
في تلك السنوات تنبّهنا لرواية كاتبها سوداني، تتناول جانباً من الحياة في حي العباسية في أم درمان، هي رواية "إنهم بشر"، تدور أحداثها في "فريق العمايا " في حي العباسية. لا يبعد سكناي كثيراً عن الأمكنة التي تتناولها الرواية، وذلك ما حفزنا لقراءتها. كثيراً ما جلسنا وتناقشنا أنا وابن عمي حول محتوى تلك الرواية الغريبة. نعم، كنا نراها غاية في الغرابة. هل هي وقائع حقيقية؟ هل هي قصة من وحي خيال الكاتب ؟ هل هي حكايات التقطها من أفواه الناس الذين عاشوا من حوله في ذلك الحي العتيق من أم درمان..؟ لم ننشغل كثيراً بإيجاد إجاباتٍ على تساؤلاتنا.
تواصل إعجابنا بالرواية لسنوات ولم نفرط في النسختين من رواية "إنهم بشر"، التي معي وتلك التي بيد ابن عمي كمال. كنا نراها نسخة سودانية من "زقاق المدق" للروائي المصري نجيب محفوظ. تمرّ بنا الأيام، وتأخذنا مشاغل الدراسة والاستخدام لنواحي شتى. كبرت مكتبتي ومكتبة ابن عمي، غير أن كثرة الكتب المقتناة تُغري الذين من حولنا بالاستلاف، فتمتدّ إليها أيدي وقد تعود أو لا تعود، أو بالاستيلاء فتختفي نهائياً بلا عودة. ذلك ما وقع بالفعل.
فقدتُ نسخة رواية "إنّهم بشر" في أوّل سنواتي في وزارة الخارجية، في سبعينات القرن الماضي، والتي أخذتني إلى جولات سفر وإقامة طالت لسنوات خارج البلاد. ضاعت الرواية من مكتبتي. ظللت أسأل عنها بعد ذلك بسنوات، فما اهتديت إلى نسخة منها. خلتْ المكتباتُ منها تماماً، وقد صدرت في الأصل عن ناشرٍ في مصر وتحمّل المؤلف تكلفتها، ولم يكن ممكناً أن تعاد طباعتها.
(3)
ظللتُ طيلة الأعوام الماضية أسأل عن رواية "إنهم بشر" في المكتبات القديمة. أعرف معظم "الأزبكيين" في العاصمة، و"الأزبكيون" عندي هم من يفترشون الكتب القديمة في أزقة سوق أم درمان والخرطوم والخرطوم بحري، أسوة بسوق الكتب القديمة في القاهرة: سور الأزبكية. ذهبت جهودي أدراج الغبار في أم درمان وفي الخرطومين. لا أثر لرواية "إنّهم بشر". بعضهم أنكر أن تكون هنالك رواية سودانية بهذا العنوان. .
على ولعي بمطالعة الأعمال الروائية، وممارستي لكتابتها بعد ذلك، ما بارح ذاكرتي ذلك الهاجس الملحّ للحصول على نسخة تلك الرواية، والتي - ومع مرور الزمن - كنتُ أحسّ أنها جزءٌ ضائعٌ من طفولتي ومِن صباي. هي جزءٌ سكن وجداني وأسهم في تشكيل عناصر تكويني الأدبي، وربّما هي التي قوَّتْ ذائقتي للأدب وللرواية تحديداً، منذ وقتٍ بعيد.
بعد نحو ما يزيد على الأربعين عاماً على فقدنا تلك الرواية، هاتفني ابن عمّي في خواتيم عام 2013، متهللّاً :
- يوريكا .. يوريكا..وجدتها ، وجدتها: رواية "إنّهم بشر". .!
(4)
أجل، وجدها وسط كومٍ من الكتب القديمة التي كانت يوماً جزءاً من مكتبته المنزلية. وكدّتُ أن لا أصدقه. بعد كل هذه السنوات، أخيراً رأيت رواية الأستاذ خليل عبد الله الحاج "إنّهم بشر". تحسّستها بأصابعي كمن أمسك بجوهرةٍ ثمينة. الغلاف الذي صمّمه الفنان شرحبيل أحمد من وجوه سودانية أصيلة. صفحات الرواية وقد مال لونها إلى الاصفرار، لكنها بحالة جيدة للغاية.
ما أن طرحتُ فكرة إعادة طباعة هذه الرواية على المسئولين في هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، حتى وجدتهم أكثر استعداداً لإنجاز العمل، إذ يعرفون أن رواية "إنّهم بشر" هيَ من أوائل الأعمال الروائية السودانية .
حينَ فاتحتُ أسرة الرّاحل خليل عبدالله الحاج بمشروع إعادة نشر الرواية ، لم يخلُ ترحيبهم من دهشةٍ، إذ ذكر لي أحدُ أبنائه أنّها المرّة الأولى التي يُتاح له أنْ يرى نسخة أصلية لتلك الرواية التي ألفها ونشرها والده، ونفدتْ من المكتبات منذ زمانٍ بعيد، بل وقبل ميلاده بسنوات. قال لي مروان خليل عبدالله الحاج، أنّهم يأسوا تماماً من احتمال العثور على نسخةٍ منها.
(5)
في مجمل قراءاتي النقدية والتحليلية للأعمال الروائية السودانية، ما صادفت تحليلاً متعمّقاً لرواية "إنهم بشر"، بل صادفت محض إشارات لها، لكونها من الأعمال الرائدة في هذا الجنس من الكتابة الإبداعية. تأتي الرواية مقترنة برواية "تاجوج" لعثمان هاشم ورواية "الفراغ العريض" للأستاذة ملكة الدار محمد، ورواية "بكاء على التابوت" للأستاذ فؤاد أحمد عبدالعظيم، ثم روايات أبي بكر خالد. ثمّة إشكالية هنا والتباسات تتصل بتصنيف وتعريف الريادة في الكتابة الروائية، أتكون بأسبقية النشر، كقولك هذه روايات ما قبل الاستقلال أو تلك التي صدرت بعده، أم نرصد تلك الريادة بمرجعياتها الفنية من حيث الشكل وأسلوب الكتابة؟ ( أنظر عبد المكرم: العملية الروائية لدى الرواد إشارة خاصة لأبي بكر خالد ص320 في كتاب بحوث في الرواية السودانية/ م ع م -2010) . يورد الناقد أحمد عبد المكرم رأياً للأديب الرّاحل النور عثمان أبكر يؤرّخ لبداية الرواية السودانية الحقيقية، برواية "بداية الربيع" لأبي بكر خالد ورواية "إنهم بشر" لخليل عبد الله الحاج، وينسبهما النور لاتجاه الواقعية الاشتراكية (أنظر ثانية لعبد المكرم- 2010 في ذات المرجع الذي أشرت إليه عاليه). ويضيف الأستاذ مجذوب عيدروس أن رواية "بداية الربيع" ورواية "إنهم بشر" تحسبان من أولى محاولات جيل الرواد في كتابة الرواية السودانية ( م. عيدروس : هموم مرحلة الانتقال : قراءة في رواية القفز فوق الحائط القصير لأبي بكر خالد في بحوث في الرواية السودانية- م ع م -2010).
(6)
إن فرحتي بالعثور على نسخة نادرة من رواية "إنهم بشر"، هي التي حفزتني لاقتراح إعادة طباعتها على "هيئة الخرطوم"، ولنشرها من جديد، حتى يتاح لجيل ناهض من كتاب الرواية، التعرّف على هذه الرواية المدهشة، ويتاح لجمهور القراء في السودان التعرّف على هذا العمل الروائي الجميل. لنا أن نُدرج هذه الرواية في مكانها الحقيق في تاريخ الكتابة الروائية في السودان، وأيضاً باعتبارها رصداً دقيقا لمرحلة من مراحل التاريخ الاجتماعي لمجتمع المدينة السودانية في مرحلة الاستقلال وما قبله بقليل . .
==
الخرطوم – يناير 2014
Jamalim1@hotmail.com





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1718

خدمات المحتوى


التعليقات
#884723 [المارتن]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2014 04:52 PM
شكرا استاذ جمال على هذا المقال الجميل الذي لا يشبه واقعنا في شيئ


#883339 [shawgi badri]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2014 01:44 AM
الغالي جمال لك التحية ، والشكر اجزله للفت نظر الناس الي رواية انهم بشر . خليل اكبر عمرا من ابو بكر . ورو يته كتبت قبل رواية بداية الربيع لابو بكر خالد مضوي . ولكن لم يستطع نشرها لظروف مادية . ابو بكر هو حفيد الثري الامدرماني الامين عبد الرحمان ونشأفي منزله . ودرس في مصر وتقارب زمن نشر الروايتين . وان كان خليل هو الرائد بلا منازع . وخليل كتب عن الانسان البسيط ن حافر الادبخانات وعربجي الكارو ، فريق عمايا الذي سكنت انا علي بعد خطوات منه . واعود اليه دائما في كتاباتي . ابناء الحي اقرب اصدقائي ,
المجموعة القصصية المشبك ، اعطيتها هذا الاسم لاننا في فريق عمايا عندما يوقف احد العربجية عربة الكارو ويقفل الزقاق لكي يذهب لشرب العسلية او المريسة ، نأتي بمشبك غسيل.ويضع المشيك في خصية الحصان . ولا يعيد العربجي غلطته .
اجمل ما في الامر ان الاخ شرحبيل احمد صمم الغلاف . وشرحبيل من اولاد العباسية قبل الانتقال الي امبدة . ابو بكر مات صغيرا وهو شقيق اجد زعماء الكيزان . ولكن لسوء الحظ ان الدنيا قد شغلت خليل عن الكتابة ولم يجد الامتمام قديما . وانا كعادتي فخور بك وهذا الجهد يطربنا كثيرا . لقد قرأت الرواية في 1960 في مكتبة والدي . ولا ازال اتذكر كل كبيرة وصغيرة .


#883320 [فيصل مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2014 12:16 AM
لعل جيلنا المحب للقراءة حد
العشق ، كان يفرح و يمتلئ
حبوراً حينما يحظى بقراءة
عمل إبداعي صادر عن لدن
روائي سوداني
مثلك عشقنا "إنهم بشر" ،
و قرأناها أكثر مرة و تشوقنا
للقاء مبدعها الى إلتقيته في
لجنة تنقيح كتب المطالعة للمرحلة
الإبتدائية و تلخيصها من البطولات
الفردية وكان في معيتنا عيسى الحلو
و التجاني كدودة و بدرية بشرى و
آخرين
كان الروائي خليل أحمد الحاج
يتسم بالهدوء والرأي السديد
حقاً كانت تلك اللجنة غاية في
الإنسجام و تلاقح الأفكار
لك أجزل الشكر آستاذ جمال


#883246 [عصام دبلوك]
0.00/5 (0 صوت)

01-11-2014 09:56 PM
سعادة السفير الاديب ياسلام عليك ياراقي ما تكتبه واحة جميلة في خضم وقرف السياسة وانبائها المملؤة غماً وهماً نتمنى ان تتحفنا بملخص لهذه القصة


جَمَال مُحمّد إبراهيْم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة