المقالات
منوعات
الحوت.. بشويش
الحوت.. بشويش
01-17-2014 10:26 PM


* (سكت الرباب قبال يقول كلماتو بي شوق يهمسا.. لما النغم الكان بدغدغ فينا إحساس واتنسى.. علمنا أشواق العصافير للمغارب والمسا.. سكت الرباب يا حليلو عاد.. حسو الحنين الما بقول همس الشفايف والعيون.. لغة الأصابع.. الرعشة ساعة يلمسا.. فقدت ليالي الشوق النجيم.. زيّن صفاها وآنسا.. أحبابنا كيف.. سائلين عليك.. قالوا الرباب يا ناس قسا.. خلانا لي نار القسى.. وا خوفي من طول الطريق.. أمشيهو كيف بين المغارب والمسا.. سكت الرباب).
* استمعت لمحمود عبد العزيز أول مرة في جلسة فنية بشركة حصاد للإنتاج الفني في منتصف عقد التسعينيات.. يومها فغر الفتى النحيل فاهه، وأطلق لحنجرته المطواعة العنان، فلامس صوته بريق المجرات البعيدة، وسرى بينها مثل مذنبات الكون المتمردة، وحلق مع القماري في الصباحات الندية، وتمدد في الخلايا نغماً ولحناً وطرباً.
* مارس الحوت (سلطنة) الغناء الصافي، فوحَّد نبض الحاضرين وطاف بهم في عوالمه البهية.
* بنى مملكته (بشويش).. ونسج حبال وصله مع محبيه وهناً على وهن، ونصب نفسه ناطقاً بأحلام جيل كامل، ومبعوثاً للعناية الفنية للآلاف ممن خرجوا ذات صباحٍ وهم ينوحون ويسكبون الدمع السخين، ويتوسدون إسفلت المطار حزناً على رحيل العندليب، ففاجأت هبّتهم كل من جهلوا عوالم الحوت، وفاتهم قطار الأمنيات التي سكنت ضمير المغني النحيل، واستوطنت صوته الجميل.
* محمود ظاهرة؟ ربما.. أسطورة؟ لم لا؟
* الثابت أنه كان إنساناً شفيفاً وفناناً مبدعاً.. زحزح قواعد وبدل قناعات من كانوا يزعمون أن مملكة غنائنا قد سلمت قيادها إلى جيل الرواد، وأثبت أن مبيض الإبداع السوداني لم ينضب، وأنه ما زال قادراً على أن يمنح رحم الفن بويضات تزحف من عدم، وتتخلق على مهلٍ، لتصنع هيبة النغم.
* محطات التشابه بين الحوت ومصطفى لا تتوقف عند جزئية وداع الفانية في اليوم نفسه، بل تمتد لتحكي عن تجربتين جمرهما لهيب معاناةٍ ذاتية، وتحوَّلتا بأمر الأسطورتين إلى مزاجٍ عامٍ، سيطر على أحاسيس الكثيرين.
* سكت الرباب، بعد أن خاض تجربة فنيةً متفردةٍ، أثارت جدلاً لم ينته حتى بعد رحيل المغني، الذي ارتبط بمن ينتظرون لقياه بفارغ الصبر، ويتحلقون حوله، ويمجدونه ويهتفون له بوله المحبين، ويمزقون ملابسهم طرباً، ويخرجون عن طورهم كلما رأوه، ويتسلقون مسارحه بهستيريا لذيذة كي يحظوا بلمسة من يده الحنون.
* يخلف وعده للحواتة فيثورون، ويحطمون المقاعد، ويحرقون المسارح، ثم يهرعون إليه من جديد بحنو المحب، ويرفعون لافتاتٍ تحمل عبارات الوله والتمجيد، وتعزز مسيرة الود.. (مفتون بيك)، (جيت تاني تكوس حناني)، (كم مرة يوعدنا ويخلف مواعيدو.. ويلقانا دون نشعر بالغنا في ريدو).
* أصدر الحوت رحمة الله عليه 35 ألبوماً غنائياً في وقتٍ قياسي، نالت رواجاً غير مسبوق وكان مصنفاً وقتها في فئة فناني الشباب.
* ظل الأكثر جرأة في مواجهة قاعدته العريضة بحفلاته الجماهيرية التي نافس الإقبال عليها مباريات القمة الكروية في قوة الجذب وشدة الحماسة.
* غنى بجرأةٍ شديدةٍ لملحنين لم يسمع بهم أحد، واختار كلمات شعراء لم يكن لهم صيت يذكر.
* آمن بقدراته وراهن على صوته واستند إلى دوزناته، وكسب الرهان الصعب، وصنع لنفسه مملكةً فنيةً استبانت أركانها المذهلة في يوم الحزن الكبير، حين توقفت الحياة وتعطلت الحركة في شوارع الخرطوم، وفاض الحزن حتى تحول إلى غضبٍ وشغبٍ وجنونٍ محبب.
* صنف نفسه مع العمالقة، ووضع قامته (على صغر سنه) مع أساطير الغناء السوداني ثم لحق بهم، مخلفاً إرثاً فنياً يستعصي على الاندثار.
* لكأنه تمثَّل سيرة من اعتصروا أيامهم، واختصروا أوقاتهم، ليثروا الضمائر والعقول، ويأسروا القلوب بإبداعهم قبل أن يرحلوا مبكراً مخلفين لوعة لا تفنى.
* مات الحوت.. سكت الرباب ذات صباحٍ باكٍ، وتفجرت ينابيع الحزن لتملأ الزمان وتغمر المكان، وتسري من الخرطوم إلى عمان، وتتمدد لتبلغ شوارع جوبا، حينما افترش الجنوبيون الأرض ودلقوا الدمع بلا تكلف.
* سيبقى محمود عبد العزيز واجهةً فنيةً تقبل اكتشافاتٍ جديدةً، وتبوح بأسرارٍ لم يقلها من اكتنزها في حياته القصيرة، وسيظل رمزاً للطموح وقوة الإرادة وصدق العزيمة.
* سيبقى سارياً بيننا كلَّما ترددت دوزناته في الشوارع، وسرت مسميات أغنياته على ظهور الحافلات والركشات، لتحكي منعة الوصل، وقوة الارتباط.
* محمود شبابك (مفتون بيك).. وجمهورك مفجوع عليك!
* الحوت.. (كنت معايا ظاهر.. كل ما أتوه بلاقيك في العمر سلوى)!

اليوم التالي

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1909

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#889064 [دنيا فرندقس]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 08:37 PM
" أن مبيض الإبداع السوداني لم ينضب، وأنه ما زال قادراً على أن يمنح رحم الفن بويضات تزحف من عدم،"

ياسلالام علي الابداع يااستاااذ…بالله شوف الحته دي براها عجيبه ..مبيض ورحم وبويضات..تعرف لا معاويه محمد نور ولاعرفات محمد عبدالله ولاحسين شرفي بقدروا يكتبوا زي الدرر دي.. ياااخي نحن محظوظين الحضرنا زمن مزمل والهندي واخواتهم!


#888665 [ابو الخير]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 10:22 AM
بعد ما وديت المريخ في ستين داهية
اليوم جاي تنكت المسكين من قبروا عشان تجيب خبروا يا اكبر كجة شفتها في حياتي
بالله اكتب في اي حاجة الا المريخ عشان ما تحرق اعصابنا
الحوت مات ارحموا الله يرحمك


#888660 [سوداني أصيل]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 10:16 AM
مع كل الاحترام لك ككاتب ومثقف سوداني أحيانا تستجلب كلمات مستوحاة من ثقافات أخرى على سبيل المثال لا الحصر كلمة (اقطع دراعي) فبارك الله فيكم ثقافتنا السودانية حبلى بالكلمات وخصوصا العامية , والتي توصلك إلى مبتغاك كيفما تريد.


ردود على سوداني أصيل
Hong Kong [سوداني أصيل] 01-19-2014 08:35 AM
لكم المعذرة قراء ومتابعي الراكوبة, كذلك والاعتذار للكاتب والصحفي مزمل أبوالقاسم, لم اقصد بتعليقي على ما كتبت بل القصد على ما كتب الأستاذ الفاتح جبرا..


#888541 [الجقديب]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 07:22 AM
تعبان أول مرة أقرأ ليك ..
ما عارف الرياضيين معتبرينك مشهور كيف ؟؟
بي ياتو تصنيف الله أعلم ..
بلد منتهية ما دام بيظهروا فيها الزيك وقال بيتكلم عن محمود عبدالعزيز ..
الشامة النادرة في ثغر الوطن الهزيل .. هزلاً طال بطوال سنين حكومة الإنقاذ الطوال ..
>>
فغر فاهه .. دا عربي ولا دا شنو دا .... والقال منو الفعل دا بيستخدمو كدا ؟؟؟؟
الدمع السخين .. السخينة يا يابا بي ضب عجوز ؟؟؟؟؟؟؟؟؟


ردود على الجقديب
European Union [حقاني] 01-18-2014 12:57 PM
سلمت يداك يا اباالقاسم
يامن يمتلك ناصية الحروف الندية
ندعو لك الله بمواصلة العزف على اوتار العقول التي تميزالابداع
غير آبه بمن لا يعون شيئا.


#888503 [ود البله]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 05:05 AM
برضو الدلدول ده ماحيقنعنا كان كتب في الحوت وللا غيرو .. ده واحد من اثرياء الغفلة والانتهازية .. زي صاحبو بتاع الكريمات موظف النفايات الهندي


#888463 [كابو]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2014 01:26 AM
الا رحم الله الحوت....


مزمل أبو القاسم
مزمل أبو القاسم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة