01-16-2011 08:04 PM

دعوة للحداد المتبصّر والحزن المتفكّر

رشا عوض

منذ يوم أمس الخامس عشر من شهر يناير 2011 وهو اليوم الأخير من أيام التصويت في الاستفتاء على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان قررنا في مبادرة (لا لقهر النساء) ارتداء ملابس الحداد إما ثيابا بيضاء أو ملابس سوداء تماما وسنستمر كذلك حتى موعد الإعلان النهائي لنتائج الاستفتاء في الرابع عشر من شهر فبراير المقبل، قررنا ذلك لنعبر لشعب جنوب السودان عن حزننا العميق لفراقهم رغم مباركتنا لممارسة حقهم الإنساني والديمقراطي في تقرير مصيرهم، أردنا أن نجعل من الحداد والحزن مظهرا يعكس نبض الحياة في الشارع السوداني، ويعكس التفاعل الحي لنساء السودان مع أكبر وأخطر حدث في تاريخه المعاصر، وأردنا أن نقول لكل العالم أن شمال السودان ليس كتلة صماء
مجتمعة على موقف واحد ورأي واحد تجاه جنوب السودان، ففي الشمال قوى خيّرة مستنيرة تبغض العنصرية، وقوى ديمقراطية تنشد التغيير في بنية الدولة السودانية لصالح القوميات المهمشة في البلاد وعلى رأسها شعب جنوب السودان، وفي الشمال من هو مستعد للقتال من أجل إنصاف المهمشين جنوبا وغربا وشرقا، وفي الشمال من يعتقد جازما أن مصلحة الشمال نفسه واستقراره وازدهاره ووحدته تكمن في الإصلاح الجذري باتجاه الديمقراطية والتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية وإنصاف المهمشين والمظلومين، وفي الشمال من يرى في التنوع الثقافي والتعددية بكل أشكالها دينية أو فكرية أو سياسية مصدرا للغنى والثراء والقوة وليست مدعاة للفرقة والتجزئة، لقد قررنا ارتداء ملابس الحداد وإظهار الحزن لكي نقدم لشعب الجنوب كلمة وداع واعتذار كنا نحلم بأن تقال له في سياق عملية تاريخية للحقيقة والمصالحة تحقق التصافي والتعافي وإبراء الجراح وإزالة الاحتقان، والدعوة موجهة لكل النساء السودانيات أن يرتدين الثياب البيضاء أو الملابس السوداء طيلة أيام الشهر المقبل وحتى موعد إعلان نتيجة الاستفتاء كتعبير ولو بأضعف الإيمان عن موقف تاريخي بحجم الحدث التاريخي الذي تستشرفه البلاد، فلا يليق بنا ونحن نفقد ثلث وطننا أن نلتزم الصمت ولا نرفع صوتا يسجل في التاريخ ويروي للأجيال القادمة أن الجنوب عندما غادر الدولة السودانية كان في الشمال من يبكي بكاءا نبيلا على فراق شعبه الذي هو جزء عزيز وكريم من الشعب السوداني، ورغم الحزن والدموع فإن المحزونين والمحزونات في الشمال يهنئون شعب الجنوب بممارسته لحق تقرير مصيره ويحترمون خياره في الاستقلال لأن الدولة السودانية بشكلها الماثل الآن غير جاذبة حتى لقطاعات واسعة من الشماليين أنفسهم. إن الحداد والحزن الذي تدعو إليه مبادرة (لا لقهر النساء) ليس مجرد فعل عاطفي يكتفي بإظهار مظاهر الحزن والحسرة والتعبير الشكلي عنها، رغم إيماننا بأن العاطفة في حد ذاتها طاقة خلاقة لها دورها المؤثر في تحريك الشعوب وصناعة إنجازاتها وهي منبع أساسي لإلهام الأفراد والجماعات، ومتغير مهم في معادلة الحراك الإنساني بأبعاده المختلفة، لذلك فإن الطغيان عندما يبلغ مداه يعاقب الناس حتى على عواطفهم! وهذا ما رسمه بعمق الشاعر أحمد مطر في وصفه لطغيان صدام حسين حيث قال: يرجو عدل محكمة وكان تنهّد المحزون في قانونه جنحة/ وكان حكم الموت مقرونا بضحك المرء للمزحة! نعم إن تنهد المحزون هو مرحلة ما من مراحل الثورة التي يخشاها الطغاة! ولذلك نتوجه إلى كل نساء السودان بالدعوة للحزن ولو في حده الأدنى والتعبير عنه وعدم الاستهانة بقيمته النضالية ودلالته السياسية، ولكن الحزن الذي ننشده في حملتنا هذه هو الحزن المتفكّر والمتدبّر، هو الحزن الذي يتحول إلى طاقة فاعلة في مجال التغيير، هو الحزن الواعي بتحديات هذه المرحلة التاريخية وأولويات عملها، هو حزن اليوم الذي يحمل في طياته فرح المستقبل، ولا فرح في المستقبل إلا بالتصدي لواجبات هذه المرحلة التاريخية المفصلية بشجاعة وحزم، وصبر ومثابرة،وواجبات هذه المرحلة تتمثل في الآتي: التغيير السياسي في الشمال، هذا أوجب الواجبات، وبدونه سوف يتفكك الشمال نفسه، فلا يمكن بعد حدث كبير كانفصال الجنوب تستمر الأوضاع كما هي عليه، لأن انفصال الجنوب يعني أن فشل الدولة السودانية بلغ مداه، وصحيح أن هذا الفشل تراكمي، ويستوجب وقفات مراجعة نقدية صارمة لمنهج الحكم والإدارة والتنمية في الشمال منذ الاستقلال ومن قبل كل القوى السياسية، ولكن نظام الإنقاذ الذي انفرد بالحكم منذ عام 1989 حتى الآن جعل من الفشل حالة إبداعية! على حد تعبير الأستاذ عبد الوهاب الأفندي، وخلق في الساحة السياسية السودانية أزمات جديدة غير مسبوقة، واستنفر كل مخزون العنصرية والاستعلاء الكامن في اللاوعي السوداني وجسده في مؤسسات ومنابر، وحول الحرب في الجنوب إلى حرب دينية جهادية بين الكفر والإيمان مما سبب حالة من القطيعة والمفاصلة التامة بين شقي الوطن، وقادت جملة سياساته إلى إغلاق الباب محكما أمام أي إصلاح جذري باتجاه الانفتاح والتعددية والمصالحة الوطنية كما أضاع ومع سبق الإصرار والترصد فرصة تحويل اتفاقية السلام الشامل إلى مساومة تاريخية ومشروع جاد لإعادة هيكلة الدولة السودانية، وخلق واقعا لا يمكن أن يقود إلا إلى انفصال الجنوب، وعلى أعتاب هذا الحدث أعلن الحزب الحاكم على مستوى قياداته أن ليس لديه أدنى استعداد للإصلاح السياسي أو الشروع في ترتيبات دستورية جديدة، مما يدل أن الحزب الحاكم عاقد العزم على استبقاء ذات المنهج المعوج في حكم البلاد وبالتالي عاقد العزم على تفكيك ما تبقى من الدولة السودانية، ولذلك لا يمكن أن ترهن مهمة التغيير لإرادة الحزب الحاكم بل لابد من تحرك القوى الحية لكي تفرض التغيير فرضا. من واجبات هذه المرحلة أيضا العمل على استدامة السلام بين الشمال والجنوب ولا سيما في جانب السلام الاجتماعي، فلابد من التصدي للخطاب العنصري وخطاب الكراهية لأن هذا الخطاب فضلا عن كونه يكرس الكراهية والعداء بين شعبي الشمال والجنوب هو خطاب مسيء لإنسانية أهل الشمال أنفسهم ولذلك على القوى الحية والخيرة والمستنيرة في شمال السودان أن تتحرك بفاعلية في هزيمة هذا الخطاب ونبذه وعزله وتوعية الجماهير بتهافته عبر العمل الثقافي والإعلامي وعبر التنوير الفكري وعبر تعريته والتنفير منه بمختلف الوسائل من منطلق الانتصار لإنسانية الشمال قبل أن يكون من أجل رد الاعتبار للجنوب، في تاريخ كل أمة لا بد أن توجد ممارسات عنصرية وإرث من المظالم والاستبداد، ولكن الأمم تتفاضل حضاريا بمواقفها من ماضيها، هل وقفت من الماضي المظلم وقفة ناقدة ومن ثم سلكت مسلك التكفير والتصحيح واستشراف حياة جديدة على أسس مغايرة للماضي أم سلكت مسلك الإنكار والمغالطة والمكابرة ومضت في طريق إعادة إنتاج الماضي وبالتالي مصادرة الأمل في مستقبل أفضل، ومن واجبات هذه المرحلة أيضا الاهتمام الخاص بالمناطق ذات المشاكل الشبيهة بمشكلة جنوب السودان والتي عانت من مظالم شبيهة بمظالم الجنوب حتى لا يكون مصيرها الاستقلال عن الدولة السودانية والسبيل الوحيد لذلك هو التغيير الشامل في منهج إدارة الدولة السودانية إن حدادنا المتبصر وحزننا المتفكر هو دعوة للتأملات العميقة في هذه القضايا وابتدار التحرك نحو معالجتها.

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1669

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#79670 [انس عبدالباقى]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2011 02:16 PM
هاهاهاهاهاهاها انا اسعد انسان فى العالم بانفصال الجوب علينا ان نفرح ونقيم الاحثفالات فهذا يوم الاستقلال الحيقى للشمال ونقول شكراً الانتباهه

شكــــــــــــــــــــــــــر منبر السلام العادل


;) ;) ;)


#79557 [فيصل شريف]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2011 12:30 PM
الاستاذة : رشا عوض ..... انني من اشد المعجبين بقلمك الشريف في زمن اهل الصحافة فيه هم اكثر قسوة فيه بأقلامهم من فساد النظام الحاكم .... احترم هذا الحزن النبيل .... انا من ابنا الدينكا ولكن للمفارقات لم اقم باي زيارة لموطننا جميعاً الجنوب وانا وحدوي تماما ولا استطيع تخيل الجنوب بلا شمال والعكس صحيح .... حقيقة هذا النظام يحفظ له التاريخ بانه كان مبدعاً في نشر الفتنة والكراهية والبقض بين ابنا الوطن الواحد ..... عاش السودان موحداً .... فليسقط هذا النظام السافل الي مزبلة التاريخ.


ردود على فيصل شريف
Turkey [aAli Dinar] 01-17-2011 02:20 PM
أخونا فيصل ، وهو النظام الوحيد الذى أعطى الحق للآخرين للتعبير عن حقيقة ما يضمرونه ولا أظنك ولا غيرك تخالفنى الرأى فى ذلك فقد وضع نهاية للحرب وبداية للسلام وطبق المثل القائل : أكلوا أخوان وإتحاسبوا تجار\" ولكن الإخوة فضلوا أن يأكلوا بمفردهم خاصة والحكاية فيها بترول جاهز ، غادروا البلاد وهو غير موجود وعادوا ليجدوه حقيقة واقعة ولذلك فضلوا أن يأكلوا بمفردهم بالرغم من العواقب الوخيمة وأقلها التخمة وما تجره من ويلات وليس كل المال نعمة.


#79301 [أبورماز]
0.00/5 (0 صوت)

01-17-2011 07:44 AM
بت العوض .. سلام ...هكذا أنتن دائما نساء بلادى تحملن همنا وتعرضن حالنا ونحن نكتفى بالفرجه ..أخرجن نساء بلادى وأنتن موشحات بالحداد وتحملن حزن وطن ضاع أخرجن إلى الميادين والجامعات وبيوت رموز الوطن والمدارس وكل مكان تجدن فيه من يستمع .. أسمعننا ألمكن وبكاءكن .. تحدثن إلينا بما كانت تتحدث به أمهاتكن مهيره والكنداكه وبنونه بت المك ..قد تجدن أمامكن حواجز لا تقفن تحدثن من أسفل الحواجز .. أشركننا معكن فى التبصر والتفكر .. فنحن ماتت فينا أشياء كثيره يوم مات الوطن .. يوم ضاع الوطن .. وستموت فينا باقى الأشياء فى يوم مآل الوطن ...
لا لقهركن ولا لحزنكن نساء بلادى ..


#79211 [المفتى]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2011 11:33 PM
(ويروي للأجيال القادمة أن الجنوب عندما غادر الدولة السودانية كان في الشمال من يبكي بكاءا نبيلا على فراق شعبه الذي هو جزء عزيز وكريم من الشعب السوداني، ورغم الحزن والدموع فإن المحزونين والمحزونات في الشمال يهنئون شعب الجنوب بممارسته لحق تقرير مصيره ويحترمون خياره في الاستقلال لأن الدولة السودانية بشكلها الماثل الآن غير جاذبة حتى لقطاعات واسعة من الشماليين أنفسهم. إن الحداد والحزن الذي تدعو إليه مبادرة (لا لقهر النساء) ليس مجرد فعل عاطفي يكتفي بإظهار مظاهر الحزن والحسرة والتعبير الشكلي عنها،........)

التحية لكل المناضلات من اجعل عزة هذا الوطن ورفعة شأنة. سيروا الى طريق العزة والكرامة وكل الشرفاء والمخلصين من ابناء هذا الوطن سيكونوا سندا لكم ودرعا يحمى حقوقكم وعزتكم وكرامتكم.


ردود على المفتى
Turkey [aAli Dinar] 01-18-2011 07:38 PM
إقرأ أنت والأستاذة رشا بعيون مفتوحة وعقل حاضر مع التجرد الكامل
حكاية إنه النظام دة يعود له الفضل، بعد الله تعالى، بديهية فى الآتي \"
1/ وضع حد لحرب دامت أكثر من خمسين سنة .......حقيقة.
2/ منح الذين يحاربون طيلة هذا السنوات حق تقرير مصيرهم ......حقيقة
3/ فتح عقول الناس بأن الوحدة لا تأتي بالبندقية .......حقيقة.
4/ أن البترول لم يكن إكتشافاً للنظام بقدر ما كان كشفاً لعدم كفاءة الذين حكموكم .....حقيقة فالبترول كان موجوداً قبل النظام ولم يصل إليه أحد قبله
5/ أن العقلية التى خرج بها التمرد فى العام 1955م مروراً بالأنانيات واحد وإثنين مطالبة بالإستقلال والفدريشن والسبريشن تمت قبل ولادة الأستاذة رشا عوض من صورتها وشخص الأستاذ hamidebbedelnas] وتقديري لعمره هذا من إسلوبه) هذه العقلية لا زالت كما كانت ولو قدر لأحدكما العمل بالجنوب لوجدها فى أنفاس الأطفال ولا يعرف ذلك إلا الذين دفعوا ضريبة الوطن بالعمل فى الجنوب ولا يصلح العطار ما أفسده الدهر.
نصيحة لأخونا عبيد: دع الحديث عن الأشخاص وليكن نقدك موضوعياً لما يكتبوا فالله قادر على أن يجعل سره فى أضعف خلقه وبعدها إستقم وإستعن بالله وإيه رأيك إن قلت لك أنني أعرفك شخصياً بالرغم من محاولتك غير الموفقة فى الإحتفاظ بالإثنين معاً : الإسم والإستعارة؟ وأعدك بأن لنا لقاء على الطبيعة
بالبديهة، أنت تعلم أن المال فتنة مثلك مثل غيرك ولكنك لا تستطيع أن تقاوم سحره، وهذا ما قصدته والكل يعلم أن أول ما طالبت به الحركة الشعبية هو إنو يدوهم حقهم عجين قبال ما يعوسوا لأن عواستهم غير؟ هل تعرف أهم بنية تحتية تم تشييدها من مال البترول الذى لا يعرف أحد حتى الآن كيف تم صرفه؟ وتشربوه بالعافية!!!!

Sudan [hamidebbedelnas] 01-17-2011 03:32 PM
واحد واهم إسمو المستعار على دينار كتب إنو النظام أعطى الناس حق التعبير نوعك دا عمرو ما حيفهم التعبير حق مكفول لأى إنسان فى الدنيا إنت شكلك نايم أمشى أقرأ وتعال ناقش .البترول قال جاهز أو لما الحركة رفعت السلاح كان غير مستخرج والآن الجنوبيين يستمتعوا بالبترول وقال المال فتنة ما أى زول عرف الكلام دا يلا وقف بترول الجنوب عشان ما تقع فتنة يا شاطر يا محب السلام يا سيد أرجو أن تكتب كلام متوازن عشان ما تحلى الناس تتجاهل ما تكتبه (,حقو تعرف إنك بتعلق فى عامود تكتبه رشا عوض لذا يتحتم عليك أن تكتب كلام يليق بمكانة الأستاذة رشا وخليك عارف إنو حق التعبير مكفول بقوانين عالمية هو ما منحة من الكيزان
ودامت الحرية والديمقراطية


#79158 [ابو النصر]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2011 09:35 PM
بجد يارشا عوض انتي مبدعة انا اتمنى ان تكون كل البنات بنفس مستوى الفهم الراقي دي نشكرك بجد على التنوير


رشا عوض
رشا عوض

مساحة اعلانية
تقييم
1.90/10 (47 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة