المقالات
السياسة
المؤتمر الوطني: نفي وجود الآخر
المؤتمر الوطني: نفي وجود الآخر
01-30-2014 05:35 PM

ورد في أخبار الأسبوع المنصرم، لقاء الرئيس السوداني، بجيمي كارتر، الرئيس الأمريكي الأسبق، الذي صرَح بدوره أن الأول قد كشف له، عن قرارات جديدة بشأن الحكم في البلاد، كما قال كارتر أن الرئيس السوداني، قد حدثه عن حوار حكومته مع القوى السياسية والانتخابات القادمة.... الخ.
ومن الطبيعي و المنطقي، أن نتساءل، في كل الأحوال، عن مغذى الكشف عن قرارات جديدة، بشأن حكم البلاد، وهو شأن داخلي بحت، للأجانب عامةً و لكارتر خاصةً. في تقديرنا، أن أية قرارات بشان إدارة السودان وحكم شعبه؟؟ معني بها شعب السودان المحكوم، وحده لا غيره، وهو بالتالي أولى بالكشف له عنها، وليس تركه نهباً للتخمين، وضرب الأخماس في الأسداس، ليعرف ما سيطلع به عليه، رئيسه هذه المرة !! و نتساءل أيضا، بل، إن شئت الدقة، نذكِر، لعل الذكر ينفع المؤمنين، هل كان كارتر هذا رئيساً أسبقاً لأمريكا التي "قد دنا عذابها" أم لأمريكا غيرها؟؟!! هذا من جهة.
و من جهة أخرى، فإن جيمي كارتر، لا يمثل الإدارة الأمريكية، و قد خَلَفَه أربعة رؤساء، على رئاسة تلك الإدارة، كما هو معلوم. وهو على كل حال، ليس في موقع التأثير المباشر، على اتخاذ قرارات الإدارة الأمريكية، فيما يتعلق بعلاقاتها الدولية، الاقتصادية والسياسية ... الخ، بالسودان أو بغيره من الدول. و إذا كان ذلك كذلك، فما معنى الكشف لكارتر، عن قرارات جديدة، بشأن الحكم السودان، قبل كشفها لشعب السودان، المعني بها دون غيره، اللهم إلا إذا كان المقصود به، مخاطبة الادارة الأمريكية خاصةً، و الأسرة الدولية عامةً.
و يلحظ هنا ما درج عليه، قادة المؤتمر الوطني، من مخاطبة المجتمع الدولي، بلغة غير تلك التي يخاطبون بها الشعب الذي يحكمونه. وهذا ضربٌ من الحديث بلسانين، الموصوف بأنه من علامات النفاق و الكذب المنهي عنهما شرعاً. لذا تجدهم يرغون و يزبدون، حين يتحدثون في المنابر، وتنتفخ أوداجهم، "و يمزقون حناجرهم بالأكاذيب" و هم يكيلون السباب والشتائم للغرب عامةً و أمريكا خاصةً، بدعوى سعيها للانتقاص من السيادة الوطنية، والمساس باستقلال القرار السياسي، بينما لا يفوتون اهتبال أية فرصة، لمهادنة الغرب، و التودد إليه، و تقديم التنازلات و المساعدات المختلفة، وكل فروض الولاء و الطاعة له. صحيح أن الغرب يسعى إلي الهيمنة والسيطرة، و فرض إرادته على النظم التي تناوئ أطماعه، قولاً و فعلاً معاً، غير أن نظام المؤتمر الوطني، ليس من بين تلك النظم التي تقاوم فرض الشروط عليه فعلاً.
و فوق هذا و ذاك، فإن مخاطبة الخارج، بالشأن الخاص السوداني، منهج راسخ من مناهج، قادة المؤتمر الوطني الحاكم. فقبل سنة أو يزيد، صرَح رئيس الجمهورية، للإعلام الأجنبي، عن عدم رغبته، في الترشح للرئاسة لدورة جديد. واتضح فيما بعد، أنها كانت مناورة، في ملابسات الصراعات المحتدمة، بين أجنحة الحزب الحاكم حول السلطة. وفي أول شهور انقلابهم المشئوم صرَح رئيس مجلس الانقلاب العسكري وقتها، لوسيلة إعلام أجنبي أيضاً، أنهم سيحكمون أربع سنوات فحسب، يعيدون بعدها السلطة للشعب. هل قرأ هؤلاء سور القرآن الكريم، التي تذخر بآيات كثيرة، تحض بالوفاء بالعهود، و تعتبر عدمه مخالفة لدين الله.
خنوع وذلة المؤتمر الوطني، ليس مقصورا، على الرأي العام الغربي فحسب، بل يحرص على بذله و ابدائه، لكل من يأنس فيه التأثير، على مواقع اتخاذ القرار في الدول العربية المؤثرة. ففي بداية عهده، وعلى أيام شطط حكمه و غلوائه، نقل التلفزيون القومي، لقاء للرئيس السوداني، مع كوكبة من الكتاب العرب، كان مهندس هذا اللقاء، أو – إن شئت الدقة – سمساره اسلاموي تونسي معروف، كتبت الصحف عن تمويله، بنحو مليون دولار أو يزيد، سلمت له عداً نقداً، من نظام الخرطوم، فأسس من مقره في لندن فضائية له، لأجل مواجهة آلة الاعلام الغربي، المضاد لنظام الخرطوم، و لتجميل وجه أمام الرأي العام الغربي.
المفارقة الأولى، هي أنه في الوقت الذي دار فيه حوار الرئيس السوداني "تلفازياً" مع الكتاب العرب، كان رصفائهم من السودانيين، مع الناشطين السياسيين و النقابيين، في معتقلات النظام، ويتعرضون للتنكيل و التعذيب، في أقبية تعذيب دخلت مدونة تاريخ السودان الحديث، باسم بيوت الأشباح "سيئة السمعة"، براءة اختراعها مسجلة باسم المؤتمر الوطني.
أما المفارقة الثانية، فهي أن الاسلاموي التونسي، المموَلة قناته الفضائية، من أموال خزينة شعب السودان، قد أفرط في الاشادة بضيفه، لدرجة اضطر معها، لاستخدام مثل سوداني ذائع، يراد به القدح في صحة شكر الصانع لصنعته، ويذهب المثل، إلي أن من تتباهى بجمال العروس، هي نفسها من قامت بتجميلها و تزويقها.
تجاهل بل و ازدراء، الرأي العام الوطني، مع الخوف من الأجنبي، و محاولة كسب رضائه، بكل السبل، قائم على قاعدة ايمانية راسخة لدى الاسلامويين، قوامها أنهم في غزوة 30 يونيو 1989م قد غزو السودان و أخضعوه لسيادة حزبهم و مناصريه. و أن السودان بموارد و مقدراته أصبح منذئذٍ، فيئاً و غنيمة لهم، أما بقية السودانيين، فلا اعتراف بوجودهم، و هم بالتالي بلا حقوق، في دولة المؤتمر الوطني. و هو موقف أشبه بإنكار المثالية الذاتية "مذهب فلسفي معروف"، ونفيها وجود العالم المادي الموضوعي، خارج وعي الانسان. وبحسب منظِره "الفيلسوف القس بيركلي"، فإن المادة، بأشكالها المختلفة، من أحياء و جمادات و سوائل وغازات ...الخ، غير متحققة الوجود الموضوعي، بل ينحصر وجودها في وعي الانسان فقط. ومن غرائب مذهب هذا القس المبجل، أنه ينفي "ضمنياً"، وفي تناقض عجيب، الوجود المادي الموضوعي، للإنسان و دماغه، حامل الوعي نفسه. و ما نشاهده الآن، هو أن المؤتمر الوطني، لا يرى فوق تربة الوطن، و تحت سمائه، إلا نفسه، و من ثم، لا يعترف بوجود غيره فيه. وتحقيقاً لهذا النظر، فهو ينفي عملياً و جود الآخرين، سواء كانوا معارضين، أو غير معارضين، طالما أنهم ليسوا من أعضائه أو من مناصريه. فنظرة المؤتمر الوطني، للآخرين خارج صفوفه، تشابه نظرة المثالي الذاتي للواقع الموضوعي، خارج وعيِه، بقرينة إنكار ونفي الوجود في كلٍ، نفياً مطلقاً. و من البديهي، أن ينكر و يجحد، حقوق الآخرين، من لا يقر - ابتداءً - بوجودهم الموضوعي.
و يلحظ أن إيمان المؤتمر الوطني، بإنكار وجود غيره و نفيه، ليس محض تنظير، بل طبقه عملياً، طوال ربع قرن من حكمه الأسود. فتحت شعار التمكين، جرت عملية إبدال و إحلال، في جهاز الدولة، قضي على قوميته و حياده، وبموجب الأول، أفرغت الوظائف العامة والخاصة، من أي عنصر، لا ينتمي للحزب أو يواليه، وبموجب الثاني، حل منتسبو الحزب و أنصارهم، محل المفصولين تعسفاً، من وظائفهم في جهاز الدولة والقطاع الخاص. و هكذا حلَ الحزب في الدولة، والدولة في الحزب، إحلالاً تاماً، حتى سيطر و هيمن على جهازها، بشقيه المدني و العسكري. وبتوظيف و تسخير الإبدال و الإحلال المذكورين، أحكم الحزب قبضته، على مفاصل الدولة، السياسية والادارية والفنية والعسكرية، كما أحكم قبضته على مفاصل الاقتصاد وموارد البلاد المالية والسوق.
و لم يقف أمر نظام المؤتمر الوطني، عند حرمان الآخرين من حقوقهم الدستورية و السياسية و المدنية، بل تجاوزه، إلي اسقاط و حجب الحماية القانونية عنهم. فطِوال سنوات حكمهم، ظلَ الإسلامويون ومناصروهم، يتظاهر و يخرجون المواكب و المسيرات، المحفَزة و مدفوعة التكلفة، و تحت الحماية الكاملة للأجهزة الأمنية، سواء لتأييد النظام أو لمناصرة نصرائهم في الخارج. بينما لا تتردد نفس الأجهزة الأمنية المذكورة، في فتح الرصاص الحي، في صدر كل من يتظاهر، من قوى المعارضة، مطالباً بحقوقه المشروعة، أو محتجاً على سياسة النظام أو على الأوضاع المعيشية الصعبة. وأزهقت تلك الأجهزة، أرواح مئات الآلاف من المواطنين، في دارفور، والعيلفون و بورتسودان، و أمري و الحامداب، والمناصير، و كجبار، و أخيراً، في هبة سبتمبر 2013م الأخيرة. و لم يقدم أي من مرتكبي، تلك الجرائم إلي المحكمة، في الوقت الذي، يعتقل فيه فوراً، من يتظاهر مطالباً بحقه، من معارضي النظام، و يقدم إلي المحاكم بانتظام، كما هو الحال، مع المشاركين في مظاهرات سبتمبر الماضي. فدماء المعارضين و أرواحهم أهون، عند أهل النظام، من المال عامه وخاصه، و المدعى بتخريبه و إتلافه، بفرض صحة هذا الادعاء. لاحظ أن أجهزة النظام، تعرفت على من أتلف و خرِب، كما تزعم، بينما أدارت بصراً كفيفاً، كما في عبارة الانجليز، على من أطلقوا النار، في صدر و رؤوس الشباب و الشابات، وأردوهم/هن صرعى.
و بالنتيجة أقام الإسلامويون، نظامهم للتمييز الأيديولوجي، الذي لا يقل في سوئه في شيء، عن نظامي: الفصل الديني و العنصري، القائم في اسرائيل، و الفصل العنصري المباد، في جنوب إفريقيا. و وفق نظام الفصل المذكور، قُسِم السودانيون، و لأول مرة في تاريخ السودان، قديمه وحديثه، إلي طائفتين من المواطنين، الأولى تتمتع بكافة حقوقها، علاوةً على حقوق غيرها المغتصبة، والثانية تؤدي أكثر مما عليها من واجبات، منها الضرائب و الزكاة و الجبايات و الأتاوات، تنتزع من أفرادها جبراً و إكراهاً، بينما هي منزوعة حقوق المواطنة بالمطلق، و مجرَدة من حماية القانون، أي مهدرة الدم تماماً، بحكم غير معلن. والطائفة الأخيرة أشبه بما يعرف، في بعض دول الخليج بالـ "بدون"، وهم مواطنون، لا يتمتعون حتى بجنسية البلاد التي ينتمون إليها، و محرومون من كامل حقوق المواطنة.
في تقديرنا، إنه لا يستقيم أي حديث عن أي حوار، بين النظام والقوي السياسية والاجتماعية المعارضة، قبل إعادة الحال، تشريعياً و تطبيقياً و عملياً، إلي ما كان عليه، قبل التمكين و قبل تطبيق سياسة التمييز الأيديولوجي، التي جرَدت السودانيين، من غير منسوبي المؤتمر الوطني، من كافة حقوقهم. فإذا كان الغرض من الحوار، هو انهاء الاحتقان السياسي المتفاقم، بالتوافق على صيغة للتفاهم، على قواسم وطنية مشتركة، بين مكونات الفضاء السياسي و الاجتماعي، فمن العبث انتظار استجابة الآخرين للدعوة قبل تحقيق مساواة معارضي النظام، مع عضوية حزبه و أنصاره، في الحقوق الواجبات على أساس المواطنة، و قبل وضع جميع السودانيين في درجة واحدة، دون تمييز أو تفضيل أحدهم على الآخر، بسبب عرقه أو دينه أو جنسه، أو بسبب انتمائه الأيديولوجي أو السياسي.


أمين محمَد إبراهيم
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 792

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#902315 [Sudanya]
1.00/5 (1 صوت)

01-31-2014 01:40 AM
أعترف بأني إستهليت قراءة المقالة الرائعة مطلقا من عنوانها والذي اكملته في مخيلتي، ووقرأته: المؤتمر الوطني: نفي وجود الآخر ، أي وجود خطاب آخر للرئيس غير خطاب الوثبة الشهير،ولكن وجدت نفسي أقرأ في اجمل ما سطر كاتبء صحافي او متابع ومهتم بالشأن الوطني، وأجمل تاريخ وبلاوي الإنقاذ وسوؤاتها في مقال رصين مختصر لم يترك شاردة ولا واردة إلا أشار إليها.شكرا أستاذ أمين على هذا الطرح الرائع ولا شك ما لم يتقاصر المؤتمر الوطني لندية الآخرين وقبل ذلك إزالة وترميم ما يمكن ترميمه من التهديم الذي لم تسلم منه فضاءات الحياة السودانية لا يمكن الحديث عن حوار ومصالحة وطنية.إنني من المتشائمين لان ماعهدناه من الإنقاذيين لا يبشر بأن مثل الحل منظور.ولكن يجب ان لا ننسى ان الحقوق لا تمنح ولكن تنتزع إنتزاعا.


#902257 [جمعه]
1.00/5 (1 صوت)

01-30-2014 11:18 PM
موضوع فى التنك يا أستاذ أمين... اتفق معك وايضا اضيف لما اوردت لايمكن ان تتم مصالحه ويجرى تنافس دون مصادرة البنوك الاسلاميه وعودة النظام المصرفى المشترك ودون مصادرة شركات الاسلامين التى تحتكر السوق وتهمين عليه وتحتكر لها الحكومه العطاءات... هذا هو لب القصيد... من غير المساواه فى الفرص الماليه وفرص الحصول على رأس المال وإستعادة كل ما نهبه الاسلامين من موارد الشعب السودانى لا داعى للمصالحه.


أمين محمَد إبراهيم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة