02-11-2014 11:12 AM

أسقطت الأحداث السياسية الأخيرة آخر أوراق التوت التي يحتمي بها النظام وكشفت عن سوء عوراته كما كشفت عن عمق أزماته وتصدع لبناته. فما عادت الحلول الأمنية وكل أدوات بطشه وإراهابه وحروبه الأهلية محصنة له من الإنهيار الشامل. وفي مواجهة عزلته المتصاعدة شعبيا واقليميا ودوليا أطلق النظام دعواته الخاوية للحوار في محاولة أخيرة لتفادي الإنهيار والسقوط النهائي وهي كما أكدت الأحداث والتطورات المتلاحقة محاولة يائسة لترتيب بيت الإسلام السياسي وتعضيده وإخراجه بصورة محسنة لمواجهة الواقع المأزوم بعد اتساع الرفض الشعبي وتصاعد حركات الشباب الاحتجاجية.

إننا في الجبهة السودانية للتغيير على قناعة تامة بأن فشل الدولة السودانية وانهيارها الحالي له إمتداده وارتباطه الوثيق بمشروع إقامة الدولة الدينية الإسلاموية منذ الاستقلال المرتكز على سيادة النقاء العرقي وسياسة الإقصاء وتكريس حالة التهميش وعدم الاعتراف بخصائص الواقع السوداني المتنوع والمتعدد، وما أفرز ذلك من اتساع وتفاقم الحروب الأهلية والمصادرة التامة للحريات والديمقراطية والأزمات الاقتصادية الخانقة واستفحال الفقر والمسغبة وتفشي الفساد على مختلف أوجهه والإنهيار التام للصحة والتعليم والخدمات وكل مؤسسات الدولة.

في مواجهة هذا الواقع الأليم تظل القوى الديمقراطية الليبرالية في حالة إنقسام وجزر متفرقة ومعزولة عديمة الفاعلية والتأثير السياسي، ولذلك فإننا لا نمل من ترديد دعواتنا السابقة والحاضرة من ضرورة تجميع هذه القوى كهدف استراتيجي بوصفها الترياق الذي يمكن إذا ما اتحدت بتعدد قواها وواجهاتها التي تضم الريف والحضر أن تسقط هذا النظام القمعي وتوقف هذا الهدر الإنساني والهدام الجغرافي والسفه الاقتصادي. ومن ثم إعادة تكوين وتشكيل الدولة السودانية على أسس جديدة.

إننا على ايمان تام بأن القوى الديمقراطية مؤهلة كي تلعب هذا الدور لعدة أسباب، منها تخطيها للعقائدية المتجمدة، ورفضها للطائفية المتخلفة، وإيمانها بالتعددية والديمقراطية، واحترامها لحقوق الإنسان السوداني في شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله، برجاله ونساءه وشيوخه وأطفاله، بتعدد ألسنتهم واختلاف معتقداتهم، وتنوع أعراقهم وانتماءاتهم.

نحن في الجبهة السودانية للتغيير، لا نطرح تصورا مسبقا أو نقترح تنظيما مغلقا أو أفكارا تقريرية نسعى إلى تسويقها أو أحلافا نستقوي بها من أجل كسب سياسي آني أو مستقبلي، أنما نؤكد على أهمية الاتفاق حول رؤية سياسية، وبرنامج عمل نستعيد به ثقة جماهير شعبنا في تنظيماته السياسية المختلفة، ومن ثم استقطاب السخط الشعبي وتوجيهه نحو إسقاط النظام. ليس فقط من أجل الاسقاط فحسب، بل لأنه ظل طوال ربع قرن من الزمان رافضاً كل الدعوات الوطنية لتماسك وحدة البلاد، وفي هذا نطرح أجندة التغيير السياسي حتى لا تكون عملية إسقاط النظام عملا هامشيا ومحصورا في تغيير المراكز والشخصيات، أي تغيير النظام دون تغيير مؤسساته الخربة، وحتى نتجنب سلبيات الماضي المتمثل في انتفاضتي أكتوبر وأبريل، واجهاض أهدافهما مما أدى إلى تعثر التجربة الديمقراطية، والتي يمكن إرجاعها أساسا للتناقض بين وزن الحركة الديمقراطية والنقابية ومساهمتهما في عملية التغيير السياسي، وموقفهما المتناقص من المشاركة في السلطة التنفيذية والتشريعية، الشيء الذي جعل الانتفاضات الشعبية لا تصل إلى مراميها وأهدافها النهائية.

نحن لا ندعي بأننا القوى الديمقراطية الوحيدة في الساحة السياسية، ودعوتنا إلى توحيد القوى الديمقراطية لا تتتعارض مع إحترامنا لقوى ديمقراطية أخرى، لها خيارتها بعضها تاريخي أو عقائدي وفقا لقاعدة احترام الرأي والرأي الآخر، فهذه القوى لها تطلعاتها تجاه من تمثلهم، بل تجاه الإنسانية جمعاء وفقا لفلسفاتها، كما ولا نهدف إلى منازلتهم في قناعاتهم الفكرية أو العقائدية، ولا نسعى أو نهدف إلى تقويض أحزابهم أو تنظيماتهم، إنما نؤمن بإمكانية العمل المشترك نحو استراتيجية توحيد القوى الديمقراطية، من خلال الايمان الراسخ بقبول الآخر واحترام خياراته.

لقد حان الوقت لتقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي وما أعقبه من تحالف قوى الإجماع والإقرار بقصورهما وعجزهما في منازلة السلطة واسقاطها لانتزاع الحقوق والأهداف السياسية الكبرى لصالح شعبنا، وبالرغم من بعض النجاحات التي حققتها التجربتان هنا وهناك، لابد من الإقرار في سياق الأحداث الطبيعية بأن هذه التجربة قد تجاوزها الزمن والتاريخ والواقع المعاش، ومن ثم النظر في إعادة التحالفات السياسية على أسس مفاهيمية وبرامجية جديدة قوامها فصل الدين عن الدولة والديمقراطية التعددية المرتكزة على دعائم السلام والعدالة الاجتماعية المرتكزة على النظام الفيدرالي الحقيقي، والقائمة على قاعدة الايمان المطلق بأهداف الشعب السوداني، والمجردة من الأهداف والغايات السياسية الضيقة، وذلك لبناء القواعد التي تستقيم عليها مكونات القوى الديمقراطية القادمة لتكون قادرة على إحداث التغيير الذي ينتظره شعبنا.

لا شك أن عملية توحيد القوى الديمقراطية، وفتح المنافذ والقنوات لتوحيد الرؤى السياسية برامجيا وتنظيميا قد واجه إعاقة عنيدة، وعزم لا يلين من القوى اليمينية العقائدية والرجعية الطائفية، لكي تبقي القوى الديمقراطية متخندقة في جزر معزولة لا قاسم مشترك بينها سوى إجترار ماضي المرارات والادانات الشفاهية للتدمير الممنهج لمقدرات وموارد الوطن وإنسانه. ومع ذلك هناك إشارات مضيئة من التجارب التاريخية الإنسانية الملهمة تقدم لنا أرضية يمكن البناء عليها في إطار تغير معطيات الماضي التي حالت دون توحيد القوى الديمقراطية، فواقع السودان السياسي المأزوم اليوم قد أفرز رؤية مغايرة للتفسير الايجابي لهذا الفشل والاستفادة منه في توحيد تلك القوى لمواجهة الآتي.

إن الوعي بأهمية توحيد القوى الديمقراطية في حد ذاته خطوة بالغة الأهمية نحو الطريق الصحيح، وانطلاقة حقيقية لاستشراف الظرف الممكن للفعل السياسي الراهن لتحويل الطاقات السلبية إلى فعل يكسر الجمود السياسي والجدل الدائري الذي يفضي إلى العدمية والفراغ، ويقف حائلا دون انجاز هذا الهدف ،والاستكانة إلى صعوبات الواقع المعيق.

من المسلم به أن توحيد القوى الديمقراطية ليس غاية في حد ذاته، إنما وسيلة حاضنة لأولويات وطنية مرتبطة بوجودنا على هذه الأرض التي تسمى السودان من هذه الأولويات: الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم والاستقرار السياسي في المجتمع والدولة ككل وتغيير شكل الدولة القديمة، وهذا لن يتم إلا بعملية سياسية مركبة، فهي من جهة عملية تغيير واعي ومحسوب، ومن الجهة الأخرى عملية بناء وطن وفق أسس علمية مستمدة من تجارب الآخرين، والرابط بينهما هو أن تتحد الرغبة والإرادة لتحقيق ذلك الهدف، وإلا صارت أولوياتنا كأحزاب سياسية ومنظمات مدنية وحركات مسلحة واتحادات شبابية وطلابية ونسوية وجباه متعددة وشخصيات مستقلة تنحصر في التصدي لسطة الجبهة الإسلامية القومية بصورة تكاد تبرر لوجودنا السياسي كمعارضة تستمد شرعيتها بإدانة ما تعارضه فقط، أي الوقوف عند محطة رد الفعل والعجز عن الفعل المفضي إلى نتائج تنقذ وطن على شفا هاوية.

علينا أن لا نجعل من اختلاف المواقف السياسية، وتعدد المشارب الفكرية عقبة كأداء تحول بيننا وبين الوحدة، بصرف النظر عن الشكل الذي سوف تكون عليه، فالوحدة التي نريدها لا تعني بأي حال من الأحوال الاندماج أو الذوبان في الآخر، إنما يكفي أن تكون وحدة هدف ومصير مشترك مبنية على أسس واضحة تكون محصنة من احتمالات الردة والانتكاس، لتتجاوز هذا الجمود الراهن واحتمالية استمراره في المستقبل، حتى لا نكون أسرى أزمات الانغلاق الفكري، والعجز عن الفعل السياسي.

قبل الشروع في مناقشة وحدة القوى الديمقراطية، علينا في البدء تفكيك كلمة القوى الديمقراطية، ماذا نعني بها وما المقصود بالوحدة وما هو أساسها وما هي برامجها السياسية؟، هل هي مرحلية تنتهي بتحقيق أهدافها أم هي وحدة استراتيجية تتسم بالشمول في مواجهة شمول المعوقات التي تقف حائلا دون هذه الوحدة؟، بالتأكيد أن هذه الأسئلة المشروعة ليست أسئلة جدلية أو خلافية، ولكي ننطلق من أرضية ثابتة علينا توحيد لغتنا في تعريف المصطلحات، حتى نسهل عملية توحيد هذه القوى لمواجهة التحديات الجسيمة المحدقة بالدولة السودانية، فالقوى الديمقراطية هي كل تنظيم أو جسم سياسي يؤمن بالخصائص الرئيسية للديمقراطية الليبرالية والمفاهيم الأساسية المرتبطة بها. أما تعريف كيفية اتحاد هذه القوى ستحدده هذه القوى نفسها عند مناقشة وتفكيك معوقات هذه الوحدة لأن شكل الهدف التي نريد الوصول إليه يحدد مضمون هذه الوحدة أولا وبالتالي تعريفها ثانيا.

الكرة الآن في ملعب القوى الديمقراطية إلا من استثنى نفسه وعزلها وفقا لأجندات استعصت علينا مغاليقها، فهم وحدهم يملكون الاجابة التي تبرر مواقفهم من الوحدة. فعليه يتوجب علينا تحديد شكل الوحدة التي تخدم أهداف الشعوب التي نتكلم ونعارض باسمها، وإلا سوف تتجاوزنا هذه الشعوب وتأخذ مصيرها بيدها وعندها قد لا يفيد إجترار الندم.



الجبهة السودانية للتغيير

١١ فبراير ٢٠١٤م




تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 768

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#912957 [سوداني متابع]
5.00/5 (1 صوت)

02-11-2014 10:55 PM
مشكلة الثورات و الانتفاضات الشعبية التي قامت أنها كانت قائمة علي أشواق و أماني من علي مسافة بعيدة عن عصب السلطة و الدولة , مما افرز فترات ديمقراطية هشة فشلت في امتحان ادارة الدولة و خاصة باتساع دولة السودان و الدول لا تدار بالاحلام أو الاماني .
لا خلاف بين كل قوي المعارضة و حتي المنسلخين من الحكومة علي المبادئ الاساسية من حرية التعبير و حقوق الانسان و المواطنة علي المستوي العريض و ان وجد اختلاف فهو كمي لا كيفي . و المعضلة الاساسية في ادارة مرحلة ما بعد الديمقراطية هي السقوط في حالة الفشل من تحقيق اماني النخب و الشعب في الحياة الكريمة و ذلك دائما ما يكون بسبب غياب خطط اقتصادية واضحة و مدروسة و متخصصة . و الوطن في تعريفه الاسمي هو حالة من اشتراك المصالح الاقتصادية و الخدمية بين مكونات الوطن و المواطنين و هذا ماظل غائباّ عن السودان القديم و ما أدي لظهور المشاكل المزمنة و المعاصرة من هجرات ضخمة للمدن و توقف عجلة الانتاج و اختلال موازين التنميه بين اقاليمه و الفراغ المعرفي و نقص التعليم بين المواطنين مفرزة أوطان صغيرة و جزر متنافرة يسهل كسرها أو استقطابها . و افرزت العوامل السابقة حالة من التعاطي غير البناء مع المشكلات الاساسية , و ولد فشل النخب علي مر الحقب .
كأولي الأوليات لاستدامة الديمقراطية هي اعادة صياغة التكوين و السياسات علي مستوي القطر . و التعاطي مع مفردات الوطن الحقيقية دون الركون لثوابت مضللة , فكمثال ليس للحصر السودان معرف بانه بلد زراعي و تم تجاهل حقيقة انه بلد رعوي يتميز بمراعي طبيعية و ثروة حيوانية لو تم استثمارهما الاستثمار الامثل لكفت ميزانية ادارة الدولة و التنمية , و لكن علي غير ذلك اصرينا علي تتبع الخطة البريطانية و التي قامت لمصالح الامبراطورية و التي كانت في حاجة لمواد خام تكمل مقومات اقتصادها هي و ليس للسودان المستعمر مثل الاقطان و مساحاتها المزروعة ,,الخ حيث لو تمت دراسات واقعية و وطنية فقد تصل الي ضرورة استثمار القدرات الزراعية للانتاج الحيواني
مثل دولة هولندا و هي التي بمساحتها لا تعادل نصف اقليم كردفان , و ياليت المشكلة انتهت عند هذا الحد من التوهان و لكن ما تم تجاهله من حقيقة النشاط الرعوي بمكوناته و مواطنيه الرحل و الذين قد يصل تعداده لنسبة مقدرة من تعداد السودانيين ( شماليين و جنوبيين ) هم رعاة مترحلون بمساحة بطول القطر مما يؤثر علي الصحة و الاستقرار و التنمية و الاستثمار في المناطق التي تمر بها المراحيل اضافة لتأير الترحال علي الرعاة من ضعف التعليم و نسيج المواطنة و الشخصية و عدم الاستقرار , اضافة للمردود الاقتصادي المتدني لثروة تقدر بمائة مليون رأس من البقر و الابل و الضأن , و كنتيجة مباشرة لما ورد يؤدي كل ما سبق الي فشل كــــــــــل البرامج في مناطق الترحال و ينطبق هذا علب بداية مشكلة دارفور و جنوب السودان ( خاصة ابيي ) و كردفان و البطانة و مراعي شرق السودان !!!! ( ما تم ذكره من مساحة يعادل مساحة ست أو سبع دول ) فكيف تقدم خطط تتجاهل ثلث سكان السودان و مساحة تقدر بقرابة نصفه (السودان القديم ) الا يسمي هذا بفشل البرامج ؟؟
أي خطة لادارة الدولة لابد أن تنبني علي التنمية المستدامة و توطينها كانشاء مشاريع استقرار في كل اقليم حسب موارده و امكانياته ( الشرق مواني تغذي كل افريقيا التي تفتقر لمواني مثل تشاد و يوغندا و اثيوبيا و افريقيا الوسطي و اخيراً جنوب السودان في حال استمر علي انفصاله , غرب السودان و هو كردفان و دارفور بمصانع تعليب المنتجات الحيوانية و الجلود و مزارع و مصانع الاعلاف و كل مشتقات نشاط الثروة الحيوانية , الجزيرة و وسط السودان بمشاريع زراعية ذات جدوي اقتصادية و داعمة للتنمية في مختلف السودان ..
هذه امثلة لكي نفهم لب المشكلة التي أدت للتفتت و التهميش و هو غياب خطة استراتيجية تحتوي كل مكونات السودان و توفر الحياة الكريمة لمواطنيه , هذا او يظل مفهوم المواطن المسكين للوطن هو طائرات نقصف من السماء, و جبايات تجبي علي الارض و عسكر عسكر عسكر عسكر عسكر و عسكر لا أكثر فيظل كل منا قابع في وطن خاص بالقبيلة أو العشيرة .
و سلام علي البلد


ردود على سوداني متابع
United States [الشيخ حسن محمود] 02-12-2014 07:24 PM
يا أخي سوداني متابع الحل يكمن فيما كتبته والدعوة إلى توحيد القوى المؤمنة بالديمقراطية هذا أوانها وتأكد تماما طالما أن السودان فيه مثلك ومثل الذين يسهرون من أجل توحيد قوى السودان و همهم الوطن ما بجينا عوجة تب.

European Union [احلام النور] 02-12-2014 12:48 AM
والله يا (سوداني متابع) هذا كلام في الصميم....ويدل علي وعي كبير بمشكلة السودان.


الجبهة السودانية للتغيير
الجبهة السودانية للتغيير

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة