02-12-2014 07:12 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

زورق الحقيقة

ضعف الموقف النقدي العقلاني والعقلانية داخل أحزابنا الكبرى هي ام المشاكل، فالحل ليس أن يستقيل فلان أو علان، فهذا يمكن ان يكون تفكير متعجل وربما يكون صحيح أو خطأ ولكنه ليس كل الحل لأنه إذا استقال فلان سوف يأتي علان آخر وتستمر الممارسات الغير ديمقراطية. أعتقد الحل يتم بتجذير العقلانية داخل احزابنا ونقلها من عباءة الأبوية والزعيم لفضاء المؤسسية والنقد اي لفضاء الحزب بمعنى الكلمة والتعريف، لا لفضاء الطائفة أو الشلة أو القبيلة، ولكن كيف يتأتي هذا؟ وكيف ننتقل من "أنا" الزعيم لأنا الحزب أو نحن الحزب؟ ما نحتاجه ليس التعالي بالزعيم ليكون هو كل الحزب وانما النزول بالزعيم للحزب وهذا مكمن الصراع داخل احزابنا ويكون الإصطفاف حسب الموقف وثقافة الفرد الحزبي لذلك فلا يجب ان تكون الأحزاب دكاكين للسلطة والتسلط الأسري أو القبلي او الجهوي أو حتى التسلط الزعامي بإسم الديمقراطية المسكينة أو باسم الطائفة أو الجماعة أو حتى بإسم الأغلبية.
الإجابة لا تبدو سهلة للوهلة الأولي ولكن الأمر يتطلب عمل بلا هوادة ووقت، وذلك عبر المثاقفة اليومية والكتابة والشرح والقراءة لبث الوعي. فالأبوية يهزمها الوعي النقدي، فالزعيم يرى نفسه انه أبو المؤسسة وفوقها وأن كل شيء من مجهوده وأنه يحمل الحزب وهو حمالة الحزب لا العكس أي أن الحزب هو حمالة الجميع ويحمل الجميع لتكون البوتقة التي تعبر عن افكارهم ومصالحهم مجتمعين، ولا يجب أن ننسى ان الحزب يعني كل المجهودات الجمعية التي بذلها الجميع لبناء الحزب، فمن يسقى الناس الماء في المناسبات للكوادر الطلابية من الذين يضحون بوقتهم للكوادر والمشايخ وزعماء القرى والفرقان للذين فقدوا ارواحهم في مظاهرة او من اجل القضية والمثقفين، فكل هؤلاء يمثلون الرأسمال الجمعي للحزب وهم الحزب وليس الزعيم، السادات وصل به الأمر قال "أنا الدولة"، لذلك نظرية أنا الحزب لا تصلح لزماننا هذا وتعبر عن روح مشيخة سياسية شمولية فليس مكانها الأحزاب الديمقراطية فالحزب اكبر من اي فرد ومهما كان، فالفرد زائل والحزب باق.
غياب الثقافة الديمقراطية العريقة داخل الأحزاب والفهم المحدود للديمقراطية وانها عدد اصوات أو قرار افراد يجتمعون تحت مسميات ديكورية يكون افراد بعض الأسر فيها اكبر من ممثلي ولايات كاملة وتستخدم للتباهي الديمقراطي وتسمع كلمة المؤسسات والمؤسسية وهي مطية للزعامات وتقاسم المصالح وليس بيوت خبرة للأفكار والسياسات. فمفهوم الديمقراطية اعمق بكثير من عدد اصوات في اطار بيئة ما زالت تتجذر فيها ثقافة الشيخ والحوار، فالحواريون لا ينتجون وعي ولا يمكن ان يخرجوا من ظلام التبعية وعلاقتها المتشابكة لفضاء العقل ونقده والعمل الجماعي، وأيضاً الأسرية والعشائرية والقبلية، فموازنة العمل الديمقراطي الحزبي داخل بيئة معقدة مثل بيئة بلدنا ليس بالأمر السهل، فالأوزان الأسرية للزعامات والبيوتات أحياناً تشل العمل الديمقراطي الحزبي وفي اطار السيطرة ينتجون شلليات وافلاك تدور في رحى الأسرة من اجل السيطرة وخلق بيئة منفرة للعمل الحزبي الديمقراطي، فهذه البيئة جاذبة للإنتهازيين الوصوليين من الذين لا يشتغلون كثيرا بأمر القضية والفكر وانما بأمر انفسهم وومواقعهم ورضى الزعيم أو الأسرة عنهم، فصورة مع الزعيم او افراد اسرته او رحلة او حضور مناسبة تجلب لهم الفرح وتنسيهم دورهم العقلاني النقدي الذي يجب أن يقوموا به وقضايا أهلهلم التي تتعارض في بعض الأحيان مع قضية الزعماء وطريقة تفكيرهم.
لذلك لمعالجة القصور الحزبي لابد ان نسبح ما وراء الظاهر لتحليل الظاهرة وبعدها الإجتماعي. مانديلا في مذكراته "مشوار الحرية الطويل" اذا صحت الترجمة، ذكر في بداية التحاقه بشباب حزب المؤتمر الوطني الافريقي، وعندما طرح الشباب أن ينقلوا العمل لمرحلة جديدة واعدوا ورقة وهذه المرحلة الجديدة هي الانتقال من المعارضة السلبية للمعارضة الإيجابية واعلان المقاطعة والإضراب السياسي ومحاولة الإستفادة من تجربة غاندي في الهند، فرفض الزعيم وقال لهم انكم متعجلون ولم تنضجوا بعد، ولكن استطاعوا أن يقوموا بالتعبئة ويأتوا بزعيم مرحلي في الإنتخابات التي تلت وهو يتفق معهم في رؤيتهم، والتاريخ يقول انهم ليسوا شباب متحمسين وانما شباب امتلك رؤية فكانت صائبة حيث غيروا تاريخ بلدهم.
الأحزاب هي التي تحكم وهي مرآة المجتمع والدولة، اي قصور كبير فيها سوف يكون مرض مستقبلي يعتري الدولة والوطن، فإذا فسدت الأحزاب فسدت الدولة، وإذا صلحت الأحزاب صلحت الدولة الديمقراطية، فالبداية ليس بكنس الأنظمة الشمولية فقط وأنما بإصلاح هذه الأحزاب إذا كنا نريد مستقبل مشرق لبلدنا، فوجودهم في المعارضة لا يعني ألا تكون هناك شفافية ومحاسبة ونظام وديمقراطية حقيقية وليس ديمقراطية بيد الزعيم يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وشلليات، ودكاكين مصالح للسلطة، ومشروع شمولية سلطوية رأسمالية تنتفع منها الشللية والأسرية والجهويات مثل التي نعاني منها اليوم وهي مرض سوداني خالص مثل الصوملة واللبننة وهو مرض السودنة الجديد، حيث يبدأ في الحزب، وينتهي إلى الدولة وينهي الدولة كما هو حادث عندنا، فقد ماتت نظرية أنا الزعيم وانتهت مع نهاية التاريخ.

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 676

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة