تخلُّعات أول البارحة
02-16-2014 05:35 AM


إلي : صديقي جلا؛ محمد عبد الرازق الشيخ ..

صار نومي ،منذ فترة ، خزازاً ومليئاً بالتخلُّعات . أول البارحة صحوتُ من النوم عند الثانية صباحاً ، مخلوعاً مهلوعاً، وإحساسٌ بفقدٍ غير مشخَّص يُعكِّمني ويكبسُ أنفاسي . أخذتُ كتاباً أقطعُ به تسلسل النوستالجيا- مقطوعة الطاري- وأصدُّ به هجوم الذكريات و... الخيبات ؛ قرأتُ قرأتُ قرأتْ . ما فهمتُ ما فهمتُ ما فهمتْ ؛ صارتِ اللغةُ ألغازاً وصرتُ أنا ذيَّاك الغبيُّ العييْ. وضعتُ الكتابَ جانباً وقمتُ أتصفّح شبكة العنكبوت ؛ الأخبارُ مِنشارٌ ؛ طالع ينشر نازل ينشر.. أُطالع المنشور : وثبة الوطني تتوثَّب . الشعبي يحاور الوطني . الترابي يصرِّح ضاحكاً . المهدي يلتقي الجَّهَدي . الجَّهدي يشتم المعارضة ويهذي . الترابي يُثمِّن دعوة الوطني للحوار وبلا سببٍ يضحك . الميرغني يمد يده وأحد المريدين يقبِّلُها . آخرٌ ، مبتسمٌ ببلاهةٍ ، يحملُ عنه الحذاءَ " الشريف " بيدٍ ويتأبطُ أحذيةً أُخر .
أفففففف .
كبفْ نفس القطار الذي احترق حين أكل جوفه اللَّهب : تأففتُ تأففتُ تأففتْ ، إذ ، تأذَّيُتُ تأذَّيْتُ تأذَيتْ . كذي النونِ يُونُسَ في جوف الظلماتِ ناديتُ ناديتُ ناديتْ : يا الله ! يا الله ! يا الله! قفلتُ الكمبيوتر بصفعةٍ قصدتُ بها أربعة الخوازيق أعلاه. ثمَّ .. " لعنتُ كافورا ونمتُ مقهورا" في النوم داهمتني التسعينياتُ كوابيسٌ كوابيسٌ كوابيسْ : الترابي رئيساً للمجلس الوطني . نساءٌ ، كبراميل الزِّفت ،متَّشحاتٌ بالسواد . مشيهُنَّ زحيح ، صوتُهنَّ فحيح وكُلُهنَّ قبيحٌ قبيحٌ قبيح ؛يزغردن لموت شابٍ مات وهو يحاربُ أهله ، يزفنَّه عريساً لحورٍ عِينٍ مُتوَهَمَات ، في محيطِ دائرة الكابوس ملتحون موتورون " بأوداجٍ متشحِّطةٍ ممتلئةٍ دماً " يصيحون : عاع عيع عاع عيع . الموت . الله أكبر . الدم . عاع عيع عاع عيع . ورعبٌ يفتكُ بالجوعى والضعفاءَ وأمهات القتلى ؛ رعبٌ يصعدُ دخاخين دخاخين فيسُدُّ الأفق .في محيط الكابوس الأول يقفُ الشابُ الوسيم مجدي ، في قُبَّعةِ وروب التخرُّيج من الجامعة، مبتسماً يقفُ وحبلُ المشنقة فوقه يتأرجح . في محيط الكابوس الثاني علي فضُل الطبيب ينحني يجسُّ مريضاً . المريضُ يلاحظ مسماراً غليظاً مدقوقاً بيافوخ الطبيب .الطبيبُ يتهاوى. المريضُ يجسُّ الطبيبَ . الطبيبُ يفارق الحياة و..عاع عيع عاع عيع . الموت . الله أكبر. الدم . عاع عيع عاع عيع. في محيط الكابوس الثامن الشيخ والجنرال منتشيان يرفعان السبابة ؛ يرقصُ الأول ويبتسمُ الثاني ومهدي الخلاص المنتظر- ذاك الذي ما صدقَ أهله يوماً - مشغولٌ في تحديد الطريقة المُثلى للجوكي في إمتطاء الخيول التي ما فتأت تجقلب وشكرها ، أبداً ، مُجيَّرٌ لحمَّاد المنتظر . في محيط الكابوس الرابع خوجلي عثمان يحتضنُ عوده وبذات العزف الرَّصين يُغنّي ( درِّسني بس قانون هواك . أحفظ حروفو حرف حرف . ما بنختلف ) يلتفتُ ، والعودُ في حضنه ، لِيُريَ الجمهورَ المبهور ظهره : خنجرٌ فيه مشكوكٌ من جهة القلب ، حتى مقبضه، عميقاً يمتد . يرتدُّ المشهد لمحيط الكابوس الأول ورزازٌ من الدم يدسُر : عاع عيع عاع عيع . الموت . الله أكبر . الدم . عاع عيع عاع عيع . خوجلي عثمان يواجه الجمهور المقهور. في محيط الكابوس الرابع ؛خنجرُ خوجلي يلوِّنُ ابتسامتَه الطروبةِ بالدم : (تمِد إيديها يا رب ليْ ! تفوت تنساني لالا مُحال) .دخاخينُ الرعبِ تملأ الفضاء؛ ملتحون موتورون يسحلون نساءً. يجلدون نساءً. يغتصبون نساءْ، وفي قلب الكابوسِ قطيعٌ مُطيعٌ من أصابع السبّابة يبرز من فوق الدخاخين : هي لله . عاع عيع . الموت.الدم. هي لله. عاع عيع . المريضُ في محيط الكابوس السابع يحملُ الطبيب . يسقط المسمار الغليظ من اليافوخ فينبثقُ من ثقبٍ في اليافوخ دمٌ حارٌ يبقبق . يجري نهرُ الدم حتى محيط الكابوس الثالث ؛خنجرُ خوجلى يتقدّم والمُغني يُغنِّي . خنجرُ خوجلي يثقب الصدرَ والمُغني يُغنِّي. خنجرُ خوجلي ينغرسُ في العود ؛ دمُ العود يعودُ حاراً يبقبق .يملأ الأبهاء ، دمُ المُغني يُغنِّي (درِّسني بس قانون هواك . أحفظ حروفو حرف حرف . ما بنختلف)، سمّاعةُ الطبيبِ ترتجف إذ تنتحب. في مركز الكابوس الخامس عشر يأخذ الجنرال هيئة بروكرستس قاطع الطريق ، يبتر الجنرال بروكرستس بخنجر بروكرستس الشيخ ثلث الوطن حتى يتطابق الباقي مع قامتيهما ، يخلعُ الشيخ جُبَّة بروكرستس ؛ يتصنَّعُ الغضب.. يضحك حين أشلاءُ جسد الوطن تسقط ، تتقيأُ أنهارُ النيل كُلها كُلها كُلها دماً حين يسقط الجسد المبتور: بحر العاديك ،اللتبراوي ، بحر الزراف ،بحر أبيض ، نهر الجور ،السوباط ، القاش ،التُّرَد، الدندر ، بحر الغزال ، خور القنا ، الرهد ، بحر العرب خور أبْ حبل ، خور برنقه ...كُلَّها كُلَّها. في محيط الكابوس الخامس ، أيضاً ، بحرٌ من الدَّمِ دفّاقٌ ينبجسُ من معسكر كلمة وكراكير الجبال . الحسيبُ النسيب يمدُّ يده للتقبيل والتبرُّك ومازال ذلك الأهبلُ المبتسمُ سعيداً يحملُ الحذاء "الشريف" و... فجأةً تغيمُ الرؤىَ كُلَّها كُلُها كُلَّها. تهجرُ الكوابيسُ مُحيطاتها . يقدَّم صلاح السنهوري مهرهُ نهراً من الدم : دمُه ، لرفيقة استشهاده سارة عبد الباقي التى تجلسُ منهمكةً في تخضيب كفَّيها وقدميها بالدمِ : دمُها. في مركز الكابوس الناكص يجلسُ مهدي الخلاص المنتظر- ذاك الذي ما صدقَ أهله يوماً- يجلسُ منهمكاً في تخضيب لحيته بالحنَّاء والحنَّاءِ والحنَّاءْ . الشهيد مصعب ، دائبٌ ، يلوِّنُ بريشته بيت الزوجية السعيد ووفاء عبد الرحيم تُغني دويتو مع هزَّاع وكورالٌ من الشباب حولهما : علاء الدين بابكر ، عمر عبد العزيز، أحمد حمد النيل ،مايكل، منصور،بدوي،أسامة ... كُلُّهم كُلُّهم يضعون أياديهم ضماداتٍ على قلوبهم ورؤوسهم ؛ ضمَّاداتٌ تسدُّ موضع الطلقات. ينزعون أياديهم ، فجأةً ، في حركةٍ مسرحيةٍ مباغتة فتنبجسُ الدماء: دمائهم ؛ حارةً فوَّارة ، ينظرون إلي الدماء سُعداءَ .. يغنَّون : "ؤسال الدم في أرض الوادي .فدينا النُّور بالروح يا بلادي" . تلتقي محيطات الكوابيس كُلُّها في كابوسٍ واحدٍ مكفهرٍ عبوسٍ هو ذاك الذي في محيط الدائرة الأول : الشيخُ والجنرالُ ، ثانيةً ، منتشيان : يرقصُ الجنرال ويضحكُ الشيخ .وسباباتٍ مرفوعاتٍ تنشر القُبحَ والكُرهَ في الأرجاء . و.. عيع عاع . هِيَ لله . عيع عاع . هِيَ لله . تنحسرُ الكوابيسُ فأجوسُ في سهل الرؤىَ حزيناً حزيناً حزينْ؛ هناك : كان الربُّ الإلهُ ، أيضاً ، مكتئباً وحزين .
صحوتُ ، مخلوعاً مهلوعاً مفزوعاً ، ممتلئاً بذات الفقد وعرسُ الشهداءِ بوشٌ عامرٌ يصدحُ صنجه وتتجاوب أصداءه . صحوتُ وخوجلي عثمان ، بذات الخنجرالمشكوك في قلبه، يملأ مسامعي :
تمِد إيديها يا رب ليْ !
تفوت تنساني !
لا لا مُحال !!

..


ama118@hotmail.com






تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 3222

خدمات المحتوى


التعليقات
#918226 [ابو محمد]
4.07/5 (12 صوت)

02-17-2014 12:37 PM
مبدع يا أستاذ لكنها تخلعات تثير اﻻسى و الخوف من القادم و يبدو ان النظام المجرم يود صقع جرة التسعينات اللعينه حينما مضى اﻻبطال علي فضل، التايه و سليم و ابطال اخرون عرفتهم بيوت اﻻشباح و عاد الذين كنا نظنهم كبارنا للتحالف مع الشيطان لكن حتما ستنتظر ارادة الشعب فﻻ هذا الثمانيني الخبيث يملك عصا موسى و ﻻ ذاك الذي يخضب لحيته فقط هم يريدون ان يمضون الى بارئهم و قد اثقلتهم الفظائع التي ارتكبوها في حق هذا الشعب


#917772 [الله عليك!]
4.14/5 (11 صوت)

02-17-2014 06:46 AM
الاخ عمر... حقيقى مبدع.. صورت المشهد السودانى بأروع ما يكون.. سلمت فى ومن عز من ينسج كوابيسه بطريقتك تلك.


محمد عبد الملك
محمد عبد الملك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة