المقالات
منوعات
حكايات الحلة ونوادر أخرى
حكايات الحلة ونوادر أخرى
02-18-2014 04:43 AM


( 1 ) الفتآتة
فى الستينات والسبعينات من القرن العشرين كان فى امدرمان مجموعة من المتعطلين يغلب عليهم كبر السن أو الأعاقة الجسدية ، فمنهم من قطعت رجله ومنهم من يمشى متوكئا " على عكازين ، ولكن البعض منهم فى كامل قوته ولكن آثر أكل العيش بسهولة مثل المتسولين الأصحآء ، وهؤلاء الأخلاط البشرية تجدهم حاضرين فى كل بيوت ( البكيات ) مؤقتين حضورهم فى اوقات تناول وجبات الطعام وبخاصة وجبة الغدآء ، وبالاخص فى يوم الكرامة ورفع الفراش حيث يكون الطعام كثيرا" الى جانب الفتة بلحم الضان والأرز ، فمنهم من يملا كيسه أو مخلايته بعد أن يملاون بطونهم حتى الأمتلآء ، واذا رايت الشراهة التى ياكلون بها فانهم لا يمضغون بل يبتلعون الطعام ابتلاعا" فى لقمات كبيرة ، واطلق عليهم لقب الفتاتة والكلمة مشتقة من الفتة ، وهؤلآءالناس لهم تنظيم خاص بهم ولهم رئيس اسمه سعد الدين يرتدى عباءة قديمة ويلبس فوق راسه طاقية من السعف الملون مربعة الشكل تلفها قماشة من الشاش اشبه بالعمة ، والرجل بشوش ويتقبل مداعبات الناس له بدون ان ( يتنرفز ) بل يبادلهم الحديث وهو يبتسم ، وهو ينظم جماعته عندما يجلسون للاكل جلوسا" على البروش وكلمته نافذة ومطاعة على الكل ، فاول ما يبدا به هو تقسيم قطع اللحم بالتساوى بين الجميع ويخص نفسه بقطعة كبيرة وبعضم القصير الذى بداخله المخ ، ولسعد الدين مساعد وهذا مهمته صب الشاى من الكفتيرة وبالتساوى ايضا" . وسعد الدين له المام تام ببيوت البكيات واازمان الكرامة ويخيل لك ان له جهاز مخابرات يمده بالمعلومات الضرورية باسمآء الموتى والمحتضرين والمرشحين لمغادرة الدنيا الى الدار الآخرة ، ولقد اطلقت اناعليه جهاز مخابرات الفتاتة الوطنى ، وكان سعد الدين يسمى اكلات البكيات باسمآءاتيام الكرة الكبيرة ، فكنا نسأله : المباراة الجاية بين منوومنو؟ فيجيب مبسوطا" ومبتسما" : بين الهلال والمريخ ، أو بين الموردة والوطن ، والمقصود بالمعنى ان الطعام سيكون كثيرا" ومتنوعا" ، أو يجيب قائلا" : حتكون مباراة ودية ساكت ، ويذكر فريقين صغيرين ، ويقصد ان الطعام يكون قليلا" ومحدودا" ومثل هذه الكرامات لا يذهبون اليها الا عند الضرورة وعندما لا يكون هناك خيارآخر غيرها . وقبل عدة سنوات فى السودان بعد حكم الانقاذ شاهدت عجبا" فهناك ظاهرة مميزة ، فيخيل الى الواحد ان معظم الشعب السودانى قد صار من المتسولين والفتاتة والذين يتصيدون بيوت البكيات لينعمون بأكلة .
( 2 ) خوجلى )
ومن الطفيليين والشرهين فى الطعام رجل يدعى خوجلى ولكن له عمل خاص به فهوحمارى يمتلك حمارا" ويعمل فى نقل الاحمال الصغيرة من السوق الكبير وسوق الموردة بامدرمان ، وكانت عربات التاكسى قليلة ، وكان الناس يعتمدون على الحمارى لنقل اغراضهم ، وكان لجدى لامى تاجر معين فى سوق امدرمان الكبيروكنت اذهب معه لشرآء مستلزمات الشهر من السلع كالفول والعدس والسكر والشاى والصابون وخلافه ، وكان لدينا زبون حمارى يوصل الاغراض الى المنزل فى حى الضباط . وللحمير فى سوق الموردة والسوق الكبير مواقف خاصة ، وخوجلى كان مجال عمله فى سوق الموردة ,كان موقف الحمير تحت شجرة الدومة فى طرف السوق بجابب الخور ومحل السكى للسمك ، وكان خوجلى طويل القامة صاحب قوام عادى ليس بالسمين أو النحيف ، ولكنه مشهور بانه أكول ياكل طعام سبعة اشخاص ولا يشبع أبدا" ، وفى هذا يقول المثل الدارجى : ( ياكل اكل السوسة والعافية مدسوسة ) والسوسة هى الحشرة الصغيرة الحمراْوالتى تنخر الخشب وتأكله وتبنى فوقها من مخلفاتها بيتا" كالهرم ( قنطور ) وقد شاهدته فى دارفور والجنوب ، والكلام يولد بعضه بعضا" ، فالسوسة هى دابة الارض التى أكلت من الداخل منسأة ( عصا ) سيدنا سليمان وكان مستندا" عليها ، فوقع على الارض وعرفت الجن انه كان ميتا" وكانت تحسبه نائما" طيلة هذه المدة . ونعود الى خوجلى ، فقد رحلت عائلة الى حى العباسية وذبحت خروفا" بهذه المناسبة ودعت جيرانها للغداء ، وبعثوا بالخروف مع خوجلى ليستوى على الفرن بسوق الموردة . وعندما استوى الخروف وبردت الصينية الموضوع عليها غطاها خوجلى بقطعة القماش وحملها امامه على الحمار ، وكان موقع البيت فى آخر العباسية ، وهو فى بداية المشوار راودته نفسه بان يستطعم قطعة صغيرة من لحم الخروف ، فرفع القماشة ( وهبر ) قطعة وطابت لها نفسه ، واخذ يرفع القماشة ( ويهبر ) قطعة ورآء قطعة حتى وصل الى البيت وادخل الصينية الى الداخل وفى لهفة التفت النسوة حول الصينية ، وكشفت ست الدار الغطآء عن الصينية وصرخت : سجمى ! وين فخدة ويد الخروف يا خوجلى؟ فاجاب بخجل واضطراب : ( والله النفس بطالة وما دريت بنفسى وانا آكل حتة ورا حتة لمن حصل الحصل وكانت احدى البنات حادة الطبع فخلعت ( شبشبها ) وارادت ان تضرب خوجلى ، فزجرتها امها ومنعتها ، وقالت( : يا بت انحنا ما فسلين ، وكان هو كعب انحنا نكون متله ، يا بتى الاكل ما بدقو عليه ) .
ويقولون لمثل خوجلى الذى يفرط فى الاكل ولايشبع انه عنده دودة فى بطنه ، وعرفت ان هذه الدودة تسمى الدودة الشريطية وهى تتغذى على الطعام المهضوم فى الامعآء الدقيقة مما يجعل المضاب بها فى جوع ولا يشبع من الاكل ، وبهذه المناسبة كنت فى مكتب واحد بالوزارة ومعى ثلاثة زملآء وكان احدهم اقرب الى الهزال منه الى ألأمتلآء ، واخبرنى انه فى حالة جوع دائم واخبره الطبيب بان لديه دودة شريطية واعطاه دوآء وقال انه كفيل باخراجها من الستقيم فى ظرف اربعة وعشرين ساعة . وفى الغد جآء ومعه علبة وارانى بداخلها دودة بيضآءاشبه بالمصران او الصارقيل ويبلغ طولها حوالى العشرة اقدام وهى ملتفة حول الساداتى نفسها كالثعبان ، وقال لى ان هذه هى الدودة الشريطية التى كانت داخل بطنى ( 3) حاج ابكر والموت
حاج أبكر رجل بسيط مثله ومثل ملايين السودانيين الذين يجلبون رزقهم مما تفئ عليهم الارض من محاصيل من الزراعة المطرية أو بالرى فى الاراضى قرب النيل ، وكان يمتلك ارضا" زراعية فى قرية من قرى دارفور يتعهدها بالزراعة فيحصد ما فيها ويكفيه وياكل منه ويبيع ما يفيض من محصوله لابتياع ما يحتاجه من سلع قليلة ، ورزق من الولد بنتان وولدان كان اصغرهم ابنه أساغة وكان آخر العنقود كما يقولون ، وكان حاج أبكر يحبه حبا" جما" وكان الولد فى الخامسة من عمره . وفى يوم كان حاج أبكر ينقى زراعته من الحشائش الطفيلية وبينما هو منهمك فى حش الحشائش راى ابنه الثانى عبد الرحمن جاريا" مقبلا" عليه ، وقال الولد وهو يلتقط انفاسه بصعوبة : ( أبوى أساغة مات ـ أبوى أساغة مات ) وجحظت عينا حاج أبكر واحتبس لسانه فى حلقه وارتجفت يداه ورجلآه وانهار قاعدا" على الارض ، وانهمر دمع غزير من عينيه ، ثم سأل أبنه وهو يتلعثم ( أساغة عض دبيب ولا مسيبة ( مصيبة ؟ ) واجابه ابنه : ( لا يا أبوى أساغة شالا موت ) ورد عليه وكأنه غير مصدق ( موت شالا أساغة ككيف الكلام ده ، يله نشيف ( نشوف ) الهكاية (الحكاية ) ده ككيف ) ، وقفز على ظهر حماره واردف ابنه خلفه وهويضرب برجليه صفحتى حماره ليسرع . ولما وصل وجد زوجته و ابنتاه فى بكآء ونواح أليم ، وكان حاج أبكر كالأصم ولم يتكلم مع أحد وارتقى القطية واستل سكينه الطويلة وشرع يطعن فى رأس القطية ويردد فى غضب هائل وثورة عارمة مع كل طعنة مخاطبا" الموت : ( موت تشيلى وليدى أساغة ـ موت ككيف ولا ـ ترهمى ( ترحمى ) أساغة وليدى ) وشبكت السكين فى الرباط والعقود التى تربط اجزآء القطية ، وكلما اراد تخليصها استعصت عليه وكأن شخصا" يجذبها من أسفل ، وخيل لحاج أبكر أن الموت يجذبه ليلحقه بولده أساغة ، فضحك بالرغم عنه وخاطب الموت بقوله : ( موت ترا انت ولا تأرفى ( تعرفى ) هزار ؟
نواصل هلال زاهر الساداتى
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1772

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#919193 [ابو الزيك]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2014 11:15 AM
اللهم صبرنا على هذا البلاء.القصة الثالثة ركاكة فى الاسلوب ..حاج ابكر رجل بسيط مثله مثل ملايين السودانيين الذين يجلبون رزقهم مما تفئ عليهم الارض من مج
حاصيل من الزراعة المطريةاو بالرى من النيل.......والله كتابة موضوع انشاء عن انواع الزراعة ...ثم الانسان لا يجلب الرزق فقط عليه السعى والذى يجلب الرزق هو الله
ارحموا من فى الارض عسى الله ان يرحمكم


#919036 [الصاحب]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2014 08:54 AM
ده شنو ده اللهم لااعتراض على حكمك


هلال زاهر الساداتى
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة