02-20-2014 08:13 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

يُعاني التيار الليبرالي الديمقراطي المصري، او أهم مُمثليه في المُجتمع المصري، الأمرين، بسبب مواقفه الواضحة والجريئة، ضد الحضور الطاغي للمُشير السيسي، علي مستوي الإرهاصات شبه المؤكدة، لعملية ترشحه لرئاسة الدولة المصرية بعد ثورتها المجيدة. وهو فعل إتخذ شكل التيار الكاسح، والذي تدعمه نُخَب وجماعات مصالح ومنصات إعلامية، تنتمي للنظام السابق، وتتحكم في كثير من أوراق الإقتصاد والإعلام والسياسة والسُلطة المصرية! وقبل ذلك عاطفة شعبية جياشة وغير ناضجة وميالة للإحتماء ب/رمز/قائد/مُخَلِّص، يُخلصها من رحلة المجهول أو عدم الإستقرار. الذي يعقب هكذا ثورات، او تغيرات عاصفة، تزلزل كل الثبات واليقنيات والوثوقيات الحاكمة للواقع الفاسد(الراكد!)، أو بسبب التهميش الطويل الذي وسم مسيراتها، وأفقدها الثقة في نفسها! لذلك فهي تحتاج لمن يحمل عنها عبء بناء المستقبل، بكل عقباته وصعوباته وإحتمالاته!! إلا أنه بالتأكيد كان سيُمثِّلها ويدافع عن مصالحها(أي المستقبل) إذا ما تم تشيِّده بضراعها، وفي إتجاه حركة التاريخ! وهي وجهة مُضادة لترشُح المُشير السيسي!! وقد أكدت ذلك، وجهة نظر هؤلاء النفر، الممثلون لذاك التيار السالف الذكر. حيث نجدها تتسم بالموضوعية، كما أنها أكثر مبدئية ورغبة في بناء دولة عصرية، تحتكم لرأي الشعب وحكم القانون، وتتواءم مع شرعية الدستور المتوافق عليها جمعيا. وتقطع نهائيا مع الإستبداد والدولة الشمولية، بنسختها العميقة والأكثر قدرة علي الفساد والتدمير! والتي يحاول المشير السيسي إعادتها من جديد! والأصح هي من أنتجت السيسي! بمعني أن ترشح السيسي لأ يعدو أن يكون، أكثر من التعبيرات القهرية والفجة والفاضحة، لتلك الدولة العميقة، المُتغلغلة في أعماق النسيج السلطوي المُتعفن، والمتحكم تاريخيا في كيان الدولة المصرية! وهي وجهات نظر تتحدث بالتحديد عن، عدم تكافؤ الفرص بين المُشير السيسي والمنافسين المحتملين له! وذلك إذا وجدوا، في ظل هذه الأجواء المُشبعة، بتهيئة الملعب للفرد الواحد! والصراخ الهستيري الذي ينادي بترشيح السيسي، وتصوير مجرد التفكير في منافسته، كعمل إجرامي يرقي لمرتبة الخيانة العظمي! وغالبا في ظل هذه الظروف المُنحازة تجاه وجهة محددة! سيُصنع مرشح او منافس واحد او أكثر لزوم التمويه! والهروب من مسألة الإجماع الفاضح والنسب الكاريكتورية، الكاشفة للعبة! بمعني، أن شروط الإستحقاق الإنتخابي النزيِّه، والمعبر عن اللحظة التاريخة الحرجة غير متوافرة، ومطعون في نتائج الإنتخاب/ الإستفتاء المُزمع إجرائه مسبقا. في ظل سيطرة طرف واحد علي كل العملية، إضافة لإحتكاره الفضاء السياسي والإعلامي. وهو شبيه بعرض الرجل الواحد!! والأدهي والأمر، أن كل هذا الدعم الذي وجده المُشير السيسي، بُذل له مجانا! أي دون مطالبته بتقديم برامج او رؤية لحل المعضلات العامة، او التردي المُريع علي كل المستويات، والذي سيواجهه عاجلا! وتثير هذه النوعية من الإنتخابات المحسوم أمرها، ومدركة نتائجها سلفا! عدد من التساؤلات، فمثلا ما هي الكيفية التي سيتعامل به ضد مُخالفيه؟ وما هو مصير الدولة المصرية، إذا ما إنحرف بها عن جادة الطريق الديمقراطي القويم؟! وما وما وهل وهل..الخ من التساؤلات الغامضة والمتروك إجاباتها لرحم الغيب، وهو رحم غير رحيم بالمرة!! وكل ذلك يشي بعودة نظام مبارك بكل تفاصيله، ولو في شكل أوعية جديدة ولغة ثورية جديدة، تتلبس الثوب الديمقراطي المهترئ! وهذا هو الأخطر، لأنه غير أفقاده للثورة من محتواها، فهو يضع الحوجز أمام تجددها، والسماح للتعبيرات السلمية بالتعبير عن نفسها، لأنها وبكل سهولة، سيتم إلباسها لباس الخيانة ومعاداة الثورة(القديمة المجهضة) والنظام الديمقراطي (الشكلي)..الخ!!
وكذلك وقف هؤلاء النفر، ضد الإنتهاكات والإعتقالات العشوائية والتعسفية، التي يرزح الكثيرون تحت نيرها! وللمفارقة غالبيتهم ممن لعب دورا حاسما في نجاح الثورة المصرية، وتحمل مخاطر المبادرات ورهاناتها المفتوحة علي كل الإحتمالات! بل لم تتوانَ هذه العناصر الثورية عن مواصلة نضالها. لتلعب هي نفسها و مع غيرها الدور الحاسم أيضا، في الوقوف بصلابة ضد تغول الجماعة الإسلامية علي الدولة المصرية. وصدتها بصورة سلمية، عن مشروع أخونة او أسلمة الدولة المصرية. وهو مشروع كان يُنذر بفقدان الدولة المصرية لهويتها، ويهدر عليها مُنجزها الحداثي وهو في بداياته، ويقذف بحلم مستقبل أجيالها في دولة عصرية ومواكبة الي المجهول. وهؤلاء النفر وعلي رأسهم الدكتور المفكر والكاتب المميز عمرو حمزاوي، لأ ينطلقون من أرضية يوتوبية مثالية أو مطامح سلطوية. ولكنهم ينطلقون من مشروع تنويري تحرري، آمنوا به ونذروا له أقلامهم وأعمارهم. بل وعَبْر مشروعهم التحرري الديمقراطي الوطني، شكلوا مع غيرهم الأرضية الفكرية و(الحلمية)، التي ساعدت علي نجاح الثورة المصرية، بل وقيامها من الأساس. أي هم من يمثلون عقل الثورة وضميرها الحي! ولم يكتفوا بذلك، ولكنهم شاركوا بأنفسهم في فاعلياتها، وأسهموا بثبات في سلميتها، وفي التحول والإنفتاح علي أفق الحريات، او البشريات التي يحملها وعد الثورة!! أي هم ينطلقون من موقع أصالة إنتماء للثورة، وليس عن وكالة او مجاملة! لذلك يستحيل ان تنطبق عليهم، دعاوي التخوين والعمالة وغيرها من العملات المُستهلكة، التي يروجها المندسون والمتسلقون للثورات. وهي أكثر ما تُعبر عن نفسيات مُطلقيها، ونوعية القاموس الشمولي الذي يمدهم بها، وهي تعكس من جانب آخر، الترسُبات الإستبدادية المُستحكمة لدي مُطلقيها!! والأخطر أنها تشير بوضوح، للإتجاه الذي تسير إليه الدولة المصرية، وهي تستعير ألفاظ وأساليب ووسائل نظام مبارك!! وهو ما يؤكد مخاوف التيار الليبرالي، ويصدق شكوكه التي تحوم حول المشير السيسي ونواياه، ونوعية الدولة التي يعد بها المواطن المصري! ولكن ما يدعو للحيرة ويضاعف في حجم الأسف، ويتفوق علي خطل ترشح السيسي، وبوار المصير الذي ينتظر الدولة المصرية علي يديه! هو الأصوات العالية لبعض الكتاب والمفكرين والمثقفين المصريين، الذين يدعمون ليس السيسي فقط! ولكنهم ينتقصون من قدر زُملاءهم، الكتاب الليبراليون. ويتبنون الحُجج والبراهين، التي تدعم ترشح المشير السيسي الفاجع! في هذه اللحظة المصيرية الحرجة. بمعني أنهم يسعون بإستماتة وبمحاولة يائسة، لتبرير تخاذلهم عن الدعم الكامل للخيار الديمقراطي وحقوق الإنسان وقضايا الحريات العامة، التي سبق وأن بشروا بها الشعب كثيرا! أي كنوع من الهروب الي الأمام والإلتفاف علي تاريخهم التقدمي التنويري السابق. الذي اكسبهم قدر عالٍ، من الإهتمام والتميُّز والصدارة الفكرية والثقافة والإجتماعية. وذلك عبر التحايُل وخلق مُبررات واهية! من شاكلة، أن مصر تمر بظروف خاصة! وكأنما هذه الظروف الخاصة تتعارض مع القيم الديمقراطية! في حين أن خصوصية هذه الظروف المُفتري عليها! هي حصيلة مُصادرة الديمقراطية والحريات وتكميم الأفواه...الخ، وهم إذ يذكرون هذه الظروف الخاصة، فذلك لكي يبرروا لهدفهم المركزي، وهو دعم الإستبداد الجديد!! بزعم أن معالجة هذه الظروف الخاصة! تتطلب رجل قوي (بمواصفات السيسي طبعا، والذي عمره السياسي لا يتعدي العام!!!) يفرض الإنضباط والإستقرار!! كما إن الدولة المصرية تواجه الإرهاب الإسلامي. مما يستدعي وجود رجل له خلفية عسكرية، ويجيد التعامل مع هذه النوعية من القضايا والجماعات والظروف!! بمعني منحه شيك علي بياض لمُمارسة أقصي درجات العنف، تجاه الجماعة الإسلامية! أي إعطاء الإرهاب الذي تتعرض له الدولة المصرية بعده العسكري الأمني فقط، أي حجب العوامل الأخري، إجتماعية فكرية سياسية وغيرها من التشابكات المسببة للإرهاب، وهي المساحة التي من المُفترض ان يتحرك فيها هؤلاء المُبرراتية، ولكنهم فضلوا تقديم الإستقالة عن واجبهم، وتفويض المُشير السيسي ليقوم بالمعالجات الأمنية والتي لأ يجيد غيرها!! وبغض النظر عن خطورة هذا المسلك علي أمن مصر وإستقرارها و تماسكها الإجتماعي، وسمعتها الخارجية او راسمالها الذي يجلب لها الإستثمارات والفوائد! كما تمنحه قضية الإرهاب(الحق الذي يراد به باطل)، حق إستخدام آلية الطوارئ وغيرها من أساليب، مُصادرة الحريات والمحاكم السياسية الجائرة وتسفيه مطالب وحاجات الشعب الماسة. بحُجة أن لا صوت يعلو علي مواجهة الإرهاب وإستئصاله! وطبيعي أنها حرب مفتوحة وغير واضحة المعالم!! ويعاد بعثها وإستخدامها وتوظيفها، عند كل أزمة تواجه السيسي و(جماعته)، والذي سيحكم مصر حتي مماته! وما أسهل تعديل الدساتير، التي تُحرم تولي الرئاسة لأكثر من مرتين متتابعتين. وكله عبر الديمقراطية، اليست الديمقراطية خشم بيوت لدي حكم الفرد ومناصريه! واليست هي مجرد صناديق إنتخابية ولجان إنتخابات وهلمجرا. وهذه كلها مقدور عليها(والترزية جاهزون لتطريز القوانين ولتبرير الإستدامة في الحكم!). ومن أراد أن يعرف المصير الذي ينتظر الدولة المصرية، تحت الإنتداب العسكري او حكم المشير السيسي. فتجربة نوري المالكي في حكم العراق خير برهان ودليل. لحكم الفرد المدعوم طائفيا او عسكريا لأ فرق او بصفة عامة، الحُكم المُغيِّب لإرادة الشعب، ولو بوسائل ديمقراطية الشكل! ولكن محصلتها، قبض السلطات كلها في يد فرد، وإكراه الجميع لسطوته وبقائه عنفيا/أمنياعلي سدة الحكم!! مع الفارق بين السيسي ونوري المالكي، وهو فارق يخدم نوري المالكي علي الإقل سياسيا، وتاليا هو أقل خطرا علي المستقبل السياسي للدولة مقارنة بالسيسي، وفي كلا النموذجين خطر ماحق وكوارث لأ حد لها.
وكذلك من المُبررات المطروحة لدعم السيسي! أن مصر ليست إستثناء من الدول الديمقراطية، عندما تمر بها ظروف مصيرية تهدد أمنها ووجودها! فعندها يتنازل الشعب عن جزء من حريته وحقوقه الديمقراطية، من أجل إحراز قدر وافر من الإستقرار و الأمان والسلامة. لتأمين البلاد وشعبها، ومن ثم يُعاد المجد الديمقراطي المغدور! وهذا المبرر بالذات إذا ما صدق في دول ديمقراطية عريقة، فهو مبرر يستحيل نجاحه او هضمه، في دولة لم تتذوق طعم الديمقراطية طوال تاريخها! بمعني، إن مصادرة الحريات والتضييق علي الحق الديمقراطي، هو إستثناء لدي دول ديمقراطية عريقة، ترتبت إدارتها وتراكمت خبرتها في السياق الديمقراطي، الذي يجبر أي إنحرافات ذات نزعات إستبدادية، علي العودة سريعا لكي تعمل في خطه. أي بإعتبارها مُمارسات مُنفِرة ومرفوضة ومُنكرة، ولا تملك سلطة او شرعية تسمح بإستمرارها او مجرد قبولها في ذاك السياق! وذلك علي العكس من الدولة المصرية، التي ساد فيها الإستبداد طوال تاريخها! وتاليا يستحيل أن تصبح المُمارسات الإستبدادية، ومن ضمنها إعداد السيسي لقيادة المرحلة القادمة، نوع من الإستثناء او المسلك الغريب. الذي يمكن أن يعود لجادة الطريق الديمقراطي، المُغيَّب أساسا علي مستوي الوعي والحقوق والواقع!! فهذا النوع من التبرير يمثل، ليس إفتئات علي مستقبل الحريات والديمقراطية في الدولة المصرية فقط! ولكنه يمثل إستدعاء لمساوئ وسقطات وقعت فيها تجارب ديمقراطية عريقة، ومن ثم البناء عليها، لمواقف مُنافية للديمقراطية وتخدم الإستبداد! بمعني، تصوير تلك الإنحرافات، بأنها جزء من التجربة والمُمارسة الديمقراطية الطبيعية، وتاليا يجب تقبُلها والتعامل معها بكل إطمئنان!! وغيرها وغيرها من التبريرات! وهي تبريرات في مجملها، تحمل ظاهريا طابع الخوف علي مصر وأمنها وإستقرارها، وعن بعد نظر هؤلاء الكتاب الوطنيون جدا! ولكن العكس هو الصحيح، وهذا ما أثبتته وقائع التاريخ، من أن التفريط في الحريات العامة والحقوق التامة، والبيئة الديمقراطية الكاملة الدسم، خصوصا عقب الثورات. فعاقبته وخيمة علي الدولة ككل، وعلي النُخبة المُفرطة في حقوقها وحقوق شعبها، وداعمة للنظم الإستبدادية او الفردية بصفة خاصة! بحجة أنها نظم مؤقتة ولفترات وأغراض مؤقتة!! ودونما أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال الأساس، ما هو الضامن لهذه الثقة العمياء؟! في مُمثِّل مؤسسة لم تفِ يوما، في وعدها الديمقراطي او تنازلها الطوعي عن السلطة! ليس في مصر فحسب، بل في كل المنطقة المُحيطة؟!! كما إن هذا التنازل من جانب هذه النخبة بالتحديد، يعني وبتعبير شديد الوضوح، تخليها عن إلتزاماتها التي قطعتها سابقا، عن ضرورات حضور الديمقراطية كنظام حكم والمواطنة كحق إجتماعي، وإلتزام الشرعية كواجب دستوري! وبتعبير آخر، هرب هؤلاء الداعمون للمشير السيسي، من مسؤولياتهم التاريخية في معالجة القضايا سالفة الذكر! أي وضع حلول ومقاربات، تتجاوب مع مشاكل الواقع من جهة، وتطلعات الجماهير في الحرية والكرامة والأمن والتنمية المستدامة من الجهة المقابلة! وبالتأكيد يستحيل أن يكون العلاج، هو المزيد من تكميم الأفواه والوصم بالخيانة للمعارضين ودعم الإستبداد الجديد، مُمثل في الفريق السيسي! والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل أزمة مصر التاريخية هي أزمة فرد مُخلِّص او أزمة غياب حكم المؤسسات وإحترام إرادة الشعب؟ لأنها لو كانت الأولي فلأ أظن أن الفريق السيسي، أفضل حالا من جمال عبدالناصر او أنور السادات، بل حتي مبارك نفسه الذي ثارت ضده الجماهير! أظنه أفضل حالا من السيسي ضعيف الخبرة السياسية ومُنكر الأثر القيادي. إما إذا كانت الثانية، فهذا يتطلب الوقوف بصرامة ووضوح ضد ترشح السيسي، ودعم الخيار الديمقراطي بكل ملحقاته وعوامله المساعدة. أي بتهيئة البيئة الديمقراطية الصالحة للحكم. وهي كفيلة بإبراز الأفضل للحكم والأجدر بحق القيادة، والأكثر إلتزام وإحترام للدستور والتشريعات. أي من يرضخ للضوابط الديمقراطية بما فيها إمكانية عزله!! وبدلا عن إعترافهم بهذا التقصير او صمتهم حياله كأضعف الإيمان الديمقراطي! فإنهم يكيلون التُهم الصريحة والمُبطنة، ضد من يقومون بهذا الواجب! أي ضد النخبة الليبرالية الحقيقية، وعلي رأسها الدكتور البار بوطنه والمُتسق مع ليبراليته، عمرو حمزاوي. وإحتمال سبب هذا الهجوم والتجني والإساءة، يعود الي أنهم(النخبة الداعمة للسيسي) عجزوا عن القيام بهذا الواجب، ويسوءهم أن يقوم به آخرون! وتاليا يحرمونوهم من ألق النضال(الذي تمرغوا فيه أيام مبارك ونالوا به مباركة الجماهير العاشقة لهم!)، في التصدي للإستبداد القادم من جهة العسكر! بمعني أنهم لأ يحتملون أن يحتل آخرون، المكانة التي كانوا يشغلونها تاريخا! أي بوصفهم كتاب او ناشطون او مفكرون يتصدون للإستبداد، ويبشرون بالديمقراطية والدولة المدنية وإحترام حقوق الإنسان! وإذا صح ذلك، يصبح ترشح السيسي او دعم ترشيحه. هو المعيار الحقيقي او الحد الفاصل، بين من يؤمنون بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، في كل الأوقات وتحت كل الظروف. وبين الذين يتشدقون بتلك القيم ويرفعونها كشعارات مؤقتة! لزوم المكانة الإجتماعية والفكرية والثقافية. وهم يستبطنون إهمالها وتجاوزها او الإنقلاب عليها، إذا ما تعارضت مع المغريات والطموحات والمكاسب المتوقعة، من النظام الجديد! الذي يملك سلطة المنح والمنع بصورة مطلقة، تحاكي الخلفاء والأمراء في العهود الغابرة!!
والسبب في رفض ترشح السيسي، لأ ينطلق من عداء لشخصه او كُره مُتأصل للمؤسسة العسكرية، أو إستجابة لمؤامرة خارجية، يُمثل التيار اليبرالي الحقيقي (الذي يتقاطع معها في الإيمان بالقيم الديمقراطية كآلية خلاصية من هذا الضياع السلطوي القاسي والفاسد، ولكن بصورة أكثر مبدئية منها! ومن تنكُراتها لدعاويها وخيانتها لقيِّمها، وإندفاعاتها بكفاف إنساني مُحيِّر، تجاه مصالحها حصريا!!) أحد أدواتها!! ولكن السبب ببساطة يكمن، في أن الدولة المصرية عانت تاريخيا من حُكم الإستبداد، وإرتهن قدرها لمزاجية الفرد الواحد! كما أنها نُكبت طويلا من تجاوزات المؤسسة العسكرية لدورها المنوط بها. والأسوأ من ذلك أنها تعدت علي حُرمة السياسة والإقتصاد والإعلام، وصبغت الدولة المصرية بالطابع الأمني الإستخباراتي. بمعني، إستبدال العقيدة السياسية السلمية التحاورية التنموية، في إدارة الدولة المصرية، بالعقيدة الأمنية الإرهابية! أي صناعة دولة الخوف، بدلا عن صناعة دولة الثقة و الوطنية والحريات والإبداع وتاليا صدق الإنتماء!! ويمثل ترشيح الفريق السيسي، إطلاق ليد هذه المؤسسة مرة أخري، لتعبث بالمعادلة السياسية، وتخدش الوجه الديمقراطي السليم. الذي يأنف أو يُعادي أي أجسام غريبة، وبالأخص ذات الطابع العسكري والأمني. وقد تبدي ذاك الأثر مُنذ الوهلة الأولي، او من ضربة البداية. عبر التدخُلات او التأثيرات ضد بناء دستوري قومي، شيمته التراضي والتآلف، وسدرة منتهاه الفصل بين السلطات! حيث نجدها في هذا الدستور الجديد، قد تمتعت بإمتيازات، أقل ما يُقال عنها، أنها حقوق فوق الدستورية. وهي حقوق قد تفتح شهيتها لمزيد من التغول عند التطبيق. وكل ذلك يؤكد تأثيرها ونفوذها علي اللجنة الواضعة للدستور! وليس إبتعادا عن الحقيقة، إن هذا التدخل شكل جزء من سلوكياتها (عبر مُمثليها) تجاه كل السلطات المصرية المُتعاقبة، مُنذ ثورة(إنقلاب) يوليو 1952م. وهو مسلك إتخذ طابع البداهة! الشئ الذي يتطلب الوقوف بصلابة وحزم ضد هذا المسلك! ووضع حد لهذه التدخُلات الشائنة. ورسم خطوط واضحة، تحدد دور ومهام وحدود سلطات هذه المؤسسة. أو إلغائها إذا لم تقنع بهذا الدور، او تحويلها الي مؤسسة خيرية او نادٍ رياضي يقوده عصام الحضري!! لأن التساهُل مع هكذا تَدخُلات خطيرة وخالطة للأوراق، أو التغاضي عن تجاوزاتها المُتكررة، بحُجة تضحياتها(جزء من وأجبها وعلة وجودها) وكذا وكذا! هو ما يلغي مبدأ الفصل بين السلطات، كأحد تجليات النظم الديمقراطية الرشيدة! و في نفس الوقت، يُشكل الإبتعاد عن هذا المبدأ، حماية للسيسي وحكومته القادمة، ضد أي مطالب بإسقاطه او رفضه بالتي هي أحسن، إذا ما أخطأ او فشل في إدارة الدولة، كما هو متوقع! بمعني إستمرار السيسي وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن أداءه وممارسته. أي السيسي هو المتن/الأصل، والأداء/الآخرون مجرد هوامش!! وفي هذه الحالة ما معني الإستبداد؟ وما قيمة الثورة أساسا؟! وما مُبررات التضحيات التي قُدمت، والدماء التي أُريقت؟! وبالعودة لسبب رفض ترشُح السيسي، وهذه المسيرة الطويلة من مُصادرة الدولة المصرية، وإختطافها بواسطة العسكر! فكل ذلك أكسب الدولة المصرية قدر هائل من الإستبداد. الذي تحوَّل آليا، لثقافة او بيئة تُغطي كل جغرافية الدولة المصرية، وتصبغ تاريخها السلطوي. وتخترق طبقاتها الإجتماعية، وتلقي بظلالها علي المناهج التعليمية والتربوية. وتنعكس في الأداء السياسي والثقافي والفكري! وبكلمة واحدة، مُسخت الشخصية المصرية الي شخصية ليست قابلة للإستبداد فقط! وإنما باحثة عنه! بمعني، إن الإستبداد يشكل لديها الحماية والإستقرار، أي شخصية ساكنة! وتاليا أي تغييرات مرفوضة سواء أكانت ثورية او ديمقراطية! وهو ما يُفسر وضع الإرباك الشديد، الذي أعقب الثورة المصرية. والذي تعرض له المجتمع المصري، بما فيه نُخبه الناشطة سياسيا وفكريا. بمعني إن الثورة كانت فعل غريب وغير متوقع، وأكبر من طاقة تحمل المجتمع والنخب، او القدرة علي إستيعابه أو التعامل معه. وشكل بصدمته وإحتمالاته المفتوحة، إختبار حقيقي للنزعة الديمقراطية التي تنادي بها النُخبة المصرية. أي شكلت الثورة فتنة كبري لتلك النُخبة. ولكن للأسف فشلت معظم مكونات تلك النُخبة، في توظيف هذا الحدث الضخم الذي يصعب تكراره او تصديقه! في تجذير التجربة الديمقراطية مجتمعيا وسياسيا، والدفاع عن حق تأسيس ثقافتها وإشاعتها بين الناس، ولو ببذل المستحيل. بل نجدها سرعان ما إرتدت للحُضن العسكري عند اول تلويح به! بعد ما تململت من الحضور الإسلإمي الإنتخابي! المُحرج لدعاويها والفاضح لحجم حضورها وتأثيرها، والمهدد لأي بارقة أمل مستقبلية في تطور الدولة المصرية. والنتيجة، إن الإستبداد أصبح داء عُضال، يُقعد بالدولة المصرية عن أداء وظيفتها ويعترض سبيل إنطلاقتها. ولا يصلح في علاجها مقولة داوني بالتي كانت هي الداء، أو أضغاث أحلام لن ينصلح حالها إلا بما صلُحت به الناصرية! وهو ما يبرر بعثها من قبرها علي جناح المُشير السيسي!! وبكلام واضح، إن الدولة المصرية قريبة عهد بالشمولية وحكم العسكر/الفرد، بكل إرثه المُناهض للحريات والديمقراطية وفضيلة الحوار والمشاركة. وتاليا إحترام الفرد وإعطائه ما يستحقه من كرامة! بمعني، أنه لأ حريات او حقوق إنسان، يُمكن تأسيسها علي قاعدة حكم فردي ابوي، مستقوي بالمؤسسة العسكرية! وفي بيئة أمنية وشديدة الإستبداد، وضنينة في تقديم أي مُحفزات تدعم الحريات وحق الشعوب في تقرير مصيرها. بل هي بيئة مُهينة للشعب ومُعادية له ومُتربصة به! ويصح، أن إقامة دولة عصرية كاملة الأهلية، وتراعي حقوق المواطنين وخياراتهم، وتوقر كرامتهم وتوفر لهم الحماية والقوت، مسألة صعبة! وتزداد الصعوبة مع نقص المُعينات وكثرة المُعيقات، وغياب الخبرات والنماذج الوطنية، التي يُمكن الإحتذاء بها والبناء عليها! كما إن عملية البناء من العدم، مُكلفة علي المستوي المادي والسياسي، والإستقرار الإجتماعي، والأداء الإقتصادي والجهد المبذول! ولكن الأصح، أن هذا وأجب النخبة المصرية، والثمن الذي لأبد من دفعه. مُصابرة مع الإرث الإستبدادي المُتراكم، ومعاضلة للواقع المُتفلت، ومواجهة للعسكر المُتعنت! إذا ما كانت حريصة علي بناء دولة عصرية تحترم الإنسان. وتحوز القبول الإقليمي والإحترام الدولي او تتحدث اللغة العالمية دستوريا ومواثيقيا. وهذا عين ما يسعي إليه النفر الليبرالي الديمقراطي المصري، وعلي رأسهم الدكتور الرائع عمرو حمزاوي. والذي يكفيه فخرا، أنه رفض الهجرة ومغرياتها وفرصها وأمنها، والتضحية بالمجد البحثي والأكاديمي. وفضل البقاء داخل الدولة المصرية، وهي تمر بأحلك ظروفها وأخطر مراحلها. وهو يواجه مر الواقع وغدر العسكر، ومزايدات أشباه الديمقراطين. مكشوفا إلا من قناعاته وإيمانه بقضيته، وهي حق الشعب المصري في الحرية والديمقراطية وتمتعه بحقوقه كاملة. وهذا لعمري ديدن النبلاء علي مر العصور، و لأ نامت أعين المستبدين ومناصريهم، قولا او فعلا او صمتا!
والمحصلة، إن حضور/إحتلال السيسي للمشهد السياسي المصري. يعني إعادة حكم الفرد، بكل فشله وعجزه ومحنه. ورهنه مستقبل البلاد، الي نزوات الفرد وتقلباته وتضخيمه لذاته! وإستغلال الدولة بواسطة قلة، مُحيطة بالفرد وتسبح بحمده وتعظيمه صباح مساء! وتاليا إحتكارها للثروة والسياسة والفضاء العام. وكل هذا يشير بوضوح، لعودة الدولة العميقة للسيطرة. وبكل ما يعنيه ذلك، من تجدد للمآسي وإلغاء للمواطن المصري البسيط، من معادلة الإحترام والحرية والكفاية. والأسوأ من ذلك، أن مصر كدولة محورية يقتدي بها الآخرون، تُقدم أسوأ نموذج للحكم، وإرتداد مؤسف وسقوط مدوٍ، علي مستوي دولة المؤسسات والقانون والمواطنة التي يتطلع إليها الجميع.
آخر الكلام
أخطر أعداء الديمقراطية هم (المتدمقرطون) الذين يضعون الدولة المصرية، بين مطرقة الإسلامويين وسندان المؤسسة العسكرية! وذلك بعجزهم عن تقديم المثال الجاذب او المقنع للشعب المصري!!

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 855

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة