تخوم
03-15-2014 09:39 PM


كالخارج من قبو… انتفض "عطا" ناهضاً. و فرد ذراعيه… ثم فتح صدره للهواء الطلق …
يعب منه عباً… ويستزيد مستعدياً رئتيه لإستنشاق كل الهواء المتاح…. فتح عينيه على سعتهما و هو يحدق في الأشياء حوله ... الأرض هي الأرض و
السماء هي السماء… الناس هم الناس… يدبون على الأرض كعهده بهم…
نفس الاظافر الطويلة والاسنان البارزة… والعيون الجاحظة…ينهشون لحوم بعضهم نهشاً فتقطر دماً !!؟...
ويستحلبون ريقهم تلمظاً… يصدرون أشتاتاً من كل فج عميق … وينفضون وقد تدلت كروشهم !!؟...
من فرط التخمة…
"عطا" يرتعد مرعوشاً من صقيع العلائق الأجتماعية !!؟.... يتكور مجدداً ويهفو لظلمة القبو وبرودته…!!!؟؟...
…كلا الخيارين … يبدوان فاجعين…!
…أين المهرب…؟
…آثمة خيار ثالث ؟
…الأرض كرة مطاطية… تتقافز داخل حيز فضائي محدود…!!!؟؟.... "عطا" كائن هلامي ، يسبح معلقاً في فضاءات عديمة الاتجاهات !!؟...
يبدو للناظرين بلا ملامح… جذوره تمتد بين أحشاء الفراغ … ولسانه يلوص بين شدقيه متراوحـــاً بين الفصاحة و اللعثمة
يسير بلا قدمين !!؟..
يحدق بلا عينين !!؟... - إنتبه يا هذا… كدت أن تدهسني…
- معذرة… لم أكن اقصد…
- هكذا… نحن دائماً… نرتكب الخطيئة … ونظن أن الاعتذار يمحوها !!؟...
- ألم اقل لك … إني لم أقصد ...
- و من أدراني … أنك ربما كنت تقصد !!؟...
- ها انت تقول… ربما كنت تقصد… ألا يعني ذلك… إن يقينك بأني أقصد قد تهاوت أركانه !!؟...
- التعلق بالخيوط الواهية .. الإنهيار…
مآله الحتمى …
- ألسنا في اليوم العالمي للحكم والمواعظ… قطعاً أننا نزامنه… أم أنني أخطأت ثانية عن قصد..،!!؟.
- أتسخر !!؟...
- أليست … السخرية غطاء للجرح النازف !!؟.... انفرطت تقطيبة الوجه… ثم إنفرجت الشفاه و لانت الملامح شيئاً فشيئاً !!؟...
…الذاكرة سكين حاد ينغرس في (اللحم الحي) … فيوقظ جرثومة الألم … النسيان باب يفضي الى باب ،،،
و الأبواب تؤصد … وتفتح… ولا يتبين من خلال فرجاتها الغي من التقى !!؟...
… ينهار الجسر … ويفقد "عطا" همزة الوصل فيظل مقطوعاً و لائصاً بين مفترق الطرق…!!؟...
… شارات المرور صفراء … وسيارات الأجرة صفراء - والسماء يعتور أديمها الشحوب !!؟...
ولا يلبث أن يمازجها الإصفرار … فيهيمن طغيان اللون الأصفر على الفضاء الكوني !!؟...
… كبا الجواد و قد إنكسرت حدوته…. ظل ضالعاً في البحث عن اللاشئ !!؟... والذاكرة سياط (عنجية) تلهب متنه… الحدود مفتوحة الساقين ،،،
كسبية مستباحة … وقوافل التهريب عبر التخوم الإدارية المحظورة تمر في عنجهية !!؟...
تهب (الهبوب) … وتعصف العاصفة … وتزار الريح … و تمور الأمواج و تتعالى كالأطواد !!؟...
وينفجر الانهيار !!؟...
… تندفع الشاحنة المحملة بأجولة تفيض عن سقف طاقتها نحو ثغر آمــــــن على ســـــهل رملي منبسط يمتد بلا إنتهاء !!؟.
… مواقع نقاط التفتيش تبدو مهجورة …. تماماً… سائق السيارة و مساعده يحاولان عبثاً قطع طول الطريق وتبديد
غيوم وحشته بالثرثرة في صوت عالٍ يطغى على موتور السيارة في هديرها المتواتر ،،، و "عطا" محشوراً بين الأجولة يقتل الوقت بسماع حوارهما ... - أتذكر من كان يقف هنا في الأعوام السالفة ؟... - كأنه ليس من هذا العهد !!؟...
- كل النقاط الأخرى … حراسها… كانت مقاومتهم تضعف كلما ازداد سمك رزم أوراق النقد إلا هو !!...
لولا غارات المتمردين المتكررة على هذه المنطقة لظل كشوكة الحوت في حلوقنا!!.
+ + +
المرئية الملونة … تبث برنامجاً…
لا يسترعي انتباه الجالسين في مواجهتها…. يجلس "عطا" وسطهم يحاول عبثاً
أن يحدق في الوجوه ،،،
… أحدهم ينبري متسائلاً في مرارة …
لم يعد أحد يفهم… أإلى متى يظل هذا الجهاز سلبياً ؟
سلبيته إفراز حتمي لهشاشة الهياكل العامـــــــة…!!؟...
تسلل منسرباً وسط جمع هائل من البشر… و طفق يتفحص الوجوه… القواسم مشتركة وعلائم الغيثان ،
ترهص بطفح الأحشاء وقذفها إلى الخارج… الضيق طوق يخنق الأعناق …
و الخوف من الآتي يجثم على الصدور ويحجب عن الأبصار الآفاق !!؟...
لا أحد يهتم بالتطلع إليه…( أمات الفضول فيهم ؟؟!...)
…كان يقف أمام الرجل من الناس … ويظل واقفاً دون أن يفجر سطح الصمت الآسن ( ما أبشع أن تتكلس في الجموع
الغفيرة بؤرة الشعور بالآخر !!؟...)
… نغمة نشاز … تصدر عن (عود) مكسور … المغني كسر عوده… وأقعى محزوناً…
ينعي واقع الحال القائم بفعل ًطغيان المصالح الخاصة على الشأن العام !!؟..
المغني … كسر عوده !!؟...
ظل يرثي واقع الحال ...
أثمة فرق بين الغناء والرثاء في هذا الزمن الأغبر !!؟.... + + +
أحنى "عطا" هامته ليعبر المدخل المنخفض دون أن يعترض سبيله أحد… وحينما توغل نحو الداخل ...
سمع وقع أقدام آتية من الاتجاه المعاكس … متبوعًا بصوت أجش
- من هناك ؟؟...
- إنس ... - لماذا أنت هنا ؟
- لا أدري !..
- من لا يمتلك الدراية … لا يأتي إلى هنا !!...
- لقد أبصرت باباً مفتوحاً فدخلت …
- لقد اخطأت … هي نفس الخطيئة التي أخرتنا عن هذا العالم المتسارع !!؟...
… لم يحر "عطا" جواباً… فتزمل متدثراً بالصمت…
- عد … من حيث أتيت…
… استدار (عطا) مولياً ظهره للشيخ و هو يوسع الخطا نحو المَخّرَجَ المـــــــنخفض… والصوت
الأجش يشيعه…
-لا تخترق حدود الآخرين … حتى لو كانت غير محروســة …ولا تدع حدودك مفتوحة.. بل حصنها !!؟...
وأسهر عليها لتأمن جانب الآخر !!؟... + + +
جماعة صغيرة من الصبية يمارسون ألاعيبهم… جانب من شارع فرعي يكتظ بهم !!؟... تنقسم الجماعة الصغيرة إلى فريقين…
… كل فريق… يتخذ له مساحة من أرض … ويشرع في تخطيطها … ويرتسم بين الأرضين ...
خط واضح المعالم … كحد فاصل بينهما !!؟....
… شروط اللعبة … يكتنفها الغموض !!؟. طرح "عطا" على نفسه عدة أسئلة
- أي الفريقين سيحوذ الصولجان…؟
- من يمتلك القوة ؟
- من يمتلك الذكاء ؟
- من يراوغ ؟
- من يكر ويفر ؟
- من يشن حرباً باردة ؟
- من يواجه ؟
- من يحصن حدوده وينتظر مدافعاً ؟
- من يبادر بالهجوم ؟
- من يناور ؟
- من يتحين السوائح ؟
… كلا الفريقين يخفي نواياه … أو ربما لا يدري على وجه الدقة … كيف يبدأ …
أو على الأصح من يتحرش بالآخر…؟ … ظل الموقف جامداً … حتى جاءت جماعة ثالثة … فرابعة… ثـــم
توالت الجماعات … حتى كادت أن تنتقل من خانة الآحاد إلى خانة العشرات ، لم يلبث ثوب الجمود ،،،،
أن أنحسر عنها جميعاً … فانفجر الموقف… وتداخلت الحدود !!؟...
… كان "عطا" يقف على ناصية الشارع الجانبي … يُسلي نفسه بمشاهدة ألاعيب الصبية … بينما
الذاكرة في حدتها الماضية … تساقط أسياخاً محمية … تلهب متنه … وتدفعه دفعاً لاجتراح هذا الصمت المتوجس حول
تخوم ، مهددة بالإختراق !!؟... إقترب من جماعات الصبية … فإلتفوا حوله وهم يتحفزون …
… ابتسم "عطا" … وهو يضع يده على رؤوس بعضهم… ويخاطب البعض الآخر في ود متسائلاً :-
- هل نستطيع أن نحمي صدورنا و ظهورنا عارية ؟
… كانوا يهزون رؤوسهم الصغيرة في إقتناع … و هم ينفضون من حوله ، لينتشروا خلف خطوطهم مجدداً و هم ،،، يتمترسون … ويشرعون في إعادة رسم خططهم ،،،
… وتحصين تخـــومهم الخلفية ……. انصرف "عطا" … و قد إختلج ما بين الضلوع لإختلاج تلك "النبتة" الغريبة !؟..
و هي تفلق قشرة الأرض … و تلتقي بضـــــوء الـــشمس لأول مرة !!؟...


[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 684

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة