المقالات
السياسة
الأرض الخراب
الأرض الخراب
04-05-2014 12:58 AM


الأرض الخراب أو الأرض اليباب The Waste Land قصيدة ملأت الدنيا وشغلت الناس للشاعر الإنجليزي الأمريكي الأصل تي اس إليوت صوِّرت أهوال الحرب العالمية الأولى ، على أن الكون وأوروبا تحديدا اصبح عالماً مثقّلاً بالمخاوف والذّعر والشهوات العقيمة ، عالماً ينتظر إشارة ما تؤذن بالنجاة أو تعدُ به لكن طال انتظارها.
ولعل الشهرة التي حظيت بها قصيدة "الارض الخراب" لم تنلها قصيدة اخري في القرن العشرين ، انبهر بها الشعراء العرب كغيرهم من شعراء العالم ارتقى إلى درجة الفتنة إذ حذر منها العلامة الدكتور عبد الله الطيب بقوله: "الفتنة بإليوت خطر علي الأدب العربي" هذا في جانبها البنيوي ، بالإضافة إلى أن إليوت ذي اسلوب ثوري فنيا وهو ما يهمنا هنا.
ومرد تفرد هذه القصيدة أنها ولدت أثناء الحرب الكونية الأولى والتي كانت بمثابة نهاية مرحلة هامة من الفكر الاوروبي ، فقد تحطمت قيمة الإنسان في شوارع مدن أوروبا المدمرة. تلك المرحلة كانت تمثل انهيار حلم ظن جيل كامل أنه باق ، أي حلم العيش بسلام والحياة بطمأنينة بعد التقدم العلمي والتحضر الظاهري.
وقد استوحى إليوت صورة "الأرض الخراب" ودلالاتها من الاجواء القاتمة التي خلفتها الحرب فكانت تعبيرا رمزيا عن ويلاتها التي زعزعت ثقة انسان الحضارة الغربية في جدوي العلم والتقدم المادي ولهذا السبب وصف إليوت من قبل الاوساط اليسارية والثورية الصاعدة آنذاك بانه شاعر رجعي ومتشائم . بينما وصف البعض الاخر من هذه التيارات نفسها ، قصيدته "الارض الخراب" بانها ابلغ نعي للرأسمالية الغربية لشاعر برجوازي. في هذه القصيدة "الارض اليباب" ، نعي فيها تي اس إليوت الانسان في كل مكان ، ذلك أن الحرب قد أحال العالم إلى كومة من مقابر منتحبة.
مع الفارق إلا أن أجواء كتابة قصيدة "الأرض الخراب" ، مماثلة حذو النعل بالنعل بالنسبة لأوضاع السودان منذ إندلاع ثورة الهامش في عام 2003م ، فقد وصلت الخيبات المتصاعدة منذ استقلال البلاد ذروة سنامها ، وبدى مظاهر الإحباط للمواطن الذي حلم ذات يوم بوطن جديد مستقل يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط ركام من الخيبات.
فتلك المُثل التي آمنوا بها ذات يوم في صدق الانتماء قد انهارت تحت وطأة الكراهية والأنانية والعنف البشري المفرط. واستبان الغالبية المهمشة أن المواطنة "خشم بيوت" وأنهم في حقيقة أمرهم باتوا تحت قبضة مستعمر من جنس آخر. اشد مكرا وفتكا من المستعمر صانع "المكسيم" ، متعطش للخراب ومتلهف لتدمير كل شيء في اللاشئ من اجل السيطرة الأبدية.
والطريقة التي واجهت بها المركز أهل الهامش ثوار ومواطنون ، كشف الجانب المظلم من نوايا السلطة المركزية ، واجلى ازمة الحكم ، وزيف الوحدة الوطنية ، وأبان شرخ مفاهيمي حاد في الثقافة والدين والانسانية والمواطنة ، واصبح إنسان الهامش في حيرة من أمره بل في يأس من العيش بسلام في وطن موحد تصر على القبضة المركزية والتمييز بين الناس بشتى الطرق.
كما نعى إليوت الرأسمالية في "الأرض الخراب" ، نحن ايضا نرثيها ، إذ أن بموجب منظومة "حمدي" تخلت الدولة عن "الغلابة" ، وسلمت مقدرات البلاد للرأسمالية الطفيلية التي تستثمر في الخراب ، وقسمت مكوناتها إلى مثلثات عرقية و"كانتونات" جهوية تمهيداً لتفتيتها.
اصبح أرض السودان ارض الخراب والتناقضات والرجال الجوف ، ليس فيه عمار لشيء ، خربت النفوس وتنافرت الأفئدة ، وجفت المآقي من النحيب المستمر خاصة في هوامشها ، بلاد فشلت نخبتها في التحكم في ملذاتها ، وعجزت في الحفاظ على ما ورثتها من اسلافها من حكمة وروية وتسامح ، آل السودان إلى ارضٍ يباب بسبب اوهام الانتماء وعقدة العرق والفهم الخاطئ للدين ، وتحول إلى أرض الضياع بسبب القديرية والسلبية وموت روح المبادرة لدى مثقفيه.
حتى اللحظة الشعب السوداني يترقب إشارة ما تبشر بوقف الخراب أو تعدُ به ، وقد طال الانتظار. كافة البشريات على قلتها أتضحت أنها سراب بقيعة ، لكن من المفارقات في آخر المطاف استدل تي إس إليوت على أن الخروج من ظلمة العصر الحديث بعودة الإنسان العصري إلى خالقه وذلك باعتناق ديناً يرتكز على العطاء والرحمة أو العطف والتحكم في الملذات.
عكس ذلك تماماً يرى كثيرون أن وقف الخراب في البلاد والخروج من القبو المظلم يكمن في إبعاد الدين عن السياسة ، ذلك حسب زعمهم أن السودان اصبح "الأرض الخراب" بسبب الهرطقة والسفسطة والدجل السياسي ، معززة بالشعوذة والتدين السطحي.
مقطع من القصيدة:
هذه هي الأرض الميّتة
هذه أرض الصبّار
هنا صوَر الحجر
تضرّع كفيّ رجل ميّت
تحت بريق نجم آفل
هل هي كذلك
في مملكة الموت الأخرى
نسير فرادى
في تلك الساعة
وعندما نرتعش من الوجع الرقراق
الشفاه التي تُقبل
تجعلُ من المصلّين حجراً مهشماً
**************
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2519

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#963574 [ابو محمد]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 10:05 AM
الاخ ابراهيم سليمان
لك التحية والتقدير
حديث النيل
يا نيل هل مرت عليـك حــوادث
وقد كنت عنـها غافــلا وجهــولا؟
مـا عهـدت مـذ خبـرتــك قابضـا
كفيك عـن وطــن الجمال فتـــيلا
وطن بــه بـدت المحاسـن جهـرة
بآيــات حســـن تنزلـــت تنــزيلا
كـل حسـن يدهشك حسن صـنوه
ولـن تلــقى لــه أو لـذاك بديـــلا
كـم تـأوه عنـــد شطــــك مدنـف
ولكــم آسيــت شاكيــا وعليــــلا
كنـت فـي دجـر الليالــي مؤانسا
لمن جـاء يشكـو وحشة وخليـلا
أما زلت في الصهد واحة ظامئ
أما زلت في سدف الدجى قنديلا
رويـت جدبـا بالنـدى فتمايلـــت
أفنانـــه ثمــلا ذللـــــت تذليـــلا
بكـل صـوب مـن نداك شواهـد
هــي للجمـال تمـــثلا ودليــــلا
سقـي بنوك مـن سلافـك نخـوة
وعـزة نفـس مـا لهــن مثــــيلا
غفـوت من طول المسير هنيهة
ام العشريـن كان وقعهـن ثقـيلا
فهـل بـك مــرت جحافل غـادر
أمسى عزيزهـا مدبـرا وذليــلا
إن مسنا ضـيم تدافعــنا صوبـه
أخـو المذلـة لا يعيــش طويـلا
الحق أن تحـيا الحيــاة بعــــزة
وألا تمشـي بيــن الأنــام قتـيلا
مـن أيــن أتــى هؤلاء تســاؤلٌ
أفـلا أجبـت سؤالنــا يــا نيـلا؟
حملناك بيــن الحنـايـا حقيــقـة
وهمسـات شعـر رتلت ترتيـلا
شمال يستنطـق التاريـخ رملـه
وباسقـات بـه كم رفـدن خليـلا
هل بكيت علـى جنوبنـا حسرة
وذرفت دمعـا مثخــنا وعويـلا
لما يمسك الشعـر عني حسانـه
وما غصت يوما بالعباب طويلا
وغربنا أبدى به الحسـن رسمه
به المكارم قــد عشقـــن حلولا
وشرقنا أيـات حسـنه أشرقــت
بها المحاســن بكــرة وأصــيلا
والجزيرة مــن نــداك فريـــدة
قد توشحت تيجان السنا إكليلا
مبسوطة الكفـين سائغة الجنى
نشوى تزين بالجميل جميـــلا
إن عتبـتُ فلا أخـلك زاجـــرا
وهل على وله المحـب سبيـلا؟
وهل رأيـت من بنيك على المدى
يجـر علـى أرض الكـرام ذلـيلا؟
يا نيل هــل مــرت عليك عمائـم
فأنكرت منـها التكبـير والتهليلا؟
هل أجيـبك ام تجبــني كأنــــــنا
أخذنا مـن جـلل المصاب ذهـولا
مــن أولاء؟ أهـم بنــوك حقيـقة؟
ام شابهـوا الأصل فأتقنوا التمثيلا
أمـا خبـرت فــي بنــيك سماحــة
وطهر نفــوس لا تحسـن التأويلا
مـا يجيــش علــى اللسـان سجيـة
ولا تعــرف الغدرات والتبديـــلا
أبنــاؤك در نضــــيد وجوهـــــر
صغارهـــم وشبابهـــم وكهـــولا
ما ينفع الناس يبقى الدهر خالـدا
ما ضـر ليـس له لعمري مقيــلا
يذهـــب الزبـــد جفــاء لعلــــــة
كيـف استباح شواطـئا وسهـولا؟
فاصفــر منـه بعـد ينعــه قضـبه
وافســد منـــــا أنفســـا وعقــــولا
فاقــد الشــئ لا يعطــــيه وإنمـــا
ينضـح الإنـــاء بمــا بـــه مجبولا
فان كـان ما فيــه طيـــب أذاعــه
إن خبــث بــات بأســره مكبــولا
يجهــد إخفــــاء القبيــح بإصـــبع
ويحسب الطـل مـن عمـاه سيـولا
يـرى انه الرأس فـي كـل موطـن
رجرجة مـا عـداه بـل وذيـــــولا
من ظن أن العلم أضحى برهــنه
لــم يــدر منـــه خوافـيا وفصـولا
نــور الحـــق لا يواريـه باطــــل
مهمـا تدثــر فـي الخداع طويــلا
يا نـيل لا تاســى سيقبـل جمعنا
ليدك مـن حصـن البغـــاة فلولا
لتهوي صروحا بنـوها بريــبـة
اخــذوا هنــاك وقتـلــوا تقتيــلا
كـم سقــوا بلـــد الكرام مذلـــة
بكـــيزان ســوء ملـؤهن غـلولا
لـم يرحموا منا صغيرا لضعفـه
ولا شيخا من مـر السنين نحيلا
اشـاعوا فينـا كـل خـبث ومنكـر
وفتـنا ما اسطاعوا لهــن سبيـلا
مقصدهـم تحطــيم كــل مورث
مــن المكـارم تالــــدا وجميـــلا
فــرق تســد اريقــوا كل دمائهم
فبتــنا بــين مشــرد وقتيــــــــلا
سرطـان شـــر احــاط بـــاذرع
من الازلام والتدليس والتضليلا
كـل جميـل فـي الحيـاة احــــاله
قبحا ومسخـا مشـوها مشــــلولا
يحلفــون على المــراء بجـــرأة
بل يبتدرون التحريــم والتحليلا
هل تناهى اليك وقــع حوافــــــر
سئمن مـن نصـب الخنوع طويلا
اما سمعت صهيلها عبــر المـدي
يزلزل من جمع الطغـاة قبيـــــلا
ما ألفـن سوى الجحاجيح صـحبة
وما خبرن سوى العصي نــزولا
رايــات ايمــان ترفـرف فوقـــها
المرســلات لا جورا ولا تبديـــلا
بالحـــق نطلقـــــــها ؟ الله اكبــــر
لا اله الا الله تصديـقا وتفعيــــــلا
سنهد قلاع الخـوف ليس يعيقنـــا
من الاراذل ترهيـــب وتهويــــلا
وتبلج الحق كالشمـس مســــفرا
تلجلج الباطـل راجفـــا مخـــذولا
ما النصر الا احتـــساب لساعــة
تنبـت فيهــا مـن الطغــاة ذيــولا
يعود للســـــــودان سابق عهــده
بعزم رجال ما بدلـــوا تبدـــــيلا
سحقا لقـوم يقتلــــون مكارمـــــا
ويدعون ذاك لجاجـــة تاصيــلا
****


إبراهيم سليمان
 إبراهيم سليمان

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة