تسونامي الهبات الشعبية
01-27-2011 07:30 AM

تسونامي الهبات الشعبية
بقلم: د. عمر بادي
عمود: محور اللقيا



لقد إنتهى الإقتراع في إستفتاء تقرير مصير جنوب السودان منذ أسبوع تقريبا , و صارت نتيجته معروفة مع توارد نتائج الفرز في مراكز الإستفتاء التي أظهرت الإكتساح المطبق لخيار الإنفصال , و قد أدى هذا , مع ما سعى إليه المؤتمر الوطني من تقليل لشأن إنفصال الجنوب و من تطمين للناس من مآلاته , إلى تقليل وقع صدمة الإنفصال بجعلها أمرا واقعا , كحالة وقع ألم الفراق الأبدي تجاه من يموت بعد معاناة المرض و بين من يموت موت الفجاءة . حالة الإنفصال غير المرتقب كحالة موت الفجاءة تخرج بالناس من طبائعهم و لذلك فهي تتطلب تجهيزات القوات الأمنية و قوات مكافحة الشغب , و إستعراضها في الطرقات حتى يرعوي كل من تسول له نفسه بالإخلال بالأمن . هذا أمر مفهوم , لكن ما دخل قوات الدفاع الشعبي في ذلك ؟ لقد رأينا السيد والي الخرطوم د. عبد الرحمن الخضر يستعرض هذه القوات و هو في زي الدفاع الشعبي , وقد ذكرني هذا المنظر بما كان يحدث في التسعينات من القرن الماضي أثناء حرب الجنوب . هذه القوات برمتها غير مقصود منها المحافظة على الأمن أثناء الإستفتاء أو عند إعلان نتيجته , و لكن المقصود منها ما يدور هذه الأيام على الساحة عربيا و محليا .
البداية كانت مع مطالب أطباء الإمتياز العادلة و التي إستمرت صعودا و هبوطا مع فعلهم و الرد عليه من الحكومة , شأنهم في ذلك شأن التحركات المطلبية , و لكنهم حركوا ساكن الشارع السوداني و علموا الكثيرين معنى الصمود . بعد ذلك كان تداول الفيديو الذي أظهر على الشبكة العنكبوتية جلد إحدى الفتيات بموجب قانون النظام العام , و قد أدى ذلك الأمر إلى إستنكار كل الأوساط المجتمعية لما حدث نسبة للتجاوزات التي حدثت أثناء تنفيذ العقوبة , وقد سيرت مجموعات من النساء الناشطات مسيرة سلمية و لكنها لم تنج من التفريق والإعتقالات . ثم كان بعد ذلك ما حدث قبيل نهاية العام المنصرم عندما خرجت جماعات من دار حزب الأمة بعد لقاء لهم و توجهوا لأداء صلاة الجمعة و كانوا يكبرون و يهللون فتعدت عليهم قوات الأمن بالضرب و أصيبت الدكتورة مريم الصادق بكسرين في عضدها و ساعدها . بعد ذلك تدحرجت كرة الثلج مع إعلان الزيادات الأخيرة في اسعار المحروقات و السكر و المواد التموينية الأخرى , و زاد حجم كرة الثلج و هي في تدحرجها بتلاقي قوى الإجماع الوطني التي تمثل أحزاب المعارضة على الحد الأدنى , و تضامن الشباب مع أحداث الوطن و صار لهم دور إيجابي في ذلك فأسسوا المواقع الإلكترونية و إستغلوا موقع الفيسبوك لدعواتهم , و بدأت أعداد عضويتهم في التزايد . لقد عانى هؤلاء الشباب من الإحباطات الكثيرة بسبب تفشي البطالة و الضائقة المالية و ضيق الفرص و ضبابية المستقبل , و أدى ذلك لفقدهم للإنتماء الوطني و تغيبهم بوسائل فقد واقعهم , و هاهم يعودون مهمومين بقضايا الوطن و مشاركين في إيجاد حلول لها .
الضائقة الإقتصادية التي أدت إلى الزيادة العالية في الأسعار , هل هي حقا عالمية ؟ أم أنها نتيجة للتغييرات الداخلية في البلاد التي جعلت شمال السودان ينال 30 % فقط من عائد البترول المستخرج في المقابل لعدد سكانه ال 32 مليون نسمة ؟ هذا الوضع لن يتم تداركه قريبا و لن تتحسن الأوضاع الإقتصادية على المدى القريب , و سوف نتوقع أن نشهد إحتجاجات أكثر , و سوف تستمر كرة الثلج في تدحرجها و تضخمها !
بعد إنتفاضة تونس المتواصلة لإحداث التغيير الجذري , تحركت يوم الثلاثاء 25 يناير جماهير الشعب المصري في يوم عيد الشرطة المصرية تحت شعار ( يوم الغضب ) و نزلت في تحدٍ إلى الشوارع في كل المدن الكبرى كالقاهرة و الإسكندرية و السويس و أسيوط و غيرها و هتفت تدعو للتغيير , و قد إستغل الشباب المصري مواقع الإنترنت لعكس الأحداث و عرض صورها .
لقد حدث قبل يومين لقاء قيادات المؤتمر الوطني مع قيادات حزب الأمة القومي للتشاور في أمر أطروحات السيد الصادق المهدي بخصوص إصلاح الوضع السياسي في السودان , و قد إتفق الحضور لتكوين لجنة لدراسة المطالب و رفع توصياتهم إلى قيادة الحزبين . لقد تابعت ردود الفعل التي أعقبت هذا اللقاء , و كان جلها متوجسا من هذا الأمر , لأنه من المعروف سلفا أنه إن أردت قتل موضوع ما فكون له لجنة , و أنه لا فائدة في تجريب المجرب كإتفاقيات جيبوتي و القاهرة و التراضي و هلمجرا .. و لماذا هاجم الناس الدكتور جون قرنق حين أبرم إتفاقية نيفاشا مع المؤتمر الوطني منفردا بدون أن يشرك التجمع الوطني الديموقراطي معه , و الآن يجتمع السيد الصادق مع المؤتمر الوطني بدون إشراك قوى الإجماع الوطني ؟ يبدو أن السيد الصادق قد إلتفت إلى هذا الأمر فعاد و إجتمع مع أحزاب المعارضة و شرح لهم ما دار بينه و بين المؤتمر الوطني , ربما للعلم فقط , أم بغرض أن الرجوع إلى الحق فضيلة ؟
أكتب مقالتي هذه في ليل الثلاثاء و غدا الأربعاء 26 يناير الموافق ليوم دخول الإمام محمد أحمد المهدي للخرطوم فاتحا و محررا , و هو اليوم الذي إختاره السيد الصادق ليقرر بعده إما الإنضمام لقوى إسقاط النظام أو إعتزال السياسة . إن غدا لناظره قريب





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1184

خدمات المحتوى


د. عمر بادي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة