المقالات
السياسة
إهمال محجوب شريف.. سقطة وانحطاط!
إهمال محجوب شريف.. سقطة وانحطاط!
04-07-2014 12:03 AM


من المعيب (حث) أو (تنبيه) الدولة ومُؤسساتها الـ(مختلفة) للقيام بمهامها وواجباتها تجاه المبدعين والمثقفين، على غرار ما سيرد في السطور اللاحقة من قول، وقف عليه ورآه وشاهده وعايشه كل الشعب السوداني، بل ومن خارج السودان، حينما تجاهلت الدولة (تماماً) فاجعة السودان المتمثلة في رحيل الشاعر الكبير والهرم الأستاذ محجوب شريف. هذا التجاهل (غير الذكي) و(غير اللائق)، أعادني بالذاكرة لصبيحة يوم العاشر من شهر ذي الحجة 1427هـ الموافق الثلاثون من شهر ديسمبر 2006م، وهو التاريخ الذي يتوافق مع أول أيَّام التشريق أو عيد الأضحى، والذي شهد أيضاً تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، حيث جاء اختيار هذا التاريخ (بحسب تحليلات الكثيرين) لأغراض معينة، إلا أن الواقع أو النتائج اتت (مُخيبة) لتوقعات الذين اختاروا ذلك التاريخ، فقد وجد هذا التوقيت لتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين رفضاً واسعاً سواء من العراقيين (أنفسهم وعلى اختلافهم) أو من غير العراقيين، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية وميولهم الفكرية، ودونكم ما سطرته منظمة هيومن رايتس سواء عن المحاكمات أو عن تداعيات تنفيذ الحكم وما سبقه.
تذكرت هذه الواقعة وأنا أُتابع كغيري من السودانيين تداعيات وفاة الراحل المقيم شاعر الشعب الأستاذ محجوب شريف، الذي ينتمي فكرياً للحزب الشيوعي، لكنه ليس ملكاً له، فهو شاعر بقامة الوطن، ويعشقه الصغير والكبير، وهو قامة ورمز من رموز النضال الوطني، من الصعوبة بمكان تجاوزه! تناولت الفضائيات الخارجية سيرته وتتبعت فعاليات مواراة جثمانه لمثواه الأخير، بينما فضائياتنا تغوص في المواضيع الانصرافية والسخيفة (وغير ذات الجدوى)! ولم نر مسئولاً واحداً في وداع هرم ثقافي ومعرفي ورمز من رموز الأدب السوداني، رغم وجود وزارات للـ(ثقافة) والـ(تربية) (تُغطي) البلد طولاً وعرضاً و(بلا) لازمة!! ويبدو واضحاً (جداً) غياب هاتين الصفتين (الثقافة والتربية)! وفي ذات السياق، احتل خبر رحيل هذا المبدع مساحات مقدرة من قنوات وفضائيات أكبر قدراً من فضائيات السودان، سواء من حيث المواهب أو العقول أو الشكل والمنظر والمضمون، وأكثر انتشاراً ومصداقية عالمياً وإقليمياً من واقع التجارب، وعلى رأسها سكاي نيوز والعربية والبي بي سي وغيرها (ونأسف للذين لم تسعفنا الذاكرة لذكرهم ولكنهم محل احترامنا وتقديرنا).
ربما اعتقدوا بأن في هذا انتقاص لقدر الفقيد، فخاب الرمي (كالعادة)! حيث كان في وداعه الكبير والصغير، النساء والرجال، أطفالاً وشباباً وشيباً. هذه اللوحة الإنسانية رسمها الشعب دونما تخطيط أو تدبير مسبق، أو تكتل وحشود مدفوعة الأجر مع آخرين أقل قدراً وشأناً وإسهاماً من الراحل! انطلقت الحشود بعفوية إيماناً بجهود شاعرنا الفذ وإنسانيته العميقة وصدقيته العالية، وبساطته بعيداً عن أي انتماءات ضيقة، واستشعاراً منها بأهمية وقيمة ومضمون التراث الوطني. ولكم في مصر القريبة مثال، ولتنظروا لما استصحب وفاة الشاعر محمد فؤاد نجم لتدركوا مدى ضيق آفاقنا وعقولنا وتراجعنا الأخلاقي واختلالنا النفسي والسلوكي!
فاهتمامنا كدولة وشعب بـ(رموزنا) في كافة المجالات سواء ثقافية أو أدبية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية يدخل في إطار المحافظة على الهوية الوطنية والحضارية، باعتبار أنَّ هذه الرموز أضحت إرثاً حضارياً وقومياً ووطنياً، تُشكِّل و(تُكوِّن) كينونتنا التاريخية والحاضرة المستقبلية. وكثيراً ما نرى مظاهر هذا الاحتفاء بتلك الرموز في الدول الأخرى، حيث يبدأ الاهتمام برحيلها من خلال إجراء ما يليق بهم من وداع، ثم الاهتمام بأسرهم ونتاجاتهم الفكرية وتوثيقها. بل يمتد الاهتمام حتى بالأدوات التي كانوا يستخدمونها في ابداعاتهم الأدبية والفكرية والثقافية والفنية وغيرها. ومما لا شك فيه، أنَّ هذا الإهمال الـ(متعمد) لمبدعينا ومثقفينا يرتقي لمستوى الـ(جريمة) التي لا تُغتفر بحق التاريخ والثقافة والتراث والرموز والإنسانية، ويعزز القناعة بعدم (أهلِّية) القائمين على الأمر بإدارة شئوننا.
وللحقيقة محجوب شريف (رحمه الله) لا يستحق هذه المعاملة غير الكريمة، فهو صاحب دور محوري ومؤثر في الشعر الوطني السوداني سواء كان الثوري والنضالي أو الغنائي العام، وهو أضحى إرثاً ثقافياً ثرياً لكل السودان، عبر مساهماته المقدرة في مسيرة الأدب والإبداع والتي يشهد له بها القاصي والداني.
ومما لا شك فيه أيضاً، أن هناك حقاً أصيلاً للذين خدموا أوطانهم في كل القطاعات يتمثل في حتمية تكريمهم واحترامهم، ومن بين أبسط صور وأشكال هذا الـ(تكريم) والـ(إحترام) الوقوف عند عجزهم أو مرضهم أو فقدهم، وليس على النحو الذي تعاملت به الدولة مع وفاة الأستاذ القامة محجوب شريف، بينما يحتفون بمن هم دونه قدراً ومكانة، ويُفردون لهم مساحات في وسائل الإعلام الرسمية التي أصبح لا يشاهدها إلا ذوي العقول الـ(محدودة)، نتيجة لخواء برامجها من أي مضمون أو قيمة!
لقد كان حرياً بالدولة، بل ومن أوجب واجباتها، المشاركة في وداع ابن من أبناء البلد البارين وتخليد سيرته (على الأقل الأدبية)، بنحوٍ يتماشى مع حجمه ومكانته في قلوب الناس وإنتاجه الأدبي والإبداعي الغزير، وإنْ لم يكن لأجله هو (أي الفقيد) فليكن (إكراماً) للشعب الذي (أحبه) و(احترمه)، ولكن فاقد الشيئ لا يعطيه، ولا يعرف الوفاء إلا أهل الوفاء ومن نشأ وتربى وترعرع عليه، ولا (يُقيِّم) الأدب إلا من يتمتَّع به. ومحجوب شريف (رحمه الله)، سواء رضي الحاقدون والقاصرون أم أبوا، قامة سامقة من الصعوبة بمكان أن يطالها الأقزام، وهو خالدٌ فينا بأعماله الأدبية والإبداعية وبنضاله الشريف، وبيده النظيفة وعفة نفسه (ومأكله وملبسه الحلال) وكبريائه وشموخه، والسقوط هو السقوط، والانحطاط هو الانحطاط.


[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1014

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#965524 [الزول]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2014 09:32 AM
أستاذ فيصل لك التحية
الرحمة والمغفرة للأستاذ القامة محجوب شريف وكل ما نستطيع عملة أن نرفع أيدينا للمولى عز وجل أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة .
أما حديثك عن الثقافة والتربية والتعليم فلهما الرحمة , قنواتنا الفضائية أصبحت تترزق من الغناء الهابط وعرض الحناء والمكياج وحتى المقابلات مع من يا أستاذ ؟؟؟؟؟؟؟؟
التربية والتعليم فعليهما الرحمة ايضا والله والله يا أستاذ بعض خريجى الآداب من جامعات الفكة لا يعرفون محجوب شريف أسأل اى طالب والله لا بارك فى من كان السبب أما التربية فالطلاب يجلسون مع أساتذتهم فى الحفلات ومع ستات الشاى .
ووزارة الثقافه أصبحت وزارة ترضيات فن يأتى أليها لم يقرأ قصيدة واحدة للأستاذ محجوب شريف فكيف يكرمة وكيف يهتم به وهو مريض وكيف يسير فى جنازته وهو ميت .

مرة أخرى لك الرحمة أيها الأنسان العفيف النظيف .


د. فيصل عوض حسن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة