04-09-2014 08:24 AM


مقدمة

شاعر الشعب العظيم محجوب شريف ، كان متفردا في سيرته و عطائه ومفاهيمه و اخلاقه، و كان لذلك فردا استثنائيا وهبه الله لاهل السودان، و انا لندعو الله ان يهب بلادنا افرادا مثله في الاجيال القادمة. و الجميع يعرفون ، خصوصا السيدة اميرة الجزولي و بناتها مريم و مي، ان شاعرنا لم يترك وصية معلومة للشعب السوداني . لكن هذا المعلم المتفرد ظل يوصي الشعب السوداني بشعره و سلوكه و بمشاركته الحياة مع الناس . و الغريب انني عندما احصيت الوصايا التي تركها في سيرته الرائعة وجدتها عشرة – ربما يجد آخرون اكثر من ذلك.

و كمقدمة للحديث عن وصاياه ، لا بد من الحديث عن بخت الرضا و نظام تدريب المعلمين و المناهج التي بدأت بها التعليم النظامي في السودان. و عند الحديث عن بخت الرضا و معلم الشعب محجوب شريف لا بد ان اذكر استاذي الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اشارته لواحدة من وصايا محجوب ، الا و هي اعادة النظر في مناهج التعليم ، ببخت الرضا المضادة .

الذين يقرأوون كل ما يكتب استاذي الدكتور عبد الله علي ابراهيم مثلي، يعرفون ان له رأيا سالبا في تجربة بخت الرضا ، و انا رغم احترامي للدكتور كعالم متفقه في التاريخ و الاجتماع و الادب و السياسة ، اختلف معه لانني اولا من "منتجات" بخت الرضا ، و لان لي رأيا مغايرا لرأيه.

و خلاصة رأي الدكتور نجدها في مقاله بعنوان "محجوب شريف و العجوز و الفصل: بخت الرضا المضادة "حيث يقول:

"فلم تكن حصص محجوب تنعقد في فصل بحيطان معلومة. فقد كسر محجوب الحائط الرابع، بلغة المسرح، وراح يأخذ تلاميذه إلى الطرقات ليتلقوا العلم مما أفاء به الله على أهلهم العاديين. وهو علم ازدرته بخت الرضا وساء ظنها فيه (أو أساءت تقديره بالأحرى) حين وصفت مجتمع المدرسة بالخلو من الثقافة. وقد ساقتها هذه الخلاصة المجازفة عن ثقافة السودانيين إلى الاستثمار في المدرسة لجعلها المؤسسة الغنية لمجتمع معلم الله من المعرفة كما رأينا"

انا اعتقد ان منهج بخت الرضا ، و الطريقة التي اتبعت لاعداد المعلمين و تصميم المناهج و تأليف مقرراتها ، كانت تجربة رائدة و ناجحة في ذاك الزمان. اقرمع الدكتور ان حكومة الاستعمار عندما كلفت مستر قريفث بمهمة وضع اللبنة الاولي لتعليم نظامي يشمل القطر كله، كان الهدف رفد مؤسسات الدولة بصغار الموظفين ، و نشر المام بالقراءة و الكتابة للمواطنين حتي يضمنوا سهولة تطبيق القوانين و اللوائح. لكن المستر قريفث اعتبر المسؤولية الملقاة علي عاتقه مسؤولية تربوية و اخلاقية. و بحث عن رجل سوداني يشاركه هذه المسؤولية و وقع اختياره علي رائد التعليم الاستاذ الجليل عبد الرحمن علي طه، و اتفقا علي ان انشاء معهد لتدريب المعلمين و تأسيس نظام تعليمي يتطلب تحديد الاهداف التي سيحققها هذا النظام. و قاموا بالنظر في مدارس علم النفس المختلفة: مدرسة التحليل النفسي لفرويد، مدرسة علم النفس التحليلي لينق، مدرسة سيكولوجية الافراد لادلر ...الخ، و اتفقا علي ان التدريب للمعلمين و المناهج يجب ان تسعي لتزويد المتعلم و المتدرب بصفات خلقية و حددوا بها اهداف التعليم، و ضمنوا هذه الاهداف في كتاب بعنوان "اهداف الاخلاق" ، و الاهداف هي: النشاط الجسدي، النشاط العقلي ، المثابرة، الثقة، الاعتماد علي النفس، معرفة النفس، الابتكار، ضبط النفس، القيادة، الطاعة، الموضوعية، الاخلاص، الولاء ، المروءة و المجاملة.

و لم يكتف بتحديد الاهداف ، بل اصر علي ان تكون بيئة التدريب تشابه تماما البيئة التي سيدرس فيها المعلم في القري السودانية. و لذلك تقرر ان لا تدخل الكهرباء او الماء في المعهد، تستخدم الرتاين و "ينشل" الماء من الآبار. كل المباني كانت قطاطي من القش. اما التطبيق فقد كان يعتمد علي مبدأين اساسين : التجريب و الممارسة. هكذا كانت بداية بخت الرضا ، و كان لزاما اعداد دليل لكل مادة و كتابة مقررات لكل مادة – لكن مناهج التدريب كلها كانت تدعو الي الابتكار و الابداع.

بعد كل هذا ان اتي لادارة التعليم في البلاد اجيال غلبت عليهم "افنديتهم" و انبهارهم "بالخواجة" و لم يغيروا شيئا مما قام به مستر قريفث ، بل ظلوا ينتقدونه و يصفونه بالتعليم المعلب، فالعتب ليس علي قريفث ، بل علي ابناء السودان العلماء امثال الدكتور عبدالله الطيب و الدكتور عبد الله علي ابراهيم الذين اشاروا للمناقص و لم يجتهدوا في تقديم البديل.

و لابراز اثر بخت الرضا في شاعرنا العظيم ، اقول ان المتعلمون في ذاك الزمن كانوا نوعين ، نوع متعلم و مزج التعليم بتراث السودانيين و خبراته الشخصية و ثروته من الاضطلاع – و من هذا النوع شاعرنا محجوب شريف – و يتم "تمثيل" هذه المعرفة في عقولهم غذاءا للعقل ، ينتج عنه الابتكار و الابداع ، و التعرف علي الارث الثقافي السوداني . و هنالك المتعلم الملتزم بالكتاب الذي درسه ، و الملتزم بمرشد المادة الذي اعده مؤلف المنهج، و يصعب عليك ان تقنعه بان هذا الدليل اقتراح للتدريس من كاتب المنهج ، و هنالك الف طريقة اخري للتدريس !! لا يمكن لهذا النوع من المتعلمين ان يقبل الخروج عن المنهج او مخالفة ما جاء في "مرشد المادة"!!

و احكي لكم طرفة هنا، كان احد مدرسي طرق التدريس في بخت الرضا من هذا النوع الاخير ، و بعد حصص المعاينة ، عند مناقشة الطريقة التي درس بها المعلم و توجيه النقد، كان يختلف معه المتدربون في الرأي، فيقول لهم "الفيصل بيني و بينك مرشد المادة" ، و علي عكسه تماما كان الخواجة الوحيد في شعبة اللغة الانجليزية، يقول ان هذا مقترح و لك مطلق الحرية في الابتكار و التجديد ، و عندما ذكرنا له قصة مدرس اللغة العربية ، قال لنا : (Simply he is bookish) فذهبنا لاستاذنا في ذاك الزمان مصطفي عبد الماجد (حاليا الدكتور مصطفي عبد الماجد استاذ بجامعة الخرطوم) نسأله عن "بوكش" فقال لنا انه الشخص الملتزم بالكتاب حرفيا او المولع بالكتاب.

في عشر مقالات ساحاول ان اقنعكم بان محجوب شريف ترك عشر وصايا لنا و للاجيال القادمة ، و ذلك لبلوع مجتمع " بالفيه نتساوي" ، نحقق الديمقراطية ، نصونها و نحافظ عليها.

و حتي القاكم مع الوصية الاولي استودعكم الله.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي اشرف الخلق و المرسلين.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1421

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حسين الزبير
حسين الزبير

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة