المقالات
السياسة
فصول من كتاب (الأصل الأفريقي للحضارة : خرافة أم حقيقة ؟
فصول من كتاب (الأصل الأفريقي للحضارة : خرافة أم حقيقة ؟
04-09-2017 08:28 AM

الأصل الأفريقي للحضـارة : خرافة أم حقيقة ؟
المؤلف : شيخ أنتا ديوب



النسـخة الإنكليـزية – ترجمـة
محمد السـيد علي


لاورينس هيل وشركاه
نيويورك – ويست بورت

من هو (شيخ أنتا ديوب)

ولد (شيخ أنتا ديوب) النصير المعاصر للهوية الأفريقية في مقاطعة (ديوربيل) بالسنغال
في يوم 29 ديسمبر 1923 من أب أرستقراطي مسلم وعائلة تنتمي بحسب قوله إلى (الجماعة المريدية) وهي الجماعة الإسلامية الوحيدة المستقلة في أفريقيا . تلقى تعليمه الأولي في مدرسة إسلامية تقليدية بالسنغال ثم نال درجة البكالوريوس في السنغال قبل أن يشد الرحال إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين من عمره لمواصلة دراسته في الفيزياء ، ثم ما لبث أن وجد نفسه منجذبا بشكل عميق نحو الدراسات ذات الصلة بالمنشأ الأفريقي للإنسانية والحضارة . بعدها أصبح (ديوب) ناشطا فاعلا أكثر وأكثر في الحركات الطلابية وأصبح يطالب بتحرير المستعمرات الفرنسية .

في عام 1951 جرى رفض رسالته لنيل الدكتوراة في جامعة السوربون والقائمة على فرضية أن حضارة مصر الفرعونية كانت حضارة أفريقية . بغض النظر عن ذلك فقد جرى نشر الأطروحة بواسطة مطبوعة (الوجود الأفريقي) تحت عنوان (الأمم الزنجية والثقافة) ونالت إستحسانا عالميا . جرت بعد ذلك محاولتين لنيل الدكتوراه غير أن المحاولتين أخفقتا ، إلا أنه بحلول عام 1960 دخل في مناقشات مع سلسلة من علماء الإجتماع ، علماء علم الإنسان ، المؤرخين ، مدافعا عن أطروحته ونجح في حملهم على دعمها . بعد عقد من الزمان وبعد جهود جبارة وعظيمة نال (ديوب) درجة الدكتوراة وفي نفس العام أي 1960 نشر (ديوب) عملين أخرين هما (الوحدة الثقافية لأفريقيا السوداء) و (أفريقيا السوداء ما قبل الإستعمار) .خلال فترة دراسته كان (ديوب) ناشطا سياسيا قويا ففي الفترة ما بين 1950 – 1953 أصبح السكرتير العام للتجمع الديمقراطي الأفريقي وساعد في تأسيس مؤتمر الطلاب الأفارقة الشامل في باريس عام 1951 وشارك كذلك في المؤتمر الأول للكتاب والفنانين السود الذي إنعقد في باريس عام 1956 وفي المؤتمر الثاني الذي إنعقد في روما عام 1959 .

عند عودته للسنغال عام 1960 واصل الدكتور (ديوب) بحوثه وأسس مختبرا للكربون الإشعاعي في داكار وفي عام 1966 عقد في (داكار) المهرجان الزنجي الأول للفنون والثفافة وقد كرمته السنغال هو والأستاذ دبليو. إيي .بي. دبويس كباحثين لهما تأثير عظيم على الفكر الأفريقي في القرن العشرين . في عام 1974 وقع حدث هام في عالم المتحدثين باللغة الإنكليزية حينما نشر كتاب (الأصل الأفريقي للحضارة : خرافة أم حقيقة ). في عام 1974 أعاد كل من الدكتور (ديوب) و (ثيوفايل أوبينقا) معا وبكفاءة التأكيد على المنشأ الأفريقي للحضارة الفرعونية وذلك في منتدى عقد في القاهرة تحت رعاية اليونسكو . في عام 1981 جرى نشر أخر أعماله الهامة (حضارة أم بربرية) .

كان دكتور (ديوب) يعمل مديرا لمختبر الكربون الإشعاعي في المعهد الأساسي لأفريقيا السوداء بجامعة داكار وقد إحتل مكانه بين لجان علمية دولية عديدة ونال إعترافا كونه واحدا من رواد المؤرخين ، علماء الآثار المصرية ، اللغويين وعلماء علم الإنسان في العالم . لقد سافر بلادا كثير وحاضر في العديد من الدول وجرى الإستشهاد والإقتباس من كتاباته بشكل مقبول . لقد أعتبر (ديوب) بواسطة الكثيرين بمثابة (فرعون حديث للدراسات الأفريقية) . توفي (ديوب) في داكار العاصمة في 7 فبراير 1986 بعد أن قدم للإنسانية أعمالا تعد بمثابة ثورة وإنقلاب في مسار تاريخ الحضارات الإنسانية .

يعتبر كتابه (الأصل الأفريقي للحضارة) مرجعا لا غنى عنه لأي باحث جاد في دراسة أصول حضارة وادي النيل ، كونه قدم من الحجج الدامغة والدلائل المنطقية ما يثبت بما لا يدع مجالا للشك زنجية منشأ الحضارة الإنسانية في وادي النيل ، بعد أن درس علم الآثار والتاريخ والفيزياء وغاص في المراجع القديمة ينقب ويبحث السنين الطوال ، ملتقطا كل شاردة وواردة ومستدعيا شهادات وإفادات المؤرخين ، المتحيزين فيهم والمحايدين ، جتى إستطاع بصبره أن يقدم لنا واحدا من أفضل المراجع التاريخية في العصر الحديث عن حضارة وادي النيل .

تمهيد - مغزى عملنا

لقد بدأت بحثي في سبتمبر من عام 1946 ، غير أنه وبسبب وضعنا الإستعماري في ذلك الوقت فإنّ المعضلة السياسية هيمنت على كل الأوضاع الأخرى. في عام 1949 كان التجمع الديمقراطي الأفريقي يعاني من أزمة . لقد شعرت وقتها بأنه بات لزاما على أفريقيا أن تحشد طاقتها لمساعدة الحركة على تغيير المد الذي وصل إليه القمع ، من ثمّ جرى إنتخابي كسكرتيرا عاما لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي في باريس ، حيث عملت خلال الفترة 1950 – 1953 . في الفترة مابين 4 – 8 يوليو 1951 عقدنا في باريس أول مؤتمر سياسي أفريقي شامل للطلبة بعد الحرب ، بحضور أكثر من (30) مندوبا من إتحاد طلبة غرب أفريقيا بما فيهم الآنسه أديريمي تيجو الإبنة الأخيرة لأوني حاكم (إيفي) . في فبراير 1953 صدر العدد الأول من مطبوعة (مسار الزنجية الأفريقية) التي كانت بمثابة الناطق الرسمي لطلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي . في هذه المطبوعة نشرت مقالا بعنوان (نحو أيديولوجيا سياسية في أفريقيا السوداء) إحتوى ذلك المقال على (سير ذاتية للأمم الزنجية) تلك المخطوطة التي كانت قد إكتملت للتو . إن كل أفكارنا عن التاريخ الأفريقي ، ماضي ومستقبل لغاتنا ، إستخدامها في أكثر المجالات العلمية تقدما مثلما في التعليم عموما ، مفاهيمنا عن إقامة دولة فيدرالية مستقبلية ، قارية أو شبه قارية ، أفكارنا عن البنيات الإجتماعية الأفريقية في خططنا وتكتيكاتنا في المقاومة من أجل الإستقلال الوطني وهكذا ، كل هذه الأفكار جرى التعبير عنها في ذلك المقال .
أما فيما يتعلق بمشكلة الإستقلال السياسي للقارة فإن السياسيين الأفارقة الناطقين بالفرنسية قد إستأثروا بأوقاتهم الطيبة قبل الإقرار بأن ذلك هو الطريق السياسي القويم الذي يجب أن يتبع كما سنرى لاحقـا. بالرغم من ذلك فقد إستطاع طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي من أن ينظموا أنفسهم في إتحاد داخل فرنسا مع دوائر طلابية أفريقية سياسية والترويج لشعار الإستقلال القومي لأفريقيا من الصحراء إلى الكيب ومن المحيط الهندي إلى الأطلسي مثلما أكدت مجلتنا الدورية على ذلك . يشير أرشيف (إتحاد الطلاب الأفارقة في فرنسا) أنه لم يجر تبني المواقف المعادية للإستعمار حتى أظهرها طلاب التجمع الديمقراطي الأفريقي . لقد شددنا على المضمون الثقافي والسياسي التي ضمّناه في مفهوم الإستقلال للحصول على أخر مفهوم جرى تبنيه في أفريقيا الناطقة بالفرنسية : ما جرى نسيانه بالفعل هو النضال المرير الذي فرض على الدوائر الطلابية في باريس بأن يتصدوا له ، على إمتداد فرنسا وحتى بين صفوف طلبة التجمع الديمقراطي الأفريقي .
إن المضمون الثقافي على وجه الخصوص الذي سيسترعي إنتباهنا هنا هو أن المشكلة قد وضعت على أساس إسترداد الشخصية الأفريقية القومية الجماعية .لقد كان ذلك ضروريا على وجه الخصوص لتفادي مآزق الوسيلة . إن ذلك يبدو مغريا جدا لتضليل الجماهير المنخرطة في النضال من أجل الإستقلال بنيل الحريات بحقيقة علمية ، ذلك بالكشف عن الماضي الأسطوري المنمق . إن أؤلئك الذين إقتفوا أثر مجهوداتنا لأكثر من (20) عاما يدركون الآن أن هذه ليست هي الحجة وأن هذا الخوف بقي بلا أساس . لا جدال على أن هناك ثلاثة عوامل تتبارى في تشكيل الشخصية الجماعية لشعب ما : العامل النفسي ، قابلية المفهوم الأدبي للتأثر وهو العامل الذي يسمى في مواضع أخرى بالمزاج القومي وهو العامل الذي أفرط الشعراء الزنوج في التشديد عليه . إضافة إلى ذلك فهناك العامل التاريخي والعامل اللغوي وكليهما عرضة للتأثر لكونهما متصلات علميا . لقد كان هذين العاملين الأخيرين موضوع دراساتنا وقد حاولنا أن نبقى متشددين بناء على أرضية علمية . هل يستطيع المفكرون الأجانب الذين إعترضوا على مقاصدنا وأتهمونا بكل أنواع الدوافع الخفية أو الأفكار السخيفة أن يقدموا ما هو مختلف ؟ حينما يفسرون ماضيهم التاريخي أو يدرسون لغاتهم فإن ذلك يبدو عاديا ، غير أنه حينما يقدم أفريقي على فعل ذات الشيء للمساعدة على إعادة بناء الشخصية القومية لشعبه الذي شوهه الإستعمار ، فإن ذلك يعتبر شائنا أو مرعبا .
إننا نؤكد أن مثل هذه الدراسة هي بمثابة نقطة مغادرة بالنسبة للثورة الثقافية التي ربما جرى فهمها . إن كل الهروب المتسرع ليساريين طفيليين معينيين حاولوا تجنب هذا المجهود ، يمكن أن يفسره الخمول الفكري ، التثبيط أو اللا أهلية . إن البلاغة الثورية المزيفة الأكثر بروزا تتجاهل تلك الحاجة التي يجب أن تلبى إذا كان على شعوبنا أن يعاد ولادتها ثقافيا وسياسيا . في الواقع فإن الكثيرين من الأفارقة وجدوا هذه الرؤية رائقة تماما لكي تكون حقيقة ، غير أنه لن يمضي وقت طويل حتى لا يستطيع بعضهم نقض الفكرة التي مفادها أن السود موجودون ثقافيا وتاريخيا . لقد كان من الضروري صياغة الفكرة المبتذلة التي مفادها أن الأفارقة لا تاريخ لهم ومحاولة البدء من هناك لبناء شيء بتواضع . إن بحوثنا قد أقنعتنا بأن الغرب لم يكن رصينا وموضوعيا بما فيه الكفاية لكي يدّرسنا تاريخنا على النحو الصحيح وبدون تزييفات فجة . اليوم فإن أكثر ما يشوقني هو رؤية تشكيل الفرق ، ليس تشكيل القراء السلبيين بل تشكيل فرق عاملي البحث الصادقين والجرئيين ، المستهدفين رضا النفس والتثبت المعقد وإستقصاء الأفكار المعبر عنها في عملنا مثل :
(1) أن الحضارة المصرية كانت حضارة سوداء . إن تاريخ أفريقيا السوداء سوف يظل معلقا في الهواء ولا يمكن أن يكتب على النحو الصحيح إلى أن يتجرأ المؤرخون الأفارقة على ربطه بتاريخ مصر . إن دراسة اللغات ، المعاهد وغيرها على وجه الخصوص لا يمكن لها أن تتناول ذلك التاريخ على النحو الصحيح ، بمعنى أنه سوف يكون من غير الممكن إرساء علوم إنسانية أفريقية ، أي كيان لعلوم إنسانية أفريقية مالم تظهر تلك العلاقة بشكل شرعي . إن المؤرخ الأفريقي الذي يتجنب مسألة مصر هو ليس بمتواضع أو موضوعي أو هاديء ، إنما هو جاهل ، جبان وعصبي . تصور الموقف المزعج لمؤرخ أوروبي كان عليه أن يكتب تاريخ أوروبا دون الإشارة إلى الآثار الإغريقية – اللاتينية ومحاولة إجتيازها كمنهج علمي . لقد كان قدماء المصريين زنوجا . إن الثمرة المعنوية لحضارتهم يفترض أن تحسب ضمن أصول العالم الأسود . بدلا من أن يقدم العالم الأسود نفسه للتاريخ كمدين مفلس فإنّ ذلك العالم كان المبادر الفعلي للتباهي بالحضارة (الغربية) المتفاخرة والماثلة أمام أعيننا اليوم . إن رياضيات فيثاغورس ، نظرية العناصر الأربعة لطاليس ، المادية الأبيقورية ، المثالية الأفلاطونية ، اليهودية ، الإسلام والعلوم الحديثة ، كلها لها جذور في النشأة الكونية لمصر والعلوم.
إن المرء في حاجة لأن يتأمل فقط (أوزيريس) الإله المفتدي ، الذي يضحي بنفسه ويموت ثم تبعث فيه الروح لينقذ البشرية ، شخصية تتماثل بشكل جوهري مع شخصية المسيح . إن الزائر لـ (طيبه) في (وادي الملوك) يمكن أن يرى بالتفاصيل جحيم المسلمين ( في مدفن سيتي 1 – من السلالة الحاكمة التاسعة عشرة ) أي قبل 1700 عام من نزول القرآن .إن (أوزيريس) التي تجلس عند محكمة الموتى هي في الواقع (رب) الديانات الموحى بها ، تجلس على العرش في يوم الدينونة ونحن نعلم بأن هناك فقرات إنجيلية معينة هي نسخ عملية من النصوص الأخلاقية المصرية . إنه لبعيد عني أن تربكني مثل هذه التذكرة الموجزة بتقديم إثبات . إنه ببساطة أمر يتعلق بتقديم القليل من نقاط الإستدلال لإقناع القاريء الأفريقي الأسود الميال للشك بالتحقق من ذلك . لدهشته العظيمة فإنه سوف يكتشف أن معظم الأفكار المستخدمة اليوم لتدجين ، إضمار ، تذويب ، أو سرقة (روحه) قد جرى تصويرها بواسطة أسلافه . أن تكون مدركا لهذه الحقيقة ربما تكون الخطوة الأولى لإسترداد حقيقي لنفسك وبدون هذه الحقيقة فإن العقم الفكري سوف يكون هو القاعدة العامة .بمعنى أخر فإن علينا أن نسترد وعي الشعوب الأفريقية وأن نسترد الوعي البروميثي (نسبة لبروميثيوس) .
(2) لقد جرى الحديث أنثربولوجيا وثقافيا عن أن العالم السامي قد ظهر خلال العصور البدائية من التاريخ من مزيج من الشعوب ذات البشرة البيضاء والبشرة السوداء في غربي آسيا . ذلك هو السبب الذي يجعل فهم أن العالم السامي في بلاد ما بين النهرين ، العالم اليهودي والعربي ، يقتضي الإشارة الدائمة للواقع الأسود المؤكد . إذا كانت هناك فقرات إنجيلية معينة ، خاصة في العهد القديم تبدو غريبة ، فلأن المتخصصين المدفوعين بالتحيزات ، كانوا غير قادرين على قبول دليل وثائقي .
(3) إن إنتصار فرضية آحادية منشأ الإنسانية لـ (ليكي) تجبر المرء حتى في مرحلة (العاقل المتجانس) على الإقرار بأن كل الأعراق تنحدر من العرق الأسود وفقا لعلاقة القرابة التي سيفسرها العلم يوما ما .
(4) في كتاب (أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) 1960 ، كان لدي هدفين :
(أ) إثبات إمكانية كتابة أفريقيا السوداء متحررا من التسلسل الزمني المجرد للأحداث ، مثلما تشير هذه المقدمة إلى هذا الكتاب بوضوح . (ب) تحديد القوانين التي تحكم تطور البنيات الإجتماعية السياسية الأفريقية لتفسير الإتجاه الذي أخذه التطور الأفريقي في أفريقيا السوداء وبالتالي هيمنة وسيطرة تلك العملية التاريخية من خلال المعرفة ، أكثر من الخضوع لها .
إن هذه الأسئلة الأخيرة مثل تلك المتعلقة بأصول (مصر) ، هي من بين المعضلات الرئيسية ، فحالما يتم حلها فإن الباحث يمكن أن يتقدم لكتابة تاريخ أفريقيا . بناء عليه فمن الواضح أن هذا هو السبب الذي يجعلنا نعير إهتماما خاصا لحل هذه المعضلات وبأن يتجاوز الكثيرون مجال التاريخ . إن نمط البحث الذي دشّنه كتاب (أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) في الجانب الإجتماعي التاريخي وليس في الجانب العرقي الجغرافي ، بات ممهدا منذ أن إستخدمه الكثير من الباحثين وهو ما أفترض أنه قادهم إلى وصف الحياة اليومية للكنغوليين أو تضخيمها بناء على الأشكال المختلفة للمنظمات السياسية ، الإقتصادية ، الإجتماعية ، العسكرية والقضائية في أفريقيا .
(5) تعريف صورة أفريقيا الحديثة المتوافق مع ماضيها وإعدادها لمستقبلها .
(6) حالما يتم قبول الرؤى التي رفضت حتى اليوم بواسطة العلم المعترف به ، فإن تاريخ الإنسانية سوف يصبح واضحا ويمكن عندها كتابة تاريخ أفريقيا ، غير أنّ أيّ محاولة في هذا المجال تتبنى التسوية وتبدو كما لو أنها تشق الإختلاف أو الحقيقة بالنصف ، سوف تدير مخاطرة لا تنتج شيئا سوى التنفير . إن الكفاح المخلص الذي يدمر وحده العدوانية الثقافية ويظهر الحقيقة أيّا كانت ، هو الكفاح الثوري الذي ينسجم مع التقدم الحقيقي . هو الطريق الوحيد الذي ينفتح على العالم . إن البيانات المحبة للإنسانية لم تدعو لذلك ولم تضف شيئا للتقدم الحقيقي .
بالمثل فإنه ليس أمرا جوهريا النظر إلى الزنوج تحت مجهر مكبر مثل إمرء يفحص الماضي . إن الشعب العظيم ليس لديه ما يفعله مع تاريخ حقير ولا مع الأفكار العرقية الجغرافية التي بحاجة للإصلاح . إن الأمر يمكن أن يكتسب أهمية قليلة من أنّ بعض الأفراد السود الأذكياء ربما يكونوا موجودين في مكان أخر .إن العامل الجوهري يتمثل في إعادة إقتفاء أثر تاريخ كامل الأمة ، أما المقابل فهو التفكير بالإعتماد أو غير الإعتماد على عمّا إذا كان المرء معروفا أم لا في أوروبا . إن المجهود قد أفسد ، بناء على قاعدة وجود شخص معقد جدا يأمل في محو ذلك . لماذا لا يدرس تثاقف الرجل الأبيض في البيئة السـوداء ، في مصر القديمة مثلا ؟
(7) كم مرة حدث أن بقي كل الأدب الزنجي الحديث ثانويا ، بمعنى أنه وبحسب علمي لا يوجد مؤلف أو فنان أفريقي زنجي قد طرح سؤالا يتعلق بمسألة مصير الإنسان ، الموضوع الرئيسي للأدب الإنساني .
(8) في (الوحدة الثقافية لأفريقيا الزنجية) حاولنا تحديد الصفات العامة للحضارة الأفريقية الزنجية .
(9) في الجزء الثاني من (الأمم الزنجية) أثبتنا أنّ اللغات الأفريقية يمكن أن تعبر عن الفكر الفلسفي والعلمي (الرياضيات ، الفيزياء وغيرها ) وأنّ الثقافة الأفريقية سوف لن تؤخذ بمحمل الجد إلى أن يصبح تدريسها أمرا واقعا . إن أحداث السنين القليلة الماضية أثبتت أن (اليونسكو) قد قبلت تلك الأفكار .
(10) إنني مسرور من أن أحد الأفكار المقترحة في مؤلف (أفريقيا الزنجية ما قبل الإستعمار) – المتعلق بالعلاقات الكولومبية السابقة بين أفريقيا وأمريكا – قد جرى تبنيه بواسطة باحث أمريكي . إنّ الإستاذ بجامعة أوكلاند ( هارولد ج. لاورينس ) يثبت بالفعل مع وفرة البراهين ، واقع تلك العلاقات التي جرى إفتراضها في عملي بشكل مجرد . إذا كان لمجمل هذه البراهين المثيرة للإعجاب أن تواجه إختبار التسلسل الزمني ، إذا كان بالإمكان إثباتها في التحليل النهائي من أن كل الحقائق التي أشير إليها كانت موجودة قبل فترة العبودية ، فإن بحثه سوف يساهم بشكل مؤكد بمادة رصينة في بناء صرح المعرفة التاريخية .
أود أن أختتم بحث الباحثين الأمريكيين الشباب ذوي النوايا الحسنة ، سودا وبيضا معا على تشكيل فرق جامعية وأن تنخرط هذه الفرق– مثل الأستاذ هارولد لاورينس – في مجهود لتأكيد الأفكار المختلفة التي تقدمت بها ، بدلا من قصر أنفسهم على التشكيك السلبي العقيم ، إذ سرعان ما سينبهرون بالنور الساطع لإكتشافاتهم المستقبلية . في الواقع فإن فهمنا للتاريخ الأفريقي كما هو معروض هنا ، قد نجح عمليا وأؤلئك الذين يكتبون اليوم التاريخ الأفريقي سواء برغبتهم أو بدونها ، يعتمدون عليه ، غير أنّ المساهمة الأمريكية لهذه المرحلة النهائية يمكن أن تكون حاسمة .

(شيخ أنتا ديوب – يوليو 1973)
الفصل (1)
من هم المصريون ؟
------------------
لم يحدث أن طرح مثل هذا التساؤل أبدا في سياق الأوصاف المعاصرة للمصريين القدماء . إن شهود تلك الفترة يؤكدون على أن المصريين كانوا سودا . في مناسبات عديدة أصر (هيرودتس) على الشخصية الزنجية للمصريين ، بل وأستخدم ذلك في إثباتات غير مباشرة . مثلا لإثبات أن فيضان النيل لا يمكن أن يكون ناتجا بسبب ذوبان الجليد فقد إستشهد من بين أسباب أخرى يعتبرها صحيحة بالملاحظة التالية : ( من المؤكد أن مواطني البلاد سودا بفعل الحرارة .. ) . لإثبات أن الإلهام الإغريقي مصري المنشأ فإن (هيرودتس) قدم حجة أخرى (أخيرا فإن بنعتهم اليمامة سوداء فإن الدودونيين - نسبة لدودونا المدينة اليونانية القديمة - قد أشاروا إلى أن المرأة كانت مصرية ). إن اليمامة ذات الصلة ترمز إلى إمرأتين مصريتين زعم أنه جرى إختطافهما من (طيبه) لإيجاد وسطاء للوحي لـدودونا وليبيا . لإظهار أن سكان (الكولخيس – قوم سكنوا شرق البحر الأسود) كانوا مصرييّ الأصل وإعتبارهم جزء من قوات (سيسوستريس) الذين إستقروا في ذلك الإقليم فإن (هيرودتس) قال بـ ( أن المصريين يعتقدون أن (الكولخيسين) ينحدرون من جيش (سيسوستريس) وهذا يتوافق مع حدسي بناء على الحقيقة التي مفادها أنهم كانوا سود البشرة ولهم شعر يشابه الصوف ). أخيرا فيما يخص سكان الهند فإن هيرودتس يميّز بين الباديين – قبيلة هندية - والهنود الأخرين ، واصفا أياهم على النحو التالي : ( إنهم كذلك لديهم نفس مسحة البشرة التي تقترب من بشرة الإثيوبيين) .
كتب (ديودوروس) الصقلي :
((يقول الأثيوبيون أن المصريين هم احد سكان مستعمراتهم الذين جلبهم أوزيرس إلى مصر ويدّعون كذلك أن هذا البلد (أي مصر) كان تحت الماء ، غير أن النيل وهو في إنسيابه من أثيوبيا كان يحمل معه الكثير من الطمي ، مما جعل تلك الرقعة تمتليء به وتصبح جزءا يابسا من القارة ويضيفون كذلك بأن المصريين قد أخذوا عنهم - مثلما قال بذلك مؤلفون وأسلاف – معظم قوانينهم ويضيفون بأن المصريين تعلموا كذلك منهم كيف يبجلون الملوك كالآلهة وكيف يدفنونهم بهذا البهاء ، كما أنهم أخترعوا النحت والكتابة . يستشهد الأثيوبيون بالدليل الذي مفاده أنهم أكثر عراقة من المصريين ، غير أنه من غير المفيد إيراد ذلك هنا )) . إذا لم يكن المصريون والأثيوبيون من ذات السلالة فإن (ديودورس) قد شدد على إستحالة إعتبار أن المصريين كانوا أحد سكان المستعمرات الإثيوبية (أي جزء صغير منهم) وإستحالة النظر إليهم كأجداد للمصريين . في موسوعته (الجغرافيا) أورد (سترابو) أهمية الهجرات في التاريخ ، معتقدا بأن هذه الهجرة المحددة قد بدأت من مصر إلى أثيوبيا ، موردا هذه الملاحظة : (إحتل المصريون إثيوبيا وكولخيس ) . مرة أخرى إنهم الإغريق الذين أخبرونا رغم شوفينيتهم بأنّ المصريين والإثيوبيين والكولخيسيين ينتسبون إلى ذات السلالة وبالتالي يؤكدون ما قاله (هيرودتس) عن الكولخيسيين . إن كل أراء الكتاب القدامى عن سلالة المصريين قد لخصه قاستون ماسبيرو( 1846 – 1916) بإسهاب أو إيجاز (بشهادة شبه إجماعية للمؤرخين القدامى فإنهم ينتسبون إلى السلالة الأفريقية - تقرأ زنجية ) الذين أستوطنوا أولا في إثيوبيا عند النيل الأوسط ، ثم أتبعوا مجرى النيل حتى وصلوا تدريجيا إلى البحر .علاوة على ذلك فإن الإنجيل ذكر أن مصريم بن حام أخ كوش الإثيوبي وأخ كنعان ، جاء من من بلاد ما بين النهرين للإستقرار مع أبنائهم على ضفاف النيل )) .
وفقا للإنجيل فإن مصر قد سكنتها ذرية حام الجد الأعلى للسـود (( إن أبناء حام هم كوش ، مصريم ، فوط وكنعان ، أما أبناء كوش فهم سبا ، حويله ، سبتا ، ريقما ، ساباتا .. كان كوش هو أب نمرود أول منتصر في الأرض .. أما مصريم فأصبح أبا لكل من : لوديم ، أناميم ، لابيم ، نيفثيم ، فيثروسيم ، شاسلويم ، أما كنعان فقد أصبح أبا لكل من – سيد - أول مولود وهيث )) . بالنسبة لشعوب الشرق الأقصى فإن مصريم إختار مصر ، كنعان إختار كامل ساحل فلسطين وفينيقيا ، أما سينار التي ربما كانت المكان الذي غادر منه نمرود إلى غربي آسيا فإنها ربما لا تزال تشير إلى مملكة النوبة . ما قيمة هذه الإفادات ؟ كونها جاءت من شهود فإنها من الصعب أن تكون مزيفة .ربما أخطأ (هيرودتس) حينما إستدل بشكل مسهب أو موجز عن أعراف شعب لتفسير ظاهرة مبهمة في أيامه ، لكن يجب على المرء أن يقدر أنه كان قادرا على الأقل على أن يميز لون بشرة سكان الدول التي زارها . بجانب ذلك فإن هيرودتس ليس مؤرخا ساذجا يسجل كل شيء من دون تحقق فهو يدرك كيف يزن الأشياء فهو حينما يروي رأيا لا يشاركه وإنما يراعي دائما ان يورد إختلافه معه . بالتالي وبالعودة إلى عادات الـ (سكيثيون) و (النور) فإنه كتب فيما يتعلق بالأخيرين (( يبدو أن هذه الشعوب سحرة حيث أن الأغريق والسكيثيون الذين سكنوا - سكيثيا - يقولون أن النوري ينقلب مرة في العام ليكون ذئبا لعدة أيام ثم يعود في النهاية إلى شكله الطبيعي بالنسبة ليّ فأنا لا أصدق ذلك لكنهم يؤكدونها بشكل دائم لتصبح حقيقة وهم مستعدون لدعم تأكيدهم بالقسم )) .
لقد ميّز (هيرودتس) دائما وبشكل يقظ بين ما رآه وبين ما أخبر به . بعد زيارته لـ (قصر التيه) كتب : ((هناك نوعين من الحجرات على إمتداد البلاد ، نصف أعلى الأرض ونصف فوق الأرض وتبنى الحجرة العليا فوق الحجرة السفلى . أما العدد الكلي لهذه للحجرات فهي ثلاثة آلاف ، الف خمسمائة من كل نوع . مررت عبر الحجرات العليا ورأيتها وما أقوله عنها هو من واقع ملاحظتي الخاصة : بالنسبة للحجرات التي تحت الأرض ، يمكنني أن أتحدث فقط من النقل ، حيث أن حراس المبنى لا يستطيعون الوصول إليها لرؤيتها لأنها تحتوي – كما يقولون – على أضرحة الملوك الذين بنوا (قصر التيه) وكذلك مقابر التماسيح المقدسة . بالتالي فإنه من السمع فقط أستطيع أن أتحدث عن الغرف السفلى . أما بالنسبة للغرف العليا فقد رأيتها بعينيّ ووجدتها تتفوق على كل الأعمال البشرية الأخرى )) .
هل كان (هيرودتس) مؤرخا مجردا من المنطق وغير قادر على التغلغل في الظاهرة المعقدة ؟ إن تفسيره لفيضانات النيل تكشف عن عقل متزن لإستدلالات علمية لظاهرة طبيعية : (( ربما بعد إنتقاد كل الأراء التي طرحت بشأن هذا الموضوع الغامض فإن على المرء أن يفترض نظرية ما تعود لأحد . عليه سأتقدم لشرح ما أعتقد أنه سبب علو النيل في أوقات الصيف . في فصل الشتاء تبتعد الشمس عن مسارها الطبيعي بواسطة العواصف وتنتقل إلى الأجزاء العليا من ليبيا . إن هذا هو السر الكامل في كلمات معدودة ممكنة ، لأنها تشير إلى السبب الذي يقترب فيه إله الشمس إلى أقرب موضع في البلاد والذي يمر بها بشكل أكثر مباشرة ، مما يتسبب في نقص المياه كما أن النهيرات التي تغذي الأنهار تتقلص في معظمها . للتفسير بشكل مسهب فإن الشمس في مرورها على الأجزاء العليا من ليبيا تؤثر عليها على النحو التالي . عندما يكون الهواء في تلك المناطق صاف بشكل دائم والبلاد دافئة في غياب الرياح الباردة فإن الشمس في عبورها تؤثر عليها مثلما لا تؤثر على أي مكان أخر في الصيف عندما تمر في وسط السماء مما يؤثر على المياه . بعد جذب المياه فإنها تدفعها مرة أخرى نحو المناطق العليا ، حيث تحتجزها الرياح وتشتتها وتنقصها بالتبخر ومن ثّم تمضي بشكل طبيعي لتجتاز تلك الرياح التي تهب من تلك الجهة – الجنوب والجنوب الغربي – وهي رياح معظمها ممطر ورأيي أن الشمس لا تتخلص من كل المياه التي جذبتها عام بعد عام من النيل ولكن تحتفظ ببعضها )) .
بلا شك فإن هذه الأمثلة الثلاثة تكشف أن (هيرودتس) لم يكن ناقلا سلبيا لقصص لا تصدق ، أي أنه لم يكن (كاذبا) . بالعكس لقد كان مدققا ، موضوعيا ، علميا إلى حد بعيد في عصره . لماذا يجب على المرء أن يطعن في هذا المؤرخ وجعله يبدو ساذجا ؟ لماذا يعاد تزييف التاريخ برغم من براهينه الواضحة ؟ بلا شك فإن السبب الأساسي لذلك هو أن (هيرودتس) بعد أن روى إفادات شهوده ، أخبرنا بأن المصريين كانوا سودا ، ثم أثبت بنزاهة نادرة (للإغريق) بأن اليونان قد أخذت كل عناصر حضارتها من مصر ، حتى عبادة الآلهة وأنّ مصر هي مهد الحضارة . علاوة على ذلك فإن الإكتشافات الأثرية كانت تبريء (هيرودتس) بإستمرار من إدعاءات الذين حطوا من قدره . لذا فقد كتبت (كريستيان ديروش- نوبلكور) عن الحفريات الحديثة في تانيس والتي تعرف أيضا بصان الحجر ( منطقة تقع عند مصب الفرع الشرقي لدلتا النيل ) : (( لقد رأى هيرودتس المباني الخارجية لهذه الأضرحة ووصفها - هذا هو قصر التيه الذي نوقش أعلاه )) . لقد أثبت (بيير مونتيه) مرة أخرى أنّ (أب التاريخ لا يكذب) . قد يكون هناك إعتراض على أنه حينما زار (هيرودتس) مصر في القرن الخامس قبل الميلاد فإن عمر حضارتها كان أكثر من 10.000 سنة وأن السلالة التي صنعت تلك الحضارة لم تكن بالضرورة تلك السلالة الزنجية التي وجدها هناك .
كما سنرى فإنه في مجمل تاريخ مصر فإن مزيجا من السكان الأوائل وعناصر بدوية بيضاء ، فاتحين وتجار ، أصبحوا ذوي أهمية مع إقتراب نهاية التاريخ المصري . وفقا لـ ( كورنيليوس دي باو ) فإن مصر في فترات ضعفها التاريخي ، تشبعت بالمستعمرات البيضاء الأجنبية ، العرب مع الأقباط ، الليبيين في الموقع الذي أصبح فيما بعد الأسكندرية ، اليهود حول مدينة هرقل (أفاريس) ، البابليون ( أو الفرس ) أسفل مفيس ، (طريدو طرواده) في منطقة محاجر الأحجار العظيمة شرق النيل ، (الكاريون) و(الأيونيون) عند فرع النيل الشرقي ، أما (بسماتيك) فقد توج غزوه السلمي في نهاية القرن السابع بتأمين دفاع مصر عن المرتزقة الأغاريق . ( لقد كانت غلطة عظيمة للفرعون بسماتيك بأن عهد بالدفاع عن مصر إلى قوات أجنبية وأقحم المستعمرات المختلفة المكونة من حثالة الأمم ) . في ظل سلالة سايتي الحاكمة الأخيرة إستوطن الأغاريق بشكل رسمي في ميناء (ناوكريتس) الميناء الوحيد الذي كان يخول فيه للأجانب الإشتغال بالتجارة . بعد هزيمة مصر أمام الأسكندر تحت حكم البطالسة إزدهر تمازج الأجناس بين الأغاريق البيض والمصريين السود بفضل سياسة الإستيعاب (( لم يحظى ديونيسيوس – إله الخمر عند الإغريق – في أي مكان بالعبادة بشكل موسع ومبهرج مثلما حظي به من قبل البطالسة الذين إعترفوا بعبادته كوسيلة فعالة لتعزيز إستيعاب الأغاريق الفاتحين وإندماجهم مع المصريين المحليين )) .
إنّ هذه الحقائق تثبت أنه إذا كان الشعب المصري أبيضا أصلا فيفترض أن يبقى كذلك . إن كان (هيرودتس) وجد مصر لا تزال سوداء بعد الكثير من تزاوج الأجناس فإنه من الضروري أن تكون سوداء في البداية . طالما أن الدليل المرتبط بالكتاب المقدس له إعتبار فإن هناك القليل من التفاصيل سلفا . لتحديد أهمية الدليل المرتبط بالكتاب المقدس فإن علينا أن ندرس نشأة الشعب اليهودي . إذن من هو الشعب اليهودي ؟ وكيف ولد ؟ وكيف أوجد الكتاب المقدس وكيف لعن أبناء حام الجدود الأعلى للزنوج والمصريين ؟ وما هو السبب التاريخي لهذه اللعنة ؟ أؤلئك الذين أصبحوا يهودا ودخلوا مصر وعددهم بالكاد (70) فردا ، الرعاة الخائفين النازحين من فلسطين بفعل المجاعة الذين جذبتهم جنة الأرض وادي النيل . مع أن المصريين لديهم إشمئزاز غريب من الحياة البدوية والرعاة ، إلا أنه جرى الترحيب بالقادمين الجدد بحرارة في البداية بفضل (يوسف) . وفقا للكتاب المقدس فإنهم إستقروا في أرض (جاسان) حيث أصبحوا رعاة لقطعان الفرعون . بعد وفاة (يوسف) والفرعون (المناصر) ومواجهة تكاثر اليهود ، بدأ عداء المصريين ينمو ، في ظروف لا تزال صعبة التحديد وأصبح حال اليهود صعبا أكثر فأكثر . إذا كان علينا أن نصدق الكتاب المقدس فإنهم قد وظفوا في أعمال البناء والخدمة كعمال في بناء مدينة (رمسيس) . لقد إتخذ المصريون خطوات للحد من عدد المواليد وأقصوا الذكور خشية أن تزداد الأقلية العرقية إلى خطر قومي يمكن أن يزيد من صفوف الأعداء وقت الحرب .
لذا فقد بدأ الإضطهاد الأولي الذي ميّز الشعب اليهودي على إمتداد تاريخه . منذ ذلك الوقت إنطوت الأقلية اليهودية على نفسها لتخضع لتباريح العذاب والإذلال .إن هذا الشقاء قد حض على إستيلاد وإنتشار العاطفة الدينية . كانت الظروف مواتية أكثر لأن هذه السلالة من الرعاة كانت بدون مهنة أو تنظيم إجتماعي ( الخلية الإجتماعية الوحيدة كانت العائلة الأبوية ) وليس لها سلاح سوى العصي ، لا يمكن أن يتخيل أن يصدر عنها رد فعل على التفوق الفني للشعب المصري .كان على (موسى) الذي ظهر كأول نبي يهودي أن يواجه هذه المعضلة والذي درس بدقة تاريخ الشعب اليهودي منذ نشأته وقدمه مسترجعا ذلك تحت رؤية دينية . بالتالي فقد جعل ذلك (إبراهيم) يقول أشياء كثيرة لم يكن الأخير ليستطيع التنبؤ بها ، مثلا الـ (400) سنة في مصر . لقد عاش (موسى) في عصر تل العمارنة حينما حاول أمنحوتب الرابع (إخناتون) حوالي عام 1400 ق.م إحياء التوحيد الأول والذي جرى تشويهه آنذاك بالتفاخر الكهنوتي وفساد الكهنة . لقد بدأ أن (أخناتون) حاول دعم المركزية السياسية في إمبراطوريته الضخمة المنتصرة حديثا من خلال المركزية الدينية فقد كانت الإمبراطورية في حاجة إلى دين شامل . ربما تأثر (موسى) بهذا الإصلاح . منذ ذلك الوقت فصاعدا دافع عن التوحيد بين اليهود. لقد كان التوحيد بكل تجريديته في الفكرة موجودا في مصر التي إقتبسته من سودان مروي ، أثيوبيا العصر القديم (( مع أن الإله الأعلى نظر إليه بنقاء الرؤى التوحيدية كونه الموجد الأوحد في السماء وفي الأرض الذي لم يولد ، الإله الحي الوحيد في الحقيقة ، إلا أن آمون الذي يدل أسمه على الغموض ، العبادة ، وجد نفسه يوما مستبعدا ومدركا من قبل الشمس – را – أو متحولا إلى أوزيريس أو حورس )) .

مع التسليم بالجو غير الآمن الذي وجد الشعب اليهودي نفسه في مصر ، إلا أن الرب الذي بشرهم بغد موثوق منحهم دعما معنويا لا عوض عنه . بعد بعض التحفظ في البداية فإن هذا الشعب الذي بدأ أنه لا علم له مسبقا بالتوحيد – بعكس الرأي الذي يعضدهم من أنهم مبتدعي التوحيد – قد نقل رغما عن ذلك إلى درجة لافتة من التطور . مستعينا بالعقيدة قاد (موسى) الشعب العبري إلى خارج مصر ومع ذلك فإن اليهود سرعان ما ملوا هذه الديانة وعادوا تدريجيا إلى التوحيد – عجل هارون الذهبي في سفح جبل سيناء. بدخولهم مصر كـ (70) راعيا في (12) عائلة أبوية ، بدوا من غير مهنة أو ثقافة ، بقي الشعب اليهودي (600) سنة هناك فأصبحوا 600.000 من الأشداء ، بعد أن إكتسبوا منها كل عناصر أعراقها المستقبلية بما في ذلك التوحيد . إذا إضطهد المصريون اليهود كما يقول التوراة وإذا كان المصريون زنوجا أي أبناء حام كما يقول التوراة ، فإننا لم نعد نتجاهل الأسباب التاريخية للعنة التي حلت على حام – بالرغم من أسطورة سكر(نوح) . لقد دخلت اللعنة في الأدب اليهودي متأخرة بشكل ملحوظ عن فترة الإضطهاد . بناء على ذلك فإن (موسى) نسب الكلمات التالية إلى الرب السرمدي في (العهد القديم) والتي وجهها إلى (إبراهيم) في الحلم : (( أعلم يقينا أن ذريتك سيكونون غرباء في أرض ليست أرضهم وسوف يخضعون للعبودية ويضطهدون لأربعمائة عام )) . لقد وصلنا هنا إلى الخلفية التاريخية عن اللعنة التي حلت على حام . إنها ليست صدفة أن كانت هذه اللعنة على أب مصريم ، بوط ، كوش وكنعان وليس على كنعان وحده الذي سكن في أرض تمناها اليهود على إمتداد تاريخهم .

متى ظهر هذا الإسم حام (شام – كام) ؟ وأين عثر عليه (موسى) ؟ أكيد في مصر حيث ولد وترعرع وعاش حتى الخروج . في الواقع أننا نعرف أن المصريين أطلقوا على بلادهم إسم (كيميت) التي تعني الأسود في لغتهم . إن التفسير يعني أن المشار إليه هي التربة السوداء لمصر أكثر من الأنسان الأسود وبالتوسع السلالة السوداء لبلاد السود وهو ناجم من تشويه من عقول مدركة التفسير الصحيح للكلمة وما تشير إليه . من ثمّ فإنه من الطبيعي أن نجد كلمة (كام) تعني في العبرية حرارة ، أسود ، محروق . هكذا فإن كل التناقضات الظاهرة تختفي ، فيما يظهر منطق الحقائق على كامل صورته . إن سكان مصر الذين يرمز إليهم بلونهم الأسود ، كيميت أو حام في التوراة ، سوف يتهموا في أدب الشعب الذي إضطهدهم . إننا نستطيع أن نفهم بأن هذه اللعنة التوراتية على ذرية (حام) لها منشأ مختلف تماما عن ذلك الذي قدم اليوم بدون أدنى أساس تاريخي . ما لا نستطيع فهمه هو كيف أصبح من الممكن جعل العرق الأبيض أسودا : حامي ، أسود ، أبنوسي ، الخ .. (حتى في اللغة المصرية) . وفقا لمتطلبات السبب فإن حام قد لعن ، سوّدت بشرته ، وأصبح الجد الأعلى للزنوج . إن ذلك يحدث كلما أشار أحد إلى العلاقات الإجتماعية المباشرة .

على الجانب الأخر فإن الأسود يبيّض حينما يسعى أحدهم إلى البحث عن منشأ الحضارة ، لأنه سكن أول بلد متحضر في العالم . لذا فقد جرى تصوير فكرة الحاميين الشرقيين والغربيين التي ليست سوى إبتداع مزعج لحرمان السود من أفضلية معنوية في الحضارة المصرية وفي الحضارات الأفريقية الأخرى كما سنرى . الشكل (2) يمكننا من ملاحظة الطبيعة المنحرفة لتلك النظريات . إنه من غير الممكن ربط الفكرة العامة عن الحاميين - مثلما نعمل لنفهمها في الكتب المدرسية الرسمية – مع أدنى واقع تاريخي ، جغرافي ، لغوي أو عرقي . ليس هناك متخصص قادر على تحديد مكان ميلاد الحاميين ( أتحدث بشكل علمي ) ، اللغة التي يتحدثون بها ، طريق الهجرة الذي سلكوه ، البلاد التي إستقروا فيها ، أو شكل الحضارة التي خلفوها . في المقابل فإن كل الخبراء قد إتفقوا على أن هذا المصطلح ليس له محتوى جاد ومع ذلك فإنه لم يتوانى أحد منهم في إستخدامه كمفتاح رئيسي لتفسير أدنى دليل للحضارة في أفريقيا السوداء .




















الفصل الثاني
ميلاد الأسـطورة الزنجيـة

حينما زار (هيرودتس) مصر كانت مصر قد فقدت مسبقا إستقلالها قبل قرن من الزمان فمنذ هزيمتها أمام الفرس عام 525 ق.م ظلت مصر وبشكل دائم تحت هيمنة الأجنبي فبعد الفرس جاء المقدونيون بقيادة الأسكندر الأكبر عام 333 ق.م ، الرومان بقيادة يوليوس قيصر عام 50 ق.م ، العرب في القرن السابع الميلادي ، الأتراك في القرن السادس عشر ، الفرنسيون بقيادة نابوليون ، ثم الإنجليز في نهاية القرن التاسع عشر . مع تدميرها جراء تلك الغزوات المتتالية فإن مصر التي كانت مهد الحضارة لـ (10.000) عام ، بينما كان باقي العالم منغمسا في البربرية ، لم تعد تلعب دورا سياسيا . بالرغم من ذلك فإنها إستمرت في تلقين شعوب البحر الأبيض المتوسط الناشئة من بين أغريق ورومان وسط أخرين دروسا نحو إستنارة حضارية . على إمتداد التاريخ بقيت مصر الأرض التقليدية التي ذهبت إليها شعوب البحر المتوسط في رحلة طويلة من أجل الإغتراف من ينبوع المعرفة العلمية ، الدينية ، الأخلاقية ، والإجتماعية وهي المعرفة الأكثر عراقة التي إكتسبتها البشرية . لذا فإن كل ما يحيط بالبحر الأبيض المتوسط من حضارات جديدة قامت الواحدة تلو الأخرى ، قد إستفادت الكثير من مزايا البحر المتوسط ، كونه مفترق طرق حقيقي لأفضل موقع في العالم . لقد تطورت هذه الحضارات الجديدة بشكل رئيسي نحو التطور المادي والفني . كمنشأ لذلك التطور فإنه يجب علينا أن نستشهد بالعبقرية المادية للهنود الأوربيين ، الأغاريق والرومان .
إن النشاط الوثني الذي صّور لنا الحضارة الإغريقية الرومانية قد تلاشي حوالي القرن الرابع . في المقابل هناك عاملين جديديين تدخلا عنوة في الإقليم القديم لأوروبا الغربية : المسيحية والغزوات البربرية واللذان أعطيا ميلادا لحضارة جديدة تظهر اليوم أعراض إعيائها . بفضل التواصل المستمر بين الشعوب فإن هذه الحضارة الأخيرة التي ورثت كل التقدم الفني للإنسانية إستعدت تماما بحلول القرن الخامس عشر للإندفاع لإكتشاف وفتح العالم وهكذا في بواكير القرن الخامس عشر هبط البرتغاليون في أفريقيا عبر الأطلنطي ، حيث أسست أول علاقات حديثة مع أوروبا لم تنقطع بعد ذلك . ماذا وجدوا آنذاك في أفريقيا ؟ أيّ شعوب قابلوا ؟ هل كانوا منذ القدم أم أنهم هاجروا أخيرا ؟ ما هو مستوى ثقافتهم ، درجة تنظيمهم الإجتماعي والسياسي ؟ ما هو الإنطباع الذي أخذه البرتغاليون عن تلك المجموعات السكانية ؟ ما هي الفكرة التي أخذوها عن إستعدادهم الفكري وقدرتهم الفنية ؟ أي نوع من العلاقات الإجتماعية كان قائما بين أوروبا وأفريقيا منذ ذلك الوقت فصاعدا ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة المختلفة سوف يفسر بشكل كلي الأسطورة الحالية للزنوج البدائيين .
للإجابة على هذه التساؤلات من الضروري العودة إلى مصر في ذلك الوقت حينما كانت واقعة فيه تحت قبضة الأجنبي . ربما مضى توزيع السود في القارة الأفريقية على مرحلتين رئيسيتين . لقد أتفق بشكل عام على أنّه بحلول عام 7000 قبل الميلاد كانت الصحراء قد أصبحت قاحلة وربما كانت أفريقيا الإستوائية لا تزال كثيفة الغابات بحيث لا تجذب الناس إليها . بناء عليه فإن أخر السود الذين عاشوا في الصجراء ، غادروها الآن مهاجرين نحو أعالي النيل مع إستثناء محتمل لمجموعات معزولة قليلة صغيرة بقيت في باقي القارة ، الذين إما هاجروا إلى الجنوب أو إتجهوا نحو الشمال . ربما وجدت المجموعة الأولى سكانا سودا محليين في منطقة أعالي النيل . أيّا كانت الحالة فإنها ناشئة من التكيف التدريجي مع الظروف الحياتية الجديدة التي خصت بها الطبيعة هؤلاء السكان السود المتنوعين بحيث برزت منها أقدم ظاهرة للحضارة . لقد تطورت هذه الحضارة التي سميت مصرية في عصرنا بفترة طويلة في عصرها الأول ثم تنزلت ببطء إلى وادي النيل لتنتشر بعدها حول حوض البحر الأبيض المتوسط . ربما إستمرت هذه الدورة من الحضارة التي تعتبر الأطول في التاريخ 10.000 سنة . إن ذلك حل وسط معقول بين التسلسل الزمني الطويل (بناء على البيانات المقدمة من الكهنة المصريين ، هيرودتس ومانيثو الذين وضعوا التاريخ 17.000 قبل الميلاد) والتسلسل الزمني الصغير للمحدثين الذين إضطروا للإقرار بالتاريخ 4245 قبل الميلاد وهو التاريخ الذي كان المصريون قد إبتدعوا فيه سلفا التقويم (الذي يقتضي بالضرورة رحلة من آلاف السنين) .
خلال تلك الفترة الطويلة كان من الواضح أنّ السود قد توغلوا عميقا وعميقا في داخل القارة ليشكلوا نواة سوف تصبح مراكزا للحضارة القارية التي جرى تحليلها في الفصل الثامن . إنّ هذه الحضارات الأفريقية سوف تنفصل عن باقي العالم فهي تميل إلى العيش منعزلة نظرا لبعدها الشاسع عن طرق الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط . حينما فقدت مصر إستقلالها إنتهت عزلتهم . منذ ذاك الوقت وبإنفصالهم عن الوطن الأم وإنزوائهم في محيط جغرافي يقتضي قليل جهد من التكيف ، إتجه السود نحو تطوير تنظيماتهم الإجتماعية ، السياسية والأخلاقية ، أكثر من التوجه نحو البحث العلمي التفكري الذي تعجز ظروفهم عن تبريره ، بل تجعله حتى غير ممكنا . إنّ التكيف مع وادي النيل الضيق الخصيب إقتضى تقنية تخصصية في الري والسدود وحسابات دقيقة للتنبؤ بفيضانات النيل وإستنتاج نتائجها الإقتصادية والإجتماعية . كذلك فإن الأمر يتتطلب إبتداع الهندسة لتحديد الملكية بعد محو خطوط الحدود بواسطة الفيضان . بذات الدلالة فإن المنطقة في القطاعات السهلة الضيقة الطويلة تتطلب تحويل المعزقة الزنجية إلى محراث والتي كان يجرها في البدء الرجال ثم الحيوانات . مع أن ذلك كان ضروري للوجود المادي للزنوج في وادي النيل ، إلا أنه أصبح كذلك غير ضروري بالتساوي في الظروف الحياتية الجديدة في الداخل .
حيث أنّ التاريخ أحدث إنقطاعا في توازنهم السابق مع البيئة ، فإن السود وجدوا الآن توازنا ، يختلف عن التوازن الأول في غياب التقنية التي لم تعد حيوية بالنسبة لتنظيماتهم الإجتماعية والسياسية والأخلاقية . بوجود الموارد الإقتصادية التي لا تتطلب إختراعات دائمة ، فإن الزنوج أصبحوا غير مبالين بالتقدم المادي . في ظل هذه الظروف الجديدة جرت المواجهة مع أوروبا . في القرن الخامس عشر وحينما بدأ البرتغاليون ، الهولنديون ، الإنكليز ، الفرنسيون ، الدنماركيون ، البراندنبورغيون الأوائل في إنشاء مراكز تجارية لهم على ساحل غرب أفريقيا ، كانت التنظيمات السياسية للدول الأفريقية متساوية وفي الغالب متفوقة على دولها . أما الملكيات فقد كانت دستورية بمجلس شعب جرى فيه تمثيل الطبقات الإجتماعية المختلفة . خلاف الأسطورة القائلة بأن ملك السود كان طاغية بسلطة لا حدود لها . في بعض المواضع كان الشعب يبايع الملك مع رئيس للوزراء كوسيط يمثل الرجال الأحرار . كانت مهمته خدمة الشعب بحكمة وكانت سلطته تعتمد على الدستور المؤسس (مع مقارنة الفصل الثامن) . لقد كان النظام الإجتماعي والأخلاقي على ذات المستوى من المثالية . على الجانب الأخر وبالنسبة لكل الأسباب التي أستشهد بها أعلاه فإن التقدم التقني كان أقل تشديدا عليه مما هو في أوروبا . مع أن الزنوج كانوا أول من إكتشف الحديد فإنهم لم يصنعوا أي مدفع . إن سر البارود كان معروفا فقط للكهنة المصريين الذين إستخدموه فقط لأغراضهم الدينية عند الطقوس مثل أسرار أوزيريس (مقارنة) .
عليه فإن أفريقيا لم تكن محصنة تماما من وجهة النظر الفنية . لقد أصبحت أفريقيا مغرية وفريسة للغرب المزود بالأسلحة النارية والبحرية بعيدة المدى . لذا فإن التقدم الإقتصادي لعصر النهضة الأوروبي حث على قهر أفريقيا التي أكملت إنجازها بسرعة والتي إجتازت مرحلة المراكز التجارية الساحلية إلى مرحلة الإلحاق بالإتفاقيات الدولية الغربية وأعقب ذلك القهر العسكري الذي سمي (مسالمة) . في بداية هذه الفترة كانت أمريكا قد أكتشفت بواسطة (كريستوفر كولمبوس) . لقد إقتضى تطوير الجزر العذراء عمالة رخيصة وأصبحت أفريقيا بعد ذلك إحتياطيا جاهزا تستجلب منها القوى العاملة بأقل تكلفة ومخاطرة . لقد إعتبرت التجارة الحديثة للرقيق الأسود ضرورة إقتصادية قبل ظهور الآلة وقد إستمر ذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر . إن هذا الإنقلاب في الأدوار الناجم عن العلاقات الفنية الجديدة قد جلب معه علاقة العبد والسيد بين البيض والسود على المستوى الإجتماعي . خلال العصور الوسطى فإن ذاكرة مصر الزنجية التي عملت على تحضر العالم ، غشتها الضبابية بفعل تجاهل التراث الأثري المخبأ في المكتبات أو المدفون تحت الحطام . لقد أصبح محجوبا بشكل أكبر خلال تلك الأربعة قرون من العبودية . إن الأوربيين المتخمين بتفوقهم الفني الحديث لم يتفضلوا بالنظر إلى العالم الأسود إلا من خلال ثرواته . إن تجاهل التاريخ القديم للسود ، إختلاف الأعراف والتقاليد ، الإضطهاد العرقي بين السلالتين جعلهم يواجهون بعضهم البعض للمرة الأولى مع الحاجة الإقتصادية للإستغلال – لذا فالكثير من العوامل قد جعلت العقل الأوروبي ميالا لتشويه الشخصية الأخلاقية للإنسان الأسود ومقدرته الفكرية . منذ ذلك الوقت أصبحت كلمة (زنجي) مرادفة للإنسان البدائي لتتحول إلى (الأقل قدرا) وذو العقلية الجاهلة . حيث أن الإنسان تواق دائما لتبرير مسلكه فقد مضوا في ذلك إلى الأبعد . إن الرغبة في شرعنة الإستعمار وتجارة الرقيق – أو بمعنى أخر الحالة الإجتماعية للزنوج في العالم الحديث – قد أنتجت أدبا كاملا يصف ما سمي بالسمات الدونية للسود .بالتالي فإن عقول الأجيال المتعددة من الأوربيين سوف تلقن تدريجيا بوجهة النظر الغربية التي سوف تتبلور وتقبل بشكل غريزي مثل حقيقة مكتشفة : الزنوج = بشرية دونية .
لتتويج هذا التعبير الساخر فإن الإستعمار قد صّور على أنه يسدي واجبا للإنسانية . إنهم (يستدعون) مهمة التحضر المحملة بالمسئولية لرفع الأفريقي إلى مستوى الأخرين (المعروف لدينا بعبّ الرجل الأبيض) . منذ ذلك الوقت شرعت الرأسمالية بشكل واضح في تطبيق أكثر مظاهر الإستغلال وحشية تحت ستار ذرائع أخلاقية . على الأقل فإنهم يدركون بأن الزنجي له مواهب فنية مرتبطة بحساسيته كحيوان دوني . إن هذا هو رأي ( فرينشمان جوزيف دو غوبنيو) رائد الفلسفة النازية الذي أورد في كتابه ( في عدم تساوي الأعراق البشرية) أن الحس الفني لا ينفصل عن الدم الزنجي ، غير أنه يختزل الفن إلى ظاهرة دونية للطبيعة البشرية وربط حس الإيقاع بالإستعداد العاطفي للسود . إن هذا المناخ من العزلة قد أثر عميقا على شخصية الزنجي خاصة الزنجي المتعلم الذي كانت لديه الفرصة لكي يكون واعيا بالرأي العالمي وبشعبه . إنه يحدث غالبا أن يفقد المفكر الزنجي إمكانياته الخاصة وإمكانيات عرقه – بالرغم من شرعية الدليل المقدم في هذا الكتاب - للحد الذي سوف يكون من المدهش أن يكون بعض منّا لا يزال غير قادر على التصديق على أن السود لعبوا فعلا دورا حضاريا مبكرا في العالم . في الغالب فإن السود ذوي الإدراك العالي يظلون أسرى لهذه العزلة ، ذلك أنهم يسعون بكل حسن نية لتصنيف هذه الأفكار النازية في ثنائية مزعومة من الحساسية ، الزنجي العاطفي ، مبدع الفن والرجل الأبيض خاصة ذلك الموهوب بالعقلانية . لذا فقد عبر شاعر أفريقي زنجي عن نفسه بحسن نية في بيت شعر رائع : (العاطفة زنجية والفكر إغريقي) .
رويدا رويدا ظهر الأدب الزنجي (المعاصر) صبياني المقصد ، ظريفا ، منفعلا ، مشوبا بالتذمر . لقد قدّر الغربيون بشكل كبير قدرا كبيرا من الإبداعات الزنجية الحالية ، مما شكّل مرآة يستطيع الغربيون أن ينظروا إليها بفخر ، بينما إنغمسوا في عاطفية أبوية وهم يتأملون فيما يعتقدوا فيه تفوقهم . إن رد الفعل سوف يكون مختلفا إذا كان نفس القضاة قد ووجهوا بعمل زنجي مؤلف بشكل مثالي يتخلى عن ذلك النمط وأختلف مع أي إنعكاسات للخضوع ، إضافة إلى التعقيدات الدونية بإفتراض وجود مكان طبيعي على مستوى من المساواة . إن عمل كهذا سوف يخاطر بلا شك بإظهار التباهي والإغاظة على الأقل لبعض الناس . إن ذاكرة العبودية الحديثة التي خضعت إليها سلالة السود وظلت باقية حية في عقول الرجال ، غالبا ما تعكس وعي الإنسان الأسود بشكل سلبي . من تلك العبودية الحديثة أجريت محاولة لبناء أسطورة – رغم كل الحقائق التاريخية - مفادها أن الإنسان الأسود قد تنزل إلى العبودية بواسطة السلالة البيضاء المتفوقة التي عاش معها ، أينما كان ذلك . إن ذلك يمكّن السلالة البيضاء من أن تبرر بسهولة تواجد الزنوج في مصر أو في بلاد ما بين النهرين أو الجزيرة العربية وتقرر بأنهم قد أستعبدوا . مع أن هذا التأكيد لا يسوى شيئا سوى أنه تعصب في الرأي لتزوير التاريخ – أؤلئك الذين قدموا هذا التأكيد مدركون تماما بأنه خاطيء – فإنه وبالرغم من ذلك فإنه يساهم في عزلة السـود . لذا فإن شاعرا زنجيا كبيرا أخر ، بل ربما الأعظم في عصرنا وهو (إيميه سيزير) كتب قصيدة بعنوان ( منذ آكاد ، منذ عيلام ، منذ سومر ) :
يا سيد الطرق الثلاثة ..
أمامك رجل سار طويلا ..
يا سيد الطرق الثلاثة ..
أمامك رجل سار على يديه ..
سار على قدميه .. سار على بطنه ..
سار على مؤخرته ..
منذ عيلام .. منذ آكاد .. منذ سومر
وفي مكان أخر كتب :
أؤلئك الذين لم يخترعوا البارود ولا البوصلة ..
أؤلئك الذين لم يرّوضوا البخار ولا الكهرباء ..
أؤلئك الذين لم يستكشفوا البحار ولا السماء ..
على إمتداد هذه التحولات في العلاقات الزنجية مع بقية العالم فإنه من الصعوبة بشكل متزايد لأؤلئك الذين لا يدركون مجدهم الماضي وللسود أنفسهم ، الإيمان بأنهم أنشاوا أولى الحضارات التي أزدهرت في الأرض ، حضارة تدين الإنسانية إليها بكثير من تقدمها . من ثمّ ومع أن البراهين قد تكدست عاليا أمام ناظريهم فإن الخبراء سوف لن يروها إلا بطرف العين ويفسرونها بأنها مزورة وسوف يقيمون نظريات إكثر إستبعادا ، لأن أي إستبعاد يبدو لهم أكثر منطقية من أكثر الوثائق التاريخية صدقا التي تشهد بالدور الحضاري الباكر للسود .
قبل دراسة التناقضات الحديثة التي تجد لها رواجا في العصر الحديث والناشئة من محاولات إثبات أن المصريين كانوا بيضا مهما كان الثمن ، دعونا نورد دهشة الباحث حسن النية كونت قسطنطين دو فولني (1757 – 1820) فبعد أن تشبع بكل التحيزات التي ذكرناها سابقا فيما يتعلق بالزنوج ، ذهب (فولني) إلى مصر ما بين 1783 – 1785 حينما كانت عبودية الزنوج مزدهرة وقد أورد مايلي عن السلالة المصرية ، السلالة التي أنجبت فرعون أي الأقباط : (( كلهم لديهم وجوه وعيون منتفخة ، أنف مفلطحة ، شفاه غليظة ، بمعنى أنه وجه خلاسي . كنت ميالا لأعزي ذلك إلى المناخ ، غير أنني حينما زرت أبو الهول فإن شكله أعطاني المفتاح للغز . عند رؤية ذلك الرأس فإن فيه كل ملامح الإنسان الزنجي النموذجي ، عندها تذكرت الفقرة اللافتة حيث يقول هيرودتس – بالنسبة لي فإني أحكم بأن الكوشيين هي مستعمرة للمصريين لأنهم مثلهم ذو بشرة سوداء وشعر أصوف – بمعنى أخر فإن المصريين القدماء كانوا سودا حقا من ذات النوع مثل الأفارقة المولودين محليا . بذلك فإننا يمكن أن نرى كيف إمتزجت دماؤهم لقرون عديدة مع دماء الرومان والأغاريق والذي كان عليه أن يفقدوا لونهم الأصلي ، غير أنهم إحتفظوا رغما عن ذلك بمسحة من شكلهم الأصلي . يمكننا أن نذكر كمبدأ عام أن الوجه نمط من الآثار يمكن أن يبرهن أو يسلط الضوء في كثير من الحالات على دليل تاريخي عن نشأة الشعوب )) .
بعد شرح هذا المقترح بالإستشهاد بحالة النورمانديين الذين لا يزالون يشبهون الدنماركيين بعد 900 سنة من إخضاع النورماندي . يضيف (فولني) :
((بالعودة إلى مصر فإن الدرس الذي علّمته مصر التاريخ هو الكثير من التأملات المتعلقة بالفلسفة . ما أجدر بالتأمل رؤية البربرية الحالية وتجاهل الأقباط ، الآتين من أصلاب التحالف بين العبقرية العميقة للمصريين والعقلية الذكية للأغاريق . فقط فكر بأن هذه السلالة من السود هم اليوم عبيدنا ومادة إزدرائنا وهي السلالة التي ندين لها بفنوننا ، علومنا وحتى إستخدامنا للحديث . أخيرا تصور فقط أنه في وسط الشعوب التي تسمي نفسها أعظم أصدقاء للحرية والإنسانية قد أكد على أكثر العبودية بربرية ويتساءل عما إذا كان السود لهم نفس نوع الذكاء الذي للبيض)) .



الفصل الثالث

التزوير الحديث للتاريخ


إنّ مشكلة التزوير الأكثر ضخامة في تاريخ الإنسانية بواسطة المؤرخين المعاصرين لم تطرح بشكل أفضل مما طرحه (فولني) . لم يكن لأحد أكثر قدرة منه على رد العدل إلى الجنس الأسود وذلك بالإعتراف بدور ذلك الجنس كدليل رائد للجنس البشري على طريق الحضارة . كان على إستنتاجاته أن تستبعد التلفيقات المتتالية لعرق فرعوني أبيض إفتراضي ، زعم أنه نقل الحضارة المصرية من آسيا عند مطلع الحقبة التاريخية . في الواقع فإن هذه الفرضية صعبة الإستمالة مع واقع أبو الهول الذي هو صورة لفرعون له رأس إنسان أسود . إن الشكل متاح للجميع لرؤيته فمن الصعب إهماله كحجة شاذة أو إحالته إلى مستودعات المتاحف لإبعاده عن التأمل المحفوف بالمخاطر لأؤلئك الذين هم عرضة لقبول دليل واقعي .

بعد (فولني) جاء رحالة أخر هو (دوميني دي رينزي) في أوائل القرن التاسع عشر ليصل إلى إستنتاجات مماثلة بعض الشيء تتعلق بالمصريين (( إنه صحيح إلى الوراء في الماضي البعيد فإن الهنود الحمر داكني اللون والسلالة المصرية هيمنوا ثقافيا على السلالات الصفراء والسوداء وحتى عرقنا الأبيض الذي سكن بعد ذلك آسيا الغربية . في ذلك العصر كانت سلالتنا متوحشة نوعا وموسّمة بالوشم كما صّور ذلك على مدفن (سيسوستريس 1) في وادي بيبان الملوك في – طيبه - مدينة الآلهة )) . بقدر ما أنّ الجنس الأحمر الداكن مثيرا للإهتمام ، فسوف نرى ببساطة أنه مجموعة فرعية من الجنس الأسود مثلما ظهر في آثار تلك الفترة . في الواقع فإنه ليس هناك جنس أحمر داكن . إن ما يسمى بالأعراق الوسيطة ربما تكون نتاج للتهجين . يظهر الشكل (28) أنه ليس هناك علاقة للون الأحمر الداكن بالمصريين ، بل لون البشرة الطبيعي للزنوج ، فإذا تحدث (رينزي) عن العرق الأحمر الداكن بدلا من العرق الأسود فذلك لأنه لم يستطيع التخلص من تحيزات عصره . على أي حال فإن ملاحظاته عن حال العرق الأبيض ثم التوحش والوشم ، بينما الجنس (الأحمر الداكن) متحضر سلفا ، يجب أن تمنع أي محاولة لتفسير منشأ الحضارة المصرية بأنها عائدة للبيض . لقد توسع (شامبليون) للحديث بمهانة عن الحالة المتأخرة للبيض في الوقت الذي كان فيه عمرالحضارة المصرية عدة الأف من السنين .

في عام 1799 بدأ (نابوليون) حملته في مصر . بفضل (حجر رشيد) جرى فك شفرة اللغة الهيروغلوفية بواسطة شامبليون الأصغر عام 1822 الذي توفي عام 1832 وترك لشقيقه (شامبليون – فيجاك) مذكرته الوصفية وهي عبارة عن قواعد مصرية وسلسلة من الرسائل ، رسائل كتبت أثناء زيارته لمصر في الفترة ما بين (1828 – 1829) .
نشرت هذه الرسائل في عام 1833 بواسطة (شامبليون – فيجاك) . منذ ذاك أخترق جدار الهيروغليفية ، مما كشف عن ثراء مدهش في تفاصيلها . لقد دهش علماء الآثار بإعجاب لمهابة وإتقان الماضي الذي إكتشفوه . لقد أدركوا تدريجيا أنها الحضارة الأكثر عراقة التي أنجبت كل الحضارات الأخرى ، لكن بفعل الإمبريالية أيّا كانت فقد أصبح قبول النظرية التي تقول بزنجية مصر – الواضح حتى الآن - مرفوض بشكل متزايد . بالتالي فإن مولد علم الآثار المصرية تميز بالحاجة إلى تدمير ذاكرة مصر الزنجية في كل الأذهان وبأي ثمن . لذا فإن الصفة المشتركة لكل أطروحات علماء الآثار المصرية وعلاقتها الوثيقة وتماثلها العميق ، يمكن أن توصف بمحاولة يائسة لدحض ذلك الرأي ، فيما يشدّد كل علماء الآثار تقريبا على زيفه كمادة منهجية . عادة فإن محاولات الدحض هذه تأخذ الشكل التالي :

عدم القدرة على إكتشاف أي تناقض في الروايات الرسمية للقدماء بعد مواجهة موضوعية مع كامل الواقع المصري وبناء على عدم القدرة على نقضها فإنهم إما أن يلزموا الصمت تجاهها أو يرفضونها بشكل قاطع ومهين . إنهم يعبرون عن أسفهم من أن قدماء المصريين إرتكبوا خطأ فادحا مما نتج عنه الكثير من المصاعب والمشاكل الحساسة بالنسبة للمتخصصين المعاصرين ، ثم حاولوا بلا جدوى إيجاد منشأ أبيض للحضارة المصرية وأخيرا سقطوا في تناقضاتهم ، متراوحين في مصاعب المشكلة بعد أن صنعوا حيلا فكرية لا مبرر لها ، ثم ما لبثوا أن كرروا المبدأ القديم الذي يقضي بأنهم أثبتوا لكل الشعوب الموقرة المنشأ الأبيض للحضارة المصرية . إنها كامل مجموعة الأطروحات التي أفترض طرحها واحدا تلو الأخر . لأجل الموضوعية فإنني مجبر على دراسة كل وجهة نظر بشكل كامل ، بحيث يكون من العدل إشراك القاريء وتمكينه من أن يطلع بشكل مباشر على التناقضات أيّا كانت والحقائق التي يمكن أن أشير إليها .

دعونا نبدأ بأقدم واحدة من هذه الإطروحات ، تلك العائدة لشامبليون الأصغر والمبينة لأخية في الرسالة الثالثة عشر التي تتناول النقوش الصخرية البارزة على مدفن (سيسوستريس 1) الذي زاره أيضا (رينزي) . إنّ هذه النقوش الصخرية البارزة تعود إلى القرن السادس عشر (الأسرة الحاكمة الثامنة عشر) وتمثل سلالات الجنس البشري المعروف للمصريين . إنّ هذا الأثر هو أقدم حجة عرقية وافية ومتاحة . هنا ما قاله (شامبليون) :
(( على يمين وادي بيبان الملوك شعرنا بالإعجاب بالنضارة المدهشة للرسومات والنقوش الدقيقة على العديد من المدافن مثلنا مثل الزائرين السابقين . لدي نسخة من هذه الرسومات بها أشخاص مصورون على النقوش الصخرية البارزة . في البداية إعتقدت ومن خلال نسخ هذه الرسومات لتلك النقوش الصخرية والتي نشرت في بريطانيا ، أنّ هذه الشعوب ذات الأعراق المختلفة والتي قادها الإله (حورس) وهو ممسك بعصا الراعي ، هي بالتأكيد أمم خضعت لحكم الفراعنة . لقد عرفت من دراسة الأساطير أنّ هذا المشهد له معنى أكثر شمولية فهو يصّور وقت الساعة الثالثة من النهار ، حينما بدأت أشعة الشمس تتحول إلى أشعة حارقة ، ملقية بالدفء على البلاد المأهولة بالسكان في نصف كرتنا الأرضية . وفقا للأسطورة نفسها فإنهم رغبوا في تمثيل سكان مصر وسكان الجزر الأجنبية . لذا فإن أمام أعيننا صورة لسلالات مختلفة لجنس بشري معروف لدى المصريين ، بينما نعلم في ذات الوقت التقسيمات الجغرافية والعرقية الكبيرة التي تأسست خلال تلك الحقبة المبكرة .

إن الرجال الذين قادهم (حورس) راعي الشعوب ينتسبون إلى أربعة عائلات بارزة . الأول الأقرب للإله لونه أحمر داكن ، صاحب جسم متناسق ، وجه حنون ، أنف محدب قليلا ، شعر بجدائل طويلة ويلبس الأبيض . تسمي الأسطورة هذا النوع ( روت – إن – ني – روم ) ، سلالة الرجال التي تكافيء التفوق أي المصريين . ليس هناك شك في الهوية العرقية للرجل الذي يليه فهو ينتمي إلى العرق الأسود وقد أشير إليه بالمصطلح العام (نحاسي) ، أما الثالث فيظهر شكلا مختلفا تماما فلون بشرته يلامس اللون الأصفر أو الأسمر وله أنف محدودب بشدة وله لحية سوداء ذات مقدمة ويرتدي جلبابا قصيرا ذو ألوان متباينة وهرلاء يطلق عليهم (نامو) . أخير هناك الأخير والذي نطلق عليه أصحاب اللون الممتليء ببشرة بيضاء ، أنف مستقيمة أو مقوسة قليلا ، عيون زرقاء ، لحية شقراء أو محمّرة ، قوام طويل ونحيف تماما ، يرتدي جلود الثيران ذات الشعر ، له أوشام متعددة على جسده ويسمى (تامهو) . لقد سعيت بحثا عن مشهد مماثل في المدافن الملكية الأخرى وكمادة واقعية وجدتها في العديد من المدافن الأخرى . لقد أقنعتني الإختلافات التي لاحظتها بشكل تام أنهم حاولوا تمثيل سكان الأركان الأربعة للأرض وفقا للمنظومة المصرية : (1) سكان مصر والتي بذاتها تشكل جزء من العالم (2) سكان أفريقيا الأصليين أي السود (3) الأسيويون (4) أخيرا الأوربيين (وأنا أخجل أن أقول ذلك لأن عرقنا في السلسلة هو الأخير والأكثر وحشية ) الذين كانوا في تلك الحقب البعيدة لا يستطيعون قطع تمثال رقيق في العالم آنذاك . في هذه الفئة يجب أن نضّمن كل الشعوب الشقراء وذوي البشرة البيضاء ، ليس في أوروبا فحسب بل في آسيا كذلك التي إنطلقوا منها.

إن هذه الطريقة من رؤية المشهد هي الأكثر دقة لأن ذات الأسماء العامة تعاود الظهور في المدافن الأخرى وعادة بنفس الترتيب . لقد وجدنا أن المصريين والأفارقة جرى تمثيلهم بنفس الطريقة ، غير أن النامو (الأسيويين) والتامهو (الأوربيين) ظهروا في أشكال مختلفة بشكل كبير . بدلا من العرب واليهود الذين أرتدوا زيا بسيطا وظهروا على مدفن واحد فإن الأسيويين الذين جرى تمثيلهم في المدافن الأخرى (مثل مدافن رمسيس الثاني ، الخ .. ) هم ثلاثة أفراد ظهروا ببشرة سمراء ، أنف محدودبة ، عيون سود ، لحية كثة ويرتدون لبسا فخما نادرا . من جانب فهم آشوريون بشكل جلي فأزياؤهم حتى التفاصيل الدقيقة تطابق تلك التي ترتديها الشخصيات البارزة التي نقشت على الأسطوانات الآشورية ومن جانب أخر فهم (ميديون) أو السكان الأوائل لجزء ما من فارس . إن ملامحهم وقسماتهم ولباسهم يماثل تلك التي وجدت في الآثار التي يطلق عليها (بيرسيبوليتان) . بهذا فإن آسيا جرى تمثيلها بشكل غير متميز عبر أي فرد كان من ساكنيها والشيء ذاته صحيح بالنسبة لأسلافنا الأوائل الخيرين (التامهو) فلباسهم المزين يختلف أحيانا فرؤوسهم قليلة أو غزيرة الشعر وموشحة بأدوات زينة مختلفة ، كما أن لباسهم الوحشي يتفاوت نوعا في الشكل ، غير أن بشرتهم البيضاء وعيونهم ولحيهم تحتفظ منفردة بميزة العرق . إن لديّ هذه السلسة الجغرافية العرقية الغريبة منسوخة ومصّورة ولم أكن أتوقع بالتأكيد عند وصولي (بيبان الملوك) أن أعثر على منحوتات تخدم كنقوش صغيرة بالنسبة للأوربيين البدائيين إذا كان لأحد الشجاعة لمحاولة ذلك . بالرغم من ذلك فإن هناك إطراء ومواساة نوعا في معرفة ذلك لأنه يجعلنا نقدر التقدم الذي تحقق لاحقا )) .

لسبب وجيه فقد أعدت تقديم هذا الملخص مثلما نشره (شامبليون – فيجاك) ، بالأحرى أخذته من (الطبعة الحديثة) للرسائل التي نشرت بواسطة إبن شامبليون الأصغر (شيرونيه – شامبليون) . الرسائل الأصلية موجهة لـ (شامبليون – فيجاك) وبالتالي فإن هذه الطبعة أكثر صحة . ما هي أهمية هذا المستند بالنسبة للمعلومات المتعلقة بالسلالة المصرية ؟ فهي بقدمها تشكل جزء هاما من الدليل الذي يفترض أن يجعل كل ما هو بالحدس غير ضروري . منذ تلك الحقبة القديمة جدا أي منذ الأسرة الحاكمة الثامنة عشر (بين إبراهيم وموسى) جرى تمثيل المصريين بشكل معتاد بطريقة لا يمكن أن تشوش عليها السلالات البيضاء والصفراء الأوربية والأسيوية والمجموعتان اللتان تنتميان إلى ذات عرقهم وهما سود الوادي المتحضرين والسود الآتين من مناطق معينة في الداخل . إن ترتيب السلالات الأربعة الذي أعد بشكل منتظم على ضوء العلاقة بالإله (حورس) تكشف عن طبيعة التسلسل الهرمي الإجتماعي . بما أن (شامبليون) أقر بذلك في النهاية ، إلا أن ذلك ألقى جانبا أي فكرة عن تصوير تقليدي يمكن أن يضع الغشاوة على مستويين بارزين ويضع (حورس) في نفس المستوى مثل الشخصيات البارزة ، بينما يجب أن يكون حقيقة في مقدمتهم جميعا .

إنه لأمر نمطي أن يجري تصوير المصريين بلون يعرف رسميا بـ (الأحمر الداكن). لقد جرى الحديث علميا على أنه لا توجد حقيقة سلالة بلون أحمر داكن . لقد إطلق المصطلح لخلق إرباك ، إذ ليس هناك رجل أسود بالمعنى الدقيق للكلمة . إن لون الزنجي يلامس في الواقع اللون الأسمر ، لكن من غير الممكن أن يطبق مصطلح وصفي دقيق عليه ، لأنه يتفاوت من إقليم إلى إقليم . لذا فقد لوحظ أنّ السود في المناطق التي بها حجر جيري أفتح لونا من أؤلئك الذين في أي مكان أخر . لذا فإنه من الصعب جدا حصر لون الزنجي في الرسم ، مما يجعل المرء يستقر على المقاربات . إنّ لون الرجلين القريبين للإله (حورس) هو تعبير عن تدرج في اللون لزنجيين . إذا أراد أحد من الــ (ولوف) أن يصّور أفرادا من الـ (بامبارا) ، (موسي) ، (يوروبا) ، (توكولور) ، (فانق) ، (مانقبيتو) ، فإنه سيحتاج إلى ألوان أكثر من تلك التي على الزنجيين في النقوش الصخرية البارزة . هل سيكون هؤلاء غير زنوجا الآن ؟ إن ذلك يوضح أن كيفية إختلاف الألوان بين الرجلين الأوليين على النقوش الصخرية البارزة يجب أن تفسر . على النقوش المصرية البارزة من غير الممكن العثور على رسم واحد يصّور المصريين في لون مختلف عن تلك الشعوب الزنجية مثل البامبارا ، أقني ، يوروبا ، موسي ، فانق ، باتوستي ، توكولور ، ..


إذا كان المصريون بيضا فإن كل الشعوب الزنجية السالف ذكرها والكثيرون الأخرون في أفريقيا هم بيض كذلك وبالتالي قد وصلنا إلى الإستنتاج المناف للعقل وهو أن السود بيض في الأساس . على هذه النقوش الصخرية البارزة المتعددة نرى أن كل أنواع السلالة البيضاء في ظل الأسرة الحاكمة الثامنة عشر ، قد وضعوا خلف السود ، على وجه التحديد (الحيوان الأشقر) لـ (غوبينيو) والنازي المتوحش ذو الوشم والذي يرتدي جلد حيوان وبدلا من أن يكون في مقدمة كل الحضارات ، فإنه ظل محجوبا عنها بشكل جوهري وشغل المرتبة الأخيرة للإنسانية . لقد كان إستنتاج (شامبليون) نموذجيا فبعد أن ذكر أن مثل هذه المنحوتات يمكن أن تخدم كنقوش صغيرة بالنسبة لتاريخ السكان الأوائل لأوروبا ، أضاف (إن كان لدى أي شخص الشجاعة لمحاولة ذلك) . أخيرا وبعد هذه التعليقات قدم رأيه عن السلالة المصرية :

(( لقد جاءت القبائل الأولى الي سكنت مصر أي وادي النيل بين شلال (أسوان) والبحر من (الحبشه) إلى (سينار) . ينتسب قدماء المصريون إلى سلالة تشبه تماما سلالة الكنوز والبرابرة والذين هم الآن سكان (بلاد النوبة) . في أقباط مصر لم نعثر على أي ملامح مميزة لسكان مصر القدماء . إن الأقباط هم نتاج للتهجين مع الأمم الأخرى التي هيمنت بنجاح على مصر . إنه من الخطأ البحث عن ملامح للسلالة القديمة )) . لقد رأينا هنا المحاولات الأولى لربط المصريين بسلالة مختلفة عن سلالة الأقباط ، مثلما أكدت ذلك ملاحظات (فولني) . إن المنشأ الجديد الذي إعتقد (شامبليون الأصغر) أنه إكتشفه ، ليس خيارا مبهجا فقد ظلت المعضلة على الوجهين هي ذاتها . إن الهرب من منشأ زنجي سيؤدي إلى منشأ أخر وبشكل متساوي وهو الزنوج (نوبيين واثيوبيين) . كحقيقة فإن المميزات الزنجية للسلالة الأثيوبية أو الحبشية قد جرى تأكيده بشكل كاف بواسطة (هيرودتس) وليست هناك حاجة لإعادة فتح الموضوع . إن النوبيين هم الأسلاف المقبولين لمعظم الأفارقة السود ، للدرجة التي تكون فيها كلمتي (نوبي) و (زنجي) مترادفتان . أما الأثيوبيون والأقباط فهما مجموعتان زنجيتان إمتزجتا لاحقا مع عناصر بيضاء مختلفة في أقاليم متعددة . أما زنوج الدلتا فقد تهاجنوا تدريجيا مع بيض البحر الأبيض المتوسط الذين كانوا يتسللون بشكل دائم إلى مصر . لقد شكل ذلك الفرع القبطي المؤلف في غالبه من الأفراد الأقوياء الذين سكنوا إقليما مستنقعيا إلى حد ما . أما عن الأساس الإثيوبي الزنجي فقد جرى تطعيمه بعنصر أبيض يتألف من مهاجرين من غربي آسيا والذين سوف ندرسهم قريبا . لقد أنتج هذا المزيج في منطقة سهلية نموذجا أكثر رياضية من حيث البنية . بالرغم من هذا الهجين المستمر والقديم جدا فإن الملامح الزنجية للسلالة المصرية الأولى لم تختف بعد ، فلون بشرتهم لا يزال أسودا بشكل جلي ومختلف تماما عن تلك السلالة الممزوجة بـ (50%) من الدم الأبيض . في معظم الحالات فإن اللون لا يختلف عن ذلك العائد للأفارقة السود الأخرين . عليه يمكننا أن نفهم لماذا يحمل الأقباط وخاصة الإثيوبيين ملامح تختلف قليلا عن تلك التي للسود الخالين من أي أمتزاج مع سلالات بيضاء . إنه يحدث أحيانا أن تكون شعورهم أقل تجعدا . مع أنهم ظلوا بارزين بشكل أساسي ، إلا أنه بذل جهدا على تقديمهم على أنهم بيضا مزيفين ، إستنادا على ملامحهم الدقيقة نوعا . إنهم بيض مزيفون حينما يكونوا معاصرينا وحينما يمنعنا واقعهم العرقي من إعتبارهم بيضا حقيقيين ، غير أن هياكل أسلافهم التي وجدت في المدافن تظهرهم بيضا بالكامل وفقا لمقاييس الأنثربولوجيا . بفضل ما سمي بمقاييس الأنثربولوجيا فإننا سوف نرى أنه لم يعد بالإمكان تمييز هيكل الإثيوبي الذي هو زنجي عن هيكل الألماني .على ضوء الفجوة التي تفصل هاتين السلالتين فإننا ندرك كم هذه المقاييس مربكة وغير ضرورية . إن رأي (شامبليون) عن السلالة المصرية قد سجله في سيرة أعدها لباشا مصر سلّمها له في عام 1829 .

الآن دعونا نرى عما إذا كان بحث أخ (شامبليون الأصغر) أب علم الآثار المصرية قد سلط أي ضوء على الموضوع أم لا . هنا كيفية تقديمه للموضوع :
(( إن الرأي القائل بأن السكان القدماء لمصر ينتسبون إلى العرق الأفريقي الزنجي هو خطأ تم قبوله طويلا على أنه الحقيقة . منذ عصر النهضة فإن الرحالة في الشرق الذين كانوا قادرين بالكاد على التقييم الكامل للأفكار المقدمة من الآثار المصرية في هذه المسألة الهامة ، ساعدوا على نشر هذه الفكرة الزائفة فيما نجح الجغرافيون في إعادة إنتاجها حتى في أيامنا . إن هناك جهة أعلنت أنها منحازة لهذه الرؤية وروّجت للخطأ . لقد كان ذلك تأثير ما أحتفى به (فولني) في مؤلفاته المنشورة عن ملاحظاته عن السلالات المختلفة للبشر في مصر . في كتابه (رحلة) الموجود في كل المكتبات ، أورد أن الأقباط ينحدرون من سلالة المصريين القدماء ، ذلك أن الأقباط لهم وجه وأعين منتفخة ، أنف فطساء ، شفاه غليظة مثل الخلاسي وأنهم يشبهون أبو الهول الذي في الإهرامات ذو الرأس الزنجي بشكل مميز وتوصل إلى أنّ المصريين هم زنوج حقيقيون من نفس النوع الذي ينتمي إليه كل الأفارقة المحليون . لدعم هذا الرأي فإنه إستدعي رأي (هيرودتس) المتعلق بـ (الكوليخسيين) ، ذاكرا أن المصريين لهم بشرة سوداء وشعر أصوف ، غير أن هاتين الصفتين الجسدتين لا تكفي لتمييز العرق الزنجي ، كما أن إستنتاج (فولني) بالنسبة للمنشأ الزنجي للحضارة المصرية ، مقحم بشكل واضح وغير مقبول )) .

بعد التعبير عن آسفه بشكل غير مباشر عن وجود كتاب (فولني) في كل المكتبات ، يتقدم شامبليون- فيجاك بما يراه حجة حاسمة لدحض فرضية ذلك الباحث وكل أسلافه من أنّ البشرة السوداء والشعر الأصوف (لا يكفيان لتمييز الجنس العرقي) . إنه يمكن على حساب هذه التغييرات في التعريفات الأساسية أن تكون السلالة المصرية بيضاء . عجبا ! إنه لم يعد هناك ما يكفي لأن تكون أسودا من الرأس إلى القدم وأن يكون لديك شعرا أصوفا لكي تكون زنجيا ! يمكن للمرء أن يتخيل نفسه في عالم حيث القوانين الطبيعية إنقلبت رأسا على عقب . على أي حال فإن المرء يجد نفسه متنحيا بعيدا عن العقل الديكارتي التحليلي . مهما يكن فإن هذه هي تعريفات وتبديلات المعلومات الأولية التي أصبحت أركان الأساس التي إرتكز عليها علم الآثار المصرية .

إن ظهور علم الآثار المصرية من خلال تفسير المعرفة العلمية قد تميز بالتزويرات المتعمدة وغير المتقنة التي أشرنا إليها أخيرا . إن ذلك هو السبب الذي جعل علماء الآثار المصرية يتجنبون بشكل حذر مناقشة أصل السلالة المصرية . للتعامل مع هذه المسألة اليوم فإننا نجد أنفسنا مجبرين على الكشف عن نصوص قديمة لمؤلفين كانوا مشهورين ذات مرة ثم أصبحوا مجهولين لاحقا . إن تغييرات (شامبليون) تظهر كيف يكون من الصعب إثبات نقيض الواقع فيما لا يزال غامضا . حيثما نتوقع دحضا موضوعيا ومنطقيا ، فإننا نواجه الكلمة النموذجية (مرفوض) والتي هي بالكاد كلمة مترادفة مع إثبات . يواصل (شامبليون – فيجاك) في موضوعه قائلا :

((لقد أدرك اليوم أن سكان أفريقيا ينتمون إلى ثلاثة سلالات مختلفة عن بعضها بشكل تام
(1) زنوج حقيقيون ويسكنون وسط وغرب أفريقيا (2) كافرز ويعيشون على الساحل الشرقي ، لهم زاوية أقل إنفراجا في الوجه من السود ، أنفهم مرتفعة ، غير أن شفاههم غليظة وشعرهم أصوف . (3) المور الذين يشابهون في القوام والملامح والشعر أمم أوروبا وغربي آسيا وتختلف فقط في لون البشرة الذي أكتسب السمرة بفعل المناخ . إن قجماء المصريين ينتمون إلى هذه السلالة الأخيرة أي السلالة البيضاء . لكي نقتنع بذلك فإننا في حاجة فقط لكي نفحص الأشكال البشرية التي تمثل المصريين على الآثار وفوق كذلك عدد كبير من المومياءت التي فتحت . بإستثناء لون البشرة التي إسوّدت بفعل المناخ الحار فإنهم نفس الرجال الذين في أوروبا وغربي آسيا . إن الشعر المجعد الأصوف هو الصفة الحقيقية للسلالة الزنجية ، بينما للمصريين شعر طويل يماثل ذلك الذي للسلالة البيضاء في الغرب )) .

دعنا نحلل إفادات (شامبليون – فيجاك) نقطة تلو نقطة . إن كلمة (كافر) لا تشكل سلالة – بعكس رأيه – فالكلمة أصلها عربي وتعني (وثني) وهي المقابل لمسلم . حينما دخل العرب أفريقيا عبر زنزبار فإن هذه الكلمة أطلقت على أؤلئك السكان الذين وجدوهم يمارسون ديانة غير ديانتهم . أما بالنسبة للمور فإنهم ينحدرون من الغزاة الإسلاميين السابقين الذين بدأوا حملتهم من اليمن ، قهروا مصر ، شمال أفريقيا وأسبانيا فيما بين القرنين السابع عشر والخامس عشر ومن إسبانيا عادوا مرة أخرى إلى أفريقيا . بالتالي فإن المور هم بالأساس عرب مسلمون حيث أن وجودهم في أفريقيا حديث تماما .
إن هناك العديد من المخطوطات التي تحتفظ بها عائلات المور الرئيسية في موريتانيا اليوم ، مخطوطات تظهر بدقة تسلسل أنسابهم منذ أن غادروا اليمن كإثبات على أصلهم . عليه فإن المور هم فرع من أؤلئك الذين يطلق عليهم (ساميون) وما سيقال عن الساميين لاحقا في هذا الكتاب سوف يبدد أي إحتمال لإمكانية أن يكونوا صنّاع الحضارة المصرية ، كما أن المور مثل البرابرة لهم عداء مع النحت ، بينما ألحقت الثقافة المصرية أهمية عظيمة بهذا المظهر الفني . في نفس الفصل سوف يتم التشديد على التمازج العرقي أكثر من التشديد على المناخ واللون الذي يفترض أن ينسبوا له . علاوة على ذلك وعلى ضوء المومياءات أو الأحياء فإنه لا توجد إمكانية للمقارنة بين لون بشرة المور - حتى وإن تلونت باللون الأسمر بفعل الشمس – والبشرة الزنجية السوداء للمصريين .

لإقناعنا بفكرته دعانا (شامبليون) إلى فحص الأشكال البشرية التي تمثل المصريين على الآثار . إن حقيقة الفن المصري بكامله يناقض ما ذهب إليه (شامبليون) . لقد أولى القليل من الإهتمام للملاحظات النموذجية لـ (فولني) عن أبو الهول ، مع أنه أشار إليها فقط . بناء على نفس هذه التوضيحات التي أشار إليها ، يمكننا القول وأنه عكس ما تحدث به (فيجاك) فإنه ومنذ مينا وحتى نهاية الأمبراطورية المصرية ومن عامة الشعب حتى فرعون ، مرورا بوجهاء البلاط وكبار المسئولين ، فإنه من غير الممكن أن تعثر سوى على زنوج من نفس نوع سكان أفريقيا المحليين . إن الصور التي في هذا الكتاب تقدم سلسلة من الآثار التي تمثل الطبقات الإجتماعية المختلفة للسكان المصريين بما في ذلك الفراعنة وتقودنا تلك الصور بشكل إضطراري إلى ملاحظة أن الفن المصري كان في الغالب أكثر زنجية من فن زنجي أصلي . عند فحص هذه الصور ومقارنتها واحدة بأخرى فإننا نتعجب كيف إستطاعت هذه الصور أن تستلهم فكرة السلالة المصرية البيضاء .

أخيرا وبعد أن ذكر أن البشرة السوداء والشعر الأصوف لا يكفيان لتمييز السلالة الزنجية ، عاد (شامبليون – فيجاك) ليناقض نفسه لاحقا في السطر (36) بأن كتب
(أنّ الشعر المجعد الأصوف هو الصفة الحقيقية للسلالة الزنجية) بل مضى إلى الأبعد حينما قال أن المصريين لهم شعور طويلة وبناء على ذلك فهم ينتسبون إلى العرق الأبيض . إنه يبدو من النص أن المصريين كانوا بيضا ببشرة سوداء وشعر طويل .
مع أننا قد لا نكون مدركين لوجود هؤلاء البيض ، فإننا نحاول أن نفهم كيف توصل المؤلف إلى هذا الإستنتاج . إن ما قيل عن أن الأثيوبيين والأقباط يظهر أنّ شعورهم ربما كانت أقل تجعيدا من تلك التي للزنوج . علاوة على ذلك فإن السلالة السوداء ، السوداء بالكامل ذات الشعر الطويل موجودة فهناك (الدارفيدي) وهم يعتبرون زنوجا في الهند وبيضا في أفريقيا . على الآثار جرى تصوير المصريين بتمشيطات شعر صناعية تماثل تلك التي تظهر في أي مكان في أفريقيا السوداء . إن علينا أن نرجع إلى هذه في تحليل (نارمير) . لقد إختتم المؤلف حديثه بوصف الشعر المصري بأنه مشابه لشعر البيض الغربيين . إننا لا نقبل هذه الملاحظة حتى إذا كان شعر المصريين أقل مشابهة للصوف من ذلك الذي للسود الأخرين ، فإن ذلك يستبعد أي مقارنة محتملة بين شعر السود الكثيف والأسود مع شعر الغربيين الرقيق والفاتح . إنه من المثير للفضول أن نقرأ عن مصريين طويلي الشعر ، حينما نعلم أن (هيرودتس) قد وصف شعرهم بأنه مشابه للصوف . علاوة على ذلك فإنه في فترة الأسرة الحاكمة الحادية عشر كان السود ، البيض وذوي البشرة الصفراء يعيشون في (طيبه) ، مثلما يعيش الأجانب اليوم في باريس .

حينما كان إنسان (طيبه) يرغب في الحصول على نعش مترف لموميائه ، كان يجّوف جذع الشجرة ويقطعها على شكل إنسان مع غطاء يمثل مقدمة الجثة . كان الوجه يخفى بلون أصفر ، أبيض أو أسود . بالنسبة لإختيار التلوين يظهر أنه في ظل الأسرة الحاكمة الحادية عشر في (طيبه) كان الرجال الصفر ، البيض والسود مقبولين كمواطنين ومعترف بهم في مدينة الموتى المصرية . إننا نتعجب إذا عن سبب بقاء المومياءات الطويلة الشعر فقط ، فيما لم تظهر أو تذكر المومياءات الزنجية التي إستشهد بها (فونتين) . ماذا جرى لها ؟ إنّ إفادات (هيرودتس) لا تدع مجالا للشك عن وجودها . هل أعتبرت أنواعا أجنبية لا صلة لها بتاريخ مصر ؟ هل دمرت أو خبئت في تعريشات المتاحف ؟ إن ذلك أمر محزن تماما . يواصل (شامبليون – فيجاك) حديثه قائلا : (( لقد بحث دكتور (لاري) هذه المسألة في مصر وفحص عدد كبير من المومياءات ودرس هياكلها وتعرف على الصفات الرئيسية وحاول تحديد هوياتها في السلالات المختلفة التي كانت تعيش في مصر ونجح في ذلك . لقد بدأ له أن الجميع قد إندمج في الإثيوبيين عدا الجنس الأسود . إنّ للأثيوبيين عيون واسعة ، نظرة عذبة ، .... ، عظام خد بارزة وتشكل الخدود مثلثا منتظما مع الزوايا البارزة لعظام الفك والفم ، الشفاه غليظة لكن من دون إرتداد كما عند السود ، الأسنان دقيقة لكنها ناتئة قليلا ، أخيرا البشرة بلون مشابه للون النحاس . إن مثل هؤلاء الإثيوبيين قد جرى رصدهم من قبل دكتور (لاري) وعرفوا عموما كبربر أو برابرة وهم اليوم سكان بلاد النوبة )) .

أضاف (شامبليون) بأن (فريدريك كيلايود) الذي شاهد البربر وصفهم بأنهم ( كادحين ، متعقلين ، ذو دعابة جافة .. شعورهم نصف مجعدة ، قصيرة ومجعدة ، أو مجدولة مثل قدماء المصريين ومدهونة قليلا ). مرة أخرى فإن هذا الوصف يدوي بما هو متعارف عليه ، فالشفاه الغليظة ، الأسنان الناتئة قليلا – بمصطلح أوضح بروز الفكين – الشعر شبه المجعد ، البشرة النحاسية ، هي صفات أساسية للعرق الزنجي . إنه لأمر مثير للإهتمام أن يتحدث (شامبليون – فيجاك ) عن بشرة الأثيوبيين كونها (نحاسية اللون فقط) ، مع أنه يشير في صفحتين لاحقتين في نفس الفصل إلى الكثير من الفوارق الدقيقة في لون الزنوج :

(( لقد أدخلت الحروب الطويلة مصر في إحتكاك مع الداخل الأفريقي وبالتالي يستطيع المرء التمييز بين الأنواع العديدة للسود على الآثار المصرية ، المختلفين فيما بينهم من حيث الملامح الرئيسية والتي أوردها الرحالة المعاصرون كإختلافات سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالبشرة التي تجعل الزنوج سودا أو نحاسيي اللون أو الملامح التي ليست أقل نموذجية)) . إن هذا التناقض الجديد من نفس القلم تؤكد ما ذهبنا إليه بشأن الرجلين الجالسين بالقرب من الإله حورس ، بالتحديد المصري والزنجي . هذين الرجلين ينتميان إلى نفس السلالة فالإختلاف الذي بينهما في اللون ليس أكبر من ذلك الذي بين (البامبارا) و (الولوف) اللذين كليهما زنجي . إن ما يسمى بـ (اللون الأحمر الداكن) للأول (اللون النحاسي المجرد) للأثيوبي و (اللون النحاسي) للزنجي هما لون واحد وذات الشيء . نلاحظ أن وصف المؤلف توانى عن التفاصيل الصغيرة مثل (نظرة عذبة) وهكذا دواليك. إن الإرتباك حول مصطلح (بربر) يجب الإشارة إليه فهي كلمة أستخدمت بشكل غير سليم لسكان وادي النيل الذين لا يجمعهم شيئ مع البربر والطوارق ، حيث لا بربر في مصر . في المقابل فإننا نعرف بأن شمال أفريقيا يطلق عليه دول البرابرة وهذه المنطقة هي الموطن الأصلي الوحيد للبرابرة . بناء على ذلك فإن المصطلح غير صحيح التطبيق على السكان الأخرين . إنّ جذور هذه الكلمة التي أستخدمت خلال العصر القديم ، ربما تكون زنجية المنشأ أكثر من كونها هندية - أوربية . في الواقع فإنه تكرار صوتي للجذر (بر) . إن هذا النوع من التكثيف في الجذر هو أمر شائع في اللغات الأفريقية خاصة المصرية .

علاوة على ذلك فإن كلمة (بر) تعني لدى (الولوف) التحدث بسرعة و(بربر) يراد بها الإشارة إلى شعب يتحدث بلغة غير مفهومة وبالتالي فإنهم شعب أجنبي . لدى (الولوف)

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3813

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة