المقالات
منوعات
شارع بيتنا - الحلقة الأولى
شارع بيتنا - الحلقة الأولى
04-09-2014 09:50 AM


1
شارع بيتنا،كما أذكره في منتصف خمسينات القرن لماضي، شارع ترابي، عريض نوعاً ما، ملىْ بالحفر والمطبات، كالعديد من شوارع الحي والمدينة في ذلك الزمان. يمتد لمسافةٍ أقل من خمسمائة متر، من الغرب إلى الشرق, يحده طريقان يمتدان من الجنوب إلى الشمال ينتهيان عند الطريق الإسفلتي الذي يقسم الحي إلى قسمين، شمال وجنوب.
هذا الشارع، و منذ قيام الحي في بداية العقد الرابع من القرن المنصرم،، شهد الكثير من الأحداث، والتطورات، والتحولات. في تخطيطه، في مظهره المعماري, في من سكن فيه ردحاً من الزمان، ثم رحل إلى شارع آخر، أو مدينة أخرى، في من جاء إليه لاحقاً، فاتخذ منه مسكناً ومصدر رزق. من ولد فيه, من مات, من تزوج. خليط من الأجناس، والأعراق، والسحنات، واللهجات, والثقافات. تداخلت وتمازجت، وتقاطعت دروب حياتهم في هذا الشارع. تشاركوا الأفراح والأتراح، ونمت بينهم صلات رحم وقربى، امتدت لأجيالٍ وأجيال0
تتوسط الشارع تماماً، شجرة لالوب ضخمة، هي المأوى والملاذ لأعدادٍ كبيرة من السمبر في موسم الخريف. تتشابك أغصانها تشابكاً يجعل ظلام الليل، أشد كثافة وسواداً مما هو في الواقع. ولتدور حولها حكايات أشبه بالأساطير، يتناقلها أهل الشارع، عن جنيات يظهرن تحتها أواخر الليل، متبرجات،متعطرات، يتثنين في غنجٍ ودلال، وما أن يقترب منهن من شدّه منظرهن، وفَتَنَهُ جمالهن، حتى يتحولن فجأة إلى وحوش دميمة الخلقة، تفوح من أجسادهن روائح نتنة.وللحكاية عدة روايات وإضافات تبعاً لمزاج الراوي.
أقاصيص وروايات مثل هذه عن الجن والشياطين، لم تثبت صحتها وواقعيتها بالدليل القاطع المقنع. ربما هي حكايات يراد بها إزجاء الوقت، أو تخويف الأطفال ليكفوا عن الحركة، والخلود إلى النوم. ولا يوجد إطلاقاً من يؤكد أنه رأي جنية أو عفريتاً في ذلك المكان، فأهل الشارع في العادة لا يخرجون من بيوتهم بعد مغيب الشمس، إلا لأمرٍ جلل0
2-
تقوم البيوت على جانبي الشارع، شماله وجنوبه، متداخلة متشابكة، دون تقاطعات، إلا من زقاق قصير ضيق في منتصف الجزء الجنوبي منه، يفضي إلى أرض فضاء، تُحيط بها من كل جانب أسوار البيوت المقامة من القصب والشوك، وأبواب الصفيح المتهالكة، بداخلها، قطية وراكوبة أو أكثر، حسب حجم الأسرة واحتياجاتها.
بعض بيوت الشارع مبنية من الطين، وهي قِلَّة. ومعظم البيوت على جانبي الشارع، مرتبطة بشبكة من (النّفّاجات) تُغني عن الخروج إلى الشارع في حال الانتقال من بيت لآخر0
أول بيت على يسارك، وأنت تدخل الشارع مستقبلاً جهة الشرق, يُعدّ أعلى درجة من بقية البيوت, إذ شيّد بكامله من الجالوص, يسكن فيه أحد أباطرة( القمار ) مع خليلته، والذي تميزه ضخامة جسم، وشارب كث، وعيون دائمة الاحمرار، وعكازة ضخمة مكسوة بجلد ذنب بقرة، وسكين )ضراع)، تربض على العضد الأيسر. وهم منعزلون تماماً، لا علاقة لهم بأحد من سكان الشارع بتاتا. أحياناً يُسْمَعُ في جوف الليل، أصواتَ صراخٍ، وشتائم، وسباب، وخبط، وتهشم زجاج، آتية من داخل ذلك البيت، فلا يهتم أحد من سكان الشارع بما يحدث, لعلمهم أن الأمر برمته نتاج جرعة زائدة من البنقو أوالخمر، ينشب بعدها العراك بين الرجل وخليلته بسبب وبدون سبب. حتى استيقظ الناس يوماً على نبأ جريمة قتلٍ، اهتز لها الشارع، والحي، والمدينة، بطلها (الامبراطور)، الذي فتك بصديقه الوحيد، بعد أن أوهمته خليلته أن الرجل يراودها عن نفسها.
أهل الشارع يؤكدون أن الأمر غير ذلك، وأن المرأة اللعوب كانت تستقبل رجالاً في غياب خليلها، وحين اكتشف صديقه الأمر، حاولت استمالته وغوايته، فأعرض عنها، وعزم على إخبار الامبراطور بحقيقة الأمر. الفاجرة سبقته. وكان ما كان، قُتِل الصديق، وسُجن الامبراطور، ورحلت هي إلى حيث لا يدري أحد.
من بعد، ظل البيت مهجوراً يخشاه الناس, حتى سكنته أسرة أثيوبية نازحة.
يلي هذا البيت مباشرة، فناء واسع، مسور بسور من الشوك والقصب، بداخله قطيتان متقابلتان، تسكن إحداهما ( شاميت البارياوية)، وهي امرأة طويلة، نحيلة، يميل لونها إلى السواد، قليلة الكلام. يقيم معها ابنها الوحيد، الذي لم يفلح في الدراسة، أو ربما لم يطرق بابها أصلاً، فألحقته أمه بورشة الخواجة ( اسطرولي )، ليتعلم شيئاً من الميكانيكا. ثم التحق بالجيش سائقاً، وتدرج في الرتب حتى وصل رتبة صول، قبل أن يحال إلى المعاش.
بجوار شاميت، سكنت أختها، ( سعيدة الداية)، التي لها نفس لون بشرة أختها, إلا أنها أقصر منها قليلاً, دائمة الابتسام, من أوائل الدايات بالمدينة، لها ابنتان لم ينالا حظاً من التعليم، فقبعتا في انتظار (ابن الحلال ). الغريب أن البنتين لا تشبهان بعضهما البعض. الكبيرة، قصيرة، مكتنزة الجسم، يميل لون بشرتها إلى البياض، ورثت ذلك عن أبيها، الذي يسكن وحيداً في الجانب الآخر من الشارع، بعد أن طلّق والدتها. الصغرى، طويلة، نحيفة، سوداء البشرة. ومع ذلك فهما تشتركان في ميلهما للمرح والعبث البريء.

3-
(خديجة) الممرضة، بدأت عملها فراشة بالمستشفى، تدرجت حتى نالت شهادة التمريض، ولبست الأبيض،( كما يقول أهل الشارع، بمعنى أنها أصبحت ممرضة لها وضعها الاجتماعي المميز). بيتها يجاور بيت (شاميت البارياوية) من جهة الشرق.
خديجة، عانس، في أواسط العقد الخامس من عمرها، تميل إلى الطول، مع امتلاء في الجسم، وبشرة مائلة للسواد. تعود أصولها كما تقول هي، إلى العبدلاب. تسكن معها أختها (خضرة)، وزوجها العاطل، الذي لا يفيق من سكره، إلا ليفتعل شجاراً مع زوجته، ويجبرها على تسليمه ما تخبئه من إيراد بيع الكسرة للمطاعم. بالرغم من ذلك، تراه خارجاً من البيت، وهو يشتُم، ويسب اليوم الذي قابلها فيه، وتزوجها. ويختم سبابه بجملته المعهودة، وهو يفتل شاربه:
- هيع.. أنا ود القبائل
ثم يمضي، ليبعثر حصيلة كد زوجته وتعبها وعرقها، سُكراً وعربدة0
وبما أن أهل الشارع يتعاملون مع بعضهم بصدق وعفوية، فإنهم، والحالة كذلك، لا يدققون كثيراً في تصرفات الآخرين، ويأخذون الأمور ببساطة متناهية،وحسن طوية، ولا يسألون كثيراً. وحين جاءت تلك المرأة من إحدى المدن البعيدة، وبصحبتها ابنتها الشابة، وحلتا ضيفتان على ( خديجة ) الممرضة، تقبّل أهل الشارع الأمر ببساطتهم المعهودة، وحملوا ما ذكرته (خديجة ) من قرابتها لهما، محمل صدق. لاحقاً، أكبروا في ( خديجة) مبادرتها و أريحيتها وسترها للأم وابنتها، عندما عرفوا أن المرأة وابنتها، هربتا من ذويهما خوفاً من الفضيحة، واختارتا هذه المدينة لتضع فيها الابنة حملها، وأن (خديجة ) وجدتهما مصادفة، وهما تبحثان عن مأوى، فاستضافتهما.
من بعد، أخذت (خديجة ) الجنين،كان بنتاً. وتعهدت برعايتها وتربيتها، وصار من المعتاد في كل عام، أن يرى أهل الشارع الأم وابنتها، يزوران ( خديجة )، ويطمئنان على الطفلة، و من ثم نشأت بينهما وبين أهل الشارع إلفة ومودة0

يلي بيت (خديجة)، بيتاً يكتنفه الغموض، مشيد من الجالوص،بأسوار عالية، تسكنه عجوز وحيدة, تميل إلى العزلة, صلتها بأهل الشارع واهية, لا تزور ولا تزار، إلا للضرورة، بحكم ما تمارسه من عملٍ يتطلب الكتمان، وعدم فتح الباب للزيارات والمداخلات. إلا أنها مع ذلك، تحتفظ بمساحة من الاحترام بينها وبين أهل الشارع.
من المصادفات الغريبة، أن بيتها كان آخر بيت في الشارع شرقاً، بعده زقاق صغير، وباب البيت عند الزاوية الملاصقة للزقاق. وهذا مما ساعد في تسهيل مهامها الخفية.
تخرج العجوز الغامضة، من بيتها في أوقات منتظمة، دون أن يدري أحد وجهتها. ودائماً بعد عودتها، وخلال ساعات القيلولة، حين يخلو الشارع من السابلة، تأتي امرأة ما, ملثمة, لا يبين منها إلا عيناها, تطرق باب العجوز ثم تدخل على عجل, وتترك الباب خلفها موارباً. قليلاً، ثم يأتي أحدهم فيدخل دون أن يطرق الباب.
بعد وقت، يطول أو يقصر، تطل العجوز برأسها من الباب, تستكشف الشارع من كل صوب, حين تطمئن لخلوه من المارة, تنسحب داخلاً دون أن تغلق الباب, فيخرج الرجل وبخطوة واحدة يدور يساراً، ويختفي داخل الزقاق. هنيهة، ثم تتبعه المرأة، متأنية، غير متعجلة، تقف عند الباب قليلاً، تتبادل بضع كلمات مع العجوز، ثم تمضي.
أهل الشارع لا يأبهون بما تمارسه العجوز, فهذا شأنها، طالما أنها لا تسبب لهم ضرراً، ولا تمس خصوصياتهم.

- هي وربَّها
كما كان يقول عم عبد الفضيل، الذي كان يشاهد ما يحدث، وهو يفتل حباله تحت اللالوبة, غير بعيد عن بيت العجوز، لا يأبه زوارها بوجوده, ولايهتم هو بما يفعلون.

يتبع


[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1061

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#968192 [شهيد مشروع الجزيرة]
0.00/5 (0 صوت)

04-09-2014 04:40 PM
يا الطيب جننتنا....................


#967883 [المغترب والمشترق كمان]
0.00/5 (0 صوت)

04-09-2014 12:11 PM
أنا الآن أقرع سني بكباية شاي مزبوط في صحة هذا السارد الكبير. أبارك لكم مقدمه يا أهل الأدب.


ردود على المغترب والمشترق كمان
European Union [كاتول] 04-09-2014 11:44 PM
,والله يا استاذ كان بتحبو كان بتتاتي.... لكن انا زي زي ناس كتار جدا بننتظر كتاباتك السهل الممتنع الممتع حد الثمالة..والله انا قلت لصاحبي انا اتوقع الاسم دا يعمل رنة وضجة في وقت قريب..امكن بس ما كان متاح لينا نقرا ليك حاجة لكن والله سير سير يا هههههههه ود النور

United States [الطيب] 04-09-2014 05:56 PM
شكرا على التواص واعتقد أنك اعطيتني حجما أكبر من حجمي الحقيقي. فأنا ما زلت أحبو في دهاليز الأدب


الطيب محمود النور
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة