01-29-2011 10:21 AM


شعب السودان أبو الانتفاضات الشعبية
تيسير حسن إدريس


لقد بات من المألوف أن نسمع يوميًّا عبر وسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية منها أخبارًا عن انتفاضة الشعب التونسي -التي نجلُّها ونباركها ونحترم من قاموا بها وأشعلوها ثورة في وجه الطاغية الدكتاتور الهارب بن علي- غير أن الأمر المحير الذي يدعو للعجب أن توصفَ تلك الهبَّة الشعبية من قبل معظم -إن لم يكن كل وسائل الإعلام العربية- بأنها أولُ انتفاضةٍ أو ثورة شعبية تُطيحُ بنظام دكتاتوري عربي، في مغالطةٍ تاريخيةٍ غريبةٍ ومؤسفةٍ، حينما تَتَّفِق على تكرارها جميع الوسائط الإعلامية العربية، وكأنَّ السودان يقع خارج محيط هذه المنظومة، ، وليس عضوا كامل العضوية في الجامعة العربية، مما يدفعنا للتَّساؤل الجاد عن جدوى العضوية في هذه المنظمة، التي لا يعترف جلُّ أعضائها بعضويتنا، ويقدحون في عروبة دولتنا، صحيح نحن في السودان نختلف عن شعوب تلك الدول في الخِلْقَة، والأخلاق، ولا تجمعنا معهم قواسم تذكر إلاَّ العقيدة، وهي رسالة الله للعالمين أجمع ولم يخص بها العرب.
وشعب السودان جل مكونه إفريقي، رغم وجود عنصر عربي أصيل ضمن مكوناته، وقد انضم لمحيط الدول العربية بقرار فوقي، من ساسة ذاك الزمان، بحكم الموقع الجغرافي، وتوازنات فرضتها المصالح الدولية والإقليمية، في تلكم الفترة، مما يجعل باب مراجعة هذا القرار مفتوحًا أمام شعب السودان، إذا ما تعارضت مصالحه الوطنية، أو استشعر نفورًا وعدم احترام من قبل مكونات ذلك المحيط، وإلى أن يتم البت في هذا الأمر فالسودان سيظل ينتمي لهذه المجموعة من الدول كأمر واقع، ويجب أن تتعامل معه تلك الدول وشعوبها على هذا الأساس، ومن هنا تأتي ضرورة وضع الأمور في نصابها والتصدي لمحاولة تشويه التاريخ المقصودة، التي تقوم بها وسائل الإعلام العربية، وذلك بتُوَضِّيح أن الشعب السوداني هو أول من ثار وانتفض ، وأزال نظامًا دكتاتوريًّا في المنطقة العربية فيما عرف (بثورة أكتوبر المجيدة) في 21 أكتوبر 1964م ضد النظام العسكري للفريق إبراهيم عبود؛ وما لبث وكرر نفس السيناريو بالانتفاضة الشعبية المباركة ضدَّ الطاغية الدكتاتور جعفر نميري، ونظامه المايوي البغيض في إبريل عام 1985م ، فيما عرف (بانتفاضة إبريل الشعبية)، ولا نجدُ عذرًا يبرر تجاهل المتنطعين اليوم على وسائل الإعلام العربية لهاتين الثورتين، ولا لحقيقة السبق السوداني لكافة دول المنطقة في هذا المضمار، إلاَّ لشيء في نفس يعقوب، لا يبعد كثيرا عن مرض العنصرية، والنظرة الشوفينية البغيضة، لذا أجد نفسي متحمِّسًا ومنحازًا لدعوة الداعين لضرورة إعادة النظر في شكل العلاقة مع هذه الدول، وخلق علاقات جديدة معها حسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية، والاحترام المتبادل، مع تحييد تام للعاطفة التي تحكم، وتحرك علاقتنا الحالية بها، ولكن يبدو في وضعنا الراهن صعوبة تحقيق هذه الدعوة، التي لن تجد استجابة، ولا أذنًا صاغية، في ظل نظام يتحكم في توجهاته من يخادعون النفس، ويَدَّعُونَ أنَّهم من نسل حمزة والعباس رضي الله عنهما.
كَمَا أَسْلَفْتُ فأمر تشويه الحقائق التاريخية التي تخصُّ السودان، وعدم احترام انجازات شعبه، نهجٌ عربيٌّ متبعٌ منذ زمان. ممَّا يدلُّ على روح الاستعلاء الأجوف الذي يتعاملون به معنا، مهما حاول البعض منا دفن رأسه في الرِّمال، متغاضيًا عن ذلك يظل السودان وأهله في نظر أغلب العرب بعيد كل البعد عن وجدانهم الجمعي، وهذا يتضح جليًّا في تداعي الدول الغنية منهم لحل قضايا دول بعينها، في حين يتمّ تجاهل أعقد المشاكل التي يمر بها السودان ، دون أن يكلف أحدٌ نفسه مشقة السؤال، ناهيك عن مَدِّ يَدَيْ المساعدة، وقضية انفصال الجنوب خير شاهد على ذلك، وضعف مساعداتهم المقدمة لأهلنا في دار فور شاهد آخر.
صحيحٌ أنَّ هذا التعاملَ ليس حصرًا علي السودان وحده؛ بل تعاني منه دول عربية أخرى مثل: الصومال وجيبوتي، فللعرب تصنيفات للشعوب، تتحكم فيه الأهواء الشخصية، يفضلون بعض الشعوب على الأخرى، وفق معايير القرون الوسطى: من لونٍ وشكْلٍ ومظْهَرٍ، كما أنَّ لهم بعض المرامي، والأغراض الخبيثة في علاقتهم بدول بعينها، لا تمت إلى مفهوم العروبة بصلة، عموما هذا شأن يخصهم ولا يعنينا، ونربأ بأنفسنا من الخوض في تفاصيله الفجَّة.
ما يهمنا في هذا الشأن أنَّ يفهم الأعراب أنَّ شعب السودان هو أبو الانتفاضات الشعبية كما أنه يمتاز بخصائص وخصال كريمة حباه الله بها، ولا تتوفر في كثيرٍ من الشعوب الأخرى، أهمها الذكاء فهو ليس ساذج ويعلم ما يدور حوله، وبات على قناعة من أن الدول العربية في حاجة ماسة اليوم لإمكاناته اللا محدودة من الأراضي الخصبة والمياه؛ لتأمين غذائها، أكثر من حاجته لها، لذا يجب أن تعيد حساباتها في تعاملها مع شعبه وفق هذه الحقيقة، وهذه الرسالة يجب أنَّ تصل واضحة للشعوب قبل الحكومات، عبر وسائل الإعلام السودانية، ويسهم في إيصالها النخب السياسية والثقافية، وفي مُقدِّمَتِهم كُتَّابُ الرأي والأَعْمدة الصحفية، الذي استغربُ -لحد العجب- برودة تعاملهم وتقاعسهم عن التصدي لقضية تمس تاريخنا، وإرث شعبنا النضالي والوطني، حيث لم أرصد مقالاً واحدًا يضع الأمور في نصابها، ويكشف لوسائل الإعلام العربية مدى خطلها؛ غير مقال الكاتب السوداني بجريدة (الشرق الأوسط السعودية) عثمان ميرغني، الذي جاء بعنوان (من البوعزيزي إلى القرشي)، وهذا يعتبر بكلِّ المقاييس إفراط وتفريط في حقوق شعبنا أدبيًّا وتاريخيًّا.

تيسير حسن إدريس 29/01/2011م

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2055

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#86711 [blackberry]
0.00/5 (0 صوت)

01-29-2011 02:07 PM
سؤال نوجهه إلي أبا الطيب العباسي ( خال البشير) أين موقعه من ( الأعراب) الهمزة علي الألف - في كلام الأخ تيسير ؟؟؟
ما نريده إنشا ءالله بعد زوال هذه الحكومة وبعد الإنتهاءمن إعادة كتابة الدستور وإنشاء الدولة اللادينية نطالب بإجراء إستفتاء لكل فئات الشعب بحقيقة الإنضمام للجامعة العربية أم الخروج عنها؟ يقيني أن الأفريقية ستكسب هذا الرهان وسيختار الشعب الأفريقية .


#86692 [ود الدامر]
0.00/5 (0 صوت)

01-29-2011 01:32 PM
من قال ان الاعلام العربي لا يعرف انتفاضة الشعب السوداني النميري الذي عاش في اكبر بلد عربي واكبر اعلام في الشرق الاوسط ولكن كل العرب لايعتبرون الشعب السوداني شعبا عربيا وبل ينظرون لانضمام السودان لحامعة الدول العربيه من منظور سياسي وليس عرقي 0 والرئيس البشير وافق علي التنازل من جنوب السودان ورضيه بالانفصال مقابل عدم الاعتراف باسرائيل 0وفي المقابل مصر اعترفت باسرائيل مقابل سيناء والاردن والمغرب دون مقابل 0 والبشير عكس التيار فتت السودان ودارفور في الطريق 0 اين الوطنيه يا وطني 0 زوال وطن كان سلة غذاء العالم مقابل وهم العروبه


#86589 [عدو الظلم]
0.00/5 (0 صوت)

01-29-2011 10:55 AM
لا نحتاج لانتفاضة مثل انتفاضة اكتوبر وابريل حتى لا يدعي الترابي وامثاله أنهم من صعنوا الثورة ولكن نريدها ثورة على النظرية الحديثة وهي النظرية التونسية في القضاء على الدكتاتورية وهي النظرية التي وضعها اعظم شاعر على وجه الأرض وهو ابو القاسم الشابي الذي قال :
إذا الشعب يوما أراد الحياة لا بد أن يستجيب القدر


تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية
تقييم
5.63/10 (18 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة