في



المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. صبرى محمد خليل
نقد القطاع العام بين التقويم والنقض
نقد القطاع العام بين التقويم والنقض
01-29-2011 01:13 PM

نقد القطاع العام بين التقويم والنقض

د.صبري محمد خليل/ استاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم
sabri.khalil@hotmail.com

اشكال نقد القطاع العام : هناك الكثير من الأخطاء المنسوبة الى القطاع العام ، والتى تكاد تكون مسلمة من الجميع، رغم تباين مواقفهم من القطاع العام . بناءا على هذا نرى انه لا مجال للحديث عن تحريم او تجريم نقد القطاع العام ( اى موقف القبول المطلق) . غير انه يجب تقرير ان هناك شكلين من اشكال النقد ، يعبر كلاهما عن موقف معين من القطاع العام نفسه, الشكل الاول من النقد يقوم على نقد القطاع العام لتقويمه ، اى بهدف بناءه ، فهو يكشف أوجه قصوره عن أداء دوره القائد، ويستهدف تنشيط قيادته للنشاط الاقتصادى ، وتنمية كفاءته الإنتاجية ، فهو نقد ينطلق من موقف الابقاء على القطاع العام والدفاع عنه ، وهو يعبر عن الموقف النقدى الحقيقى لان جوهره هو اخذ وقبول الصواب، ورد ورفض الخطا. والشكل الثانى من النقد يقوم على نقد القطاع العام لنقضه ، اى بهدف هدمه و تصفيته، أو حصر دوره فى النشاط الاقتصادى ، فهو نقد ينطلق من موقف الغاء القطاع العام ، هو فى جوهره ليس موقف نقدى حقيقى بل هو تعبير عن موقف الرفض المطلق.
موقف الغاء القطاع العام : وموقف الغاء القطاع العام رغم ان منطلقه الايديولوجى هو منطلق ليبرالى راسمالى الا انه يتناقض مع واقع المجتمعات الغربيه الليبرليه الراسماليه ذاتها . حيث انه يجب تقرير انه فى كل نظام اقتصادى رأسمالى توجد ملكية عامة بجانب الملكيه الفردية ، ولكنهما فى ظل هذا النظام متنافسان ويخضعان فى حركتهما الاقتصادية لقانون المنافسة الحرة بقصد الحصول على ربح ، وتتمثل هذه الملكيه العامه فى بعض أوجه النشاط الاقتصادى الحيوية غير مربحة ، كالطرق والموانى والإنارة والمدارس والجامعات والمستشفيات والنوادى الرياضية والحدائق العامة والثروات الكامنة فى بطن الأرض … الخ . والتى لا تثير إهتمام الرأسماليين ويتركونها للدولة ، كما تتمثل فى امتلاك الدوله فى كثير من الدول الرأسمالية لمشروعات اقتصادية تديرها بقصد الحصول على ربح. والنظام الاقتصادي الرأسمالي المستند إلى الليبرالية كمنهج هو اساسا قائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاْْه ،إذ قبل أن ينتهى القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. إلا انه بعد المتغيرات الدولية المتمثلة في انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادى القطب تجددت الدعوه التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة ، وظهرت الاراء الداعيه الى تحجيم دور القطاع العام او تصفيته او الغائه ، وهذه الاراء شكلت الأساس الايدولوجى للازمه الاقتصادية العالميه ، وهنا تجددت فى المجتمعات الغربيه مره اخرى الدعوه الى ضروره تدخل الدوله، والتى وصلت فى بعض الاحيان الى حد الدعوه الى تاميم بعض المؤسسات الاقتصاديه الخاصه الخاسره.
موقف الدفاع عن القطاع العام: اما موقف الدفاع عن القطاع العام فليس بالضروره مقصورعلى المنطلق الايديولوجى اليسارى . فقد يكون الدفاع عن القطاع العام من منطلق وطنى يتمثل فى الدفاع عن القطاع العام باعتباره ركيزه الاقتصاد الوطنى، ورمز للسياده الوطنيه . كما قد يكون الدفاع عن القطاع العام من منطلق اسلامى يتمثل - على المستوى العقائدى - فى ان هناك العديد من القواعد والمفاهيم الاسلاميه التى يمكن ان تشكل الاطار النظرى لمفهوم القطاع العام منها تقرير الاسلام ان الله تعالى هوالمالك الأصلي للمال، وانه استخلف الجماعة في الانتفاع به(وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه). وان للجماعة بالتالى حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية قال (صلى الله عليه وسلم ) (الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلاء والنار) (روه احمد وأبو داود). وهو ما يكون بان تتولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها وتطبيقا لذلك ما ورد عن عمر بن الخطاب (لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة). وماورد عن الماوردي (والذي يلزم سلطان الأمة من أمور سبعة أشياء: حفظ دين الأمة من عدو للدين، أو باعث نفس أو مال، عمارة البلدان باعتماد مصالحها غير تحريف في أخذه وعطائه، معاملة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد الشدة في فصلها...)( الموردي، أدب الدنيا والدين، ص 39).
كما يتمثل - على المستوى العملى - فى كون القطاع العام يمكن ان يكون بمثابه شكل حديث لمؤسسات ظهرت فى التاريخ الاسلامى كبيت مال المسلمين والحمى، فالحمى مثلا هى الأرض المحمية من الانتفاع الفردي لتكون لانتفاع المسلمين جميعا، ومن المتفق عليه أن الرسول (ص) حمى أرض بالمدينة يقال لها النقيع لترعى فيها خيل المسلمين (رواه احمد)( أبو عبيدة، إلاموال، ص 298، الماوردي ، إلاحكام السلطانية ، ص 164، أبو يعلي ، الأحكام ، 206) ،كما حمى عمر أيضا أرضا بالربدة وجعلها مرعى لجميع المسلمين(أبو عبيدة، إلاموال، ص 299).
من مشاكل القطاع العام :
مشكله المنافسة بين القطاعين العام والخاص : فى كثير من الاحيان يعانى القطاع العام من منافسة القطاع الخاص ، ولو تركت المنافسه بينهم بدون ضوابط فان هذا يعنى تصفية القطاع العام ، لان المنافسة مضاربة ، والقطاع العام بحكم طبيعته الاقتصادية لا يستطيع أن يضارب ، بينما المضاربة هى قانون القطاع الخاص . وتدور أغلب مضاربات القطاع الخاص على الأجور بأن يجرد القطاع الخاص القطاع العام من أكفأ العناصر المنتجة فيه عن طريق تشغيلهم فى مقابل أجور مرتفعة ، او بإغراء العاملين فى القطاع العام بالاستفادة من استقرار الأجور فى القطاع العام وارتفاعها فى القطاع الخاص بأن تكون لهم علاقة عمل بالقطاعين فى الوقت ذاته، وهذا الازدواج هو مصدر كثير من الظواهر السالبه المنسوبة الى القطاع العام .
و لا يكمن حل هذه المشكله فى تصفية القطاع العام كما يرى انصار موقف الغاء القطاع العام ، ولكن يكمن فى وضع ضوابط للمنافسه بين القطاعين العام والخاص ، ومن هذه الضوابط دعم القطاع العام ، وتفعيل الرقابه فيه ،وتحفيز العاملين به ، وان يكون لكل قطاع مجالات محدده مقصورة عليه وحده .و بالتالى بحيث يصبح من غير الممكن أن تنتقل قوة العمل أو الاستثمارات أو الأدوات أو البضائع أو الخدمات... من القطاع العام الى القطاع الخاص أو العكس .
مشكلات التخلف الاقتصادى : التخلف الاقتصادى هو عدم توافر المقدره على توظيف كل الموارد المادية والبشرية المتاحة، وهذا التوظيف هو ذات المهمة الموكولة الى القطاع العام، وهنا نجد ان كثير من السلبيات المنسوبة الى القطاع العام ترجع الى هذا التخلف الاقصادى ،وبالتالى لا يمكن القضاء عليها الا بالعمل المشترك والتدريجى على القضاء على التخلف الاقتصادى بالقضاء على اسبابه الذاتيه والموضوعيه ، و دعم القطاع العام ماليا وفنيا وبشريا ،أى تنمية إمكانياته الى الحد الذى يتكافأ مع المهمه الموكولة إليه .
مشكله عدم الربحيه: يختار انصار موقف الغاء القطاع العام وحدات اقتصادية معينه تتبع القطاع العام ، ويقولون أنها خاسره ، ويقترحون بيعها أو تصفيتها ، وهو تقييم خاطئ لانه يقوم على اساس تقيم كل وحدة إقتصادية من وحدات القطاع العام على حدة تبعا لما اذا كانت رابحة أو خاسرة رأسماليا ، بينما الصواب هو تقيم كل وحدة على أساس أدائها أو عدم أدائها للدور الاقتصادى المحدد لها كجزء من كل هو القطاع العام، و باعتبار ان كثير من هذه الوحدات ذات طابع خدمى اساسا (د.عصمت سيف الدوله ،جبهه القطاع العام) .
مشكله العماله: كما يرى انصار موقف الغاء القطاع العام أن حجم العمالة فى القطاع العام أكثر مما يلزم اقتصاديا ، وحل هذه المشكلة لا يكون بالتبديد \" الكلى \" لقوة العمل بفصل العاملين ، إنما يكون الحل بالتوسع فى القطاع العام ، بمزيد من المؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية لتظل فرص العمل دائما أكثر من قوة العمل المتاحة . ولن يكون هذا ممكنا إلا بدعم القطاع العام وتنشيطه وامتداده الى مجالات جديده من النشاط الاقتصادى .





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1999

خدمات المحتوى


التعليقات
#87026 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

01-30-2011 05:22 AM
ليتك تركز اكثر على هذا الموضوع .وليتك تحلل واقع البلاد لنرى امكانية اقامة القطاع الخاص لمؤسسات فى مناطق نائية فى بلاد واسعة.الا ترى ان دوافع الربح المحض لدى القطاع الخاص تحد من الرقعة فى البلاد التى يفضل ولا يستطيع ان يستثمر خارجها.الا ترى ان له ضلعا فى التهميش؟ بمركزة الاستثمار فى مواقع محددة؟
انظر مؤسسات التعليم الجامعي والمدرسي


د.صبري محمد خليل
د.صبري محمد خليل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة