04-20-2014 08:09 AM


أيام في سوق الحدادين

1-
مازال صوت خالي محمود الشجي، يأتيني في الليالي المقمرة، عميقاً، دافئاً. تسحرني فيه، مقدرته الفائقة على التحكم في حباله الصوتية، حسب تطورات الحدث، حين يحكي لنا تغريبة (بني هلال)، وأخبار (الزير سالم، وحرب بكر وتغلب)، التي يحفظها ويرويها، بلغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ سليمة، بالرغم من أنه لم ينَل تعليماً منتظماً، سوى بضعة أشهرٍ قضاها بالخلوة، ثم لم يتحمل ديكتاتورية ( فكي الخلوة) وقسوته، فهرب منها.
تتوهج عيناه، ويكتسب صوته قوة ومهابة، وهو يردد بانفعال، أشعار المهلهل، ملوحاً بقبضته:
يَقُوْل الزّير أَبُو لَيْلَى الْمُهَلْهَل
وَقَلْب الزِّير قَاسِي لايلينا
وَإِن لان الْحَدِيْد مَالان قَلْبِي
وَقَلْبِي مِن حَدِيْد الْقَاسِيَيْنا
كيف، ومتى، وأين حفظ هذه الملاحم ؟ هذا ما لم أستطع معرفته وقتها. وحين بلغت مبلغ الفهم والإدراك، حال اختفاء الخال في ظروفٍ غامضةٍ، بيني وبين إيجاد إجابة لسؤالي. ومازال السؤال قائماً إلى يومنا هذا.
كان ذلك في زمانٍ لاحق، حين انتقلنا للعيش في حوش الأسرة قسراً، بعد أحداثٍ غامضةٍ متشابكة أرغمت الوالد على قبول انتقالنا إلى هناك.
أما بداية معاصرتي للخال (محمود)، فكانت حين قرر الوالد ذهابي يومياً إلى دكان خالي (أونور)، في سوق الحدادين، وأنه لا داعي ( على حد قوله )، للجلوس في الدار، و(محاككة النسوان).
كنت في السادسة من عمري، أو أقل بقليل، وأنا أخطو أولى خطواتي داخل سوق الحدادين بمدينة كسلا.
الحقيقة، ليس للسوق داخل، إذ هو عبارة عن صفٍ واحد، يمتد من الغرب إلى الشرق، يفصل بين كل أربعة دكاكين، زقاق ضيق. بالرغم من أن هذا السوق، عرف بسوق الحدادين، إلا أنه يضم أيضاً، بعضاً من دكاكين السمكرية.
إلى جنوب السوق، يمتد سور ساقية السادة المراغنة، يفصل بينهما طريق، يستخدمه سكان حلة الجديد، و حوش الهنود (شرق السوق )، للدخول والخروج، من والى السوق الكبير، غرباً، عبر الخور الكبير. إلى الشمال من سوق الحدادين، تبدو مباني سوق النجارين، وسوق (الفحّامة) وسوق السعف والغسالين.
الشيء الذي يدعو إلى الانتباه، أن هذه الأسواق المتجاورة، الحدادين، النجارين، الفحّامة، السعف والغسالين، وبتخطيط مدروس لهذا التجاور، تُكمِّل بعضها البعض، في دائرية تصنيع أدوات العمل والتشغيل والإمداد.
2-
في دكان خالي (أونور)، التقيت لأول مرة بالخال (محمود).
ربما يدعو ذلك لبعض الدهشة والتساؤل، كيف يكون خالي وألتقيه لأول مرة؟
ببساطة، يعود ذلك للعلاقة الفاترة نوعاً ما، بين أبي وأهل والدتي، باستثناء خالي (أونور)، الذي يكن له والدي، قدراً كبيراً من التقدير والاحترام.
ذلك الفتور، جعل أبي يضع حظراً على زياراتنا إلى حوش الأسرة، يُرْفَع الحظر مؤقتاً، في الأعياد والمناسبات الأسرية، من زواجات ووفيات، وبحدٍ زمني محسوب:
- الساعة كذا تعودون
وتحسباً لما سوف يحدث، إن تعدت ( الساعة كذا )، نحرص كل الحرص، أن نكون في الموعد.
من أول وهلة، شملني خالي (محمود) بعطفه ورعايته، كنت معجباً به، وببنيته القوية، وعضلاته البارزة، التي تزداد بروزاً، حين يشدد قبضته على عمود( المرزبَّة)، رافعاً إياها للأعلى، لتهبط بقوة على السندان، في متواليةٍ متناغمةٍ، مع ضربات مطرقة الخال (أونور)، على قطعة الحديد المنصهرة، شديدة الاحمرار، الخارجة لتوها من أحضان الفحم المشتعل، بقوة ضغط ساعد ( نافخ الكير )، الفتى (سليمان بادوب).
أجزم صادقاً، أن خالي (محمود)، لو اشترك في مسابقات كمال الأجسام، لبزَّ الجميع.
خبط المرزبَّة، وضربات المطرقة، بتتابعهما، كانتا تعطيان نوعاً من التناغم، والتوافق، أو( الهارموني)، كما يسميه أهل الموسيقى. قرار وجواب:
- تِكْ تِكْ .. دُمْ ..تِكْ تِكْ ..دُمْ ..
مما كان يجعل خيال طفولتي، يؤلف عليها كلمات لا معنى لها، سوى أنها تتوافق مع إيقاع المرزبَّة والمطرقة، واستغرق في ترديد تلك الكلمات، بيني وبين نفسي، برتابة، تهدهدني، و تسلمني في نهاية الأمر، للنعاس، ثم النوم.
أمتع اللحظات التي قضيتها في سوق الحدادين، تلك التي يبدأ فيها خالي (أونور)، تشكيل مقابض السكاكين اليدوية قصيرة النصل، من خشب الأبنوس.
الحق يقال، أن خالي (أونور)، كان يتمتع بموهبةٍ تشكيليةٍ، وحس فني فطري، يستغرقه بكلياته، حين يبدأ في تصميم تلك المقابض. بدايةً من قص كتلة الخشب، واختيار مقاس المقبض المناسب، ثم الحفر، والخرط اليدوي، والتنعيم والتلميع. كل ذلك يتم بحرفية عالية، تجعل من المقبض في نهاية الأمر، تحفة فنية، أول من يُعجَب بها، صانعها، فتراه يمسك المقبض بعيداً عن عينيه، ينظر إليه مرة بعينٍ مغلقة، ثم بالعينين معا، ثم يُقرّبه ويبعده و يقلبه، ناظراً إليه من جميع الزوايا. حين يضعه إلى جانبه، يعني ذلك أنه راض تماماً عمَّا أنجزه.
أحياناً يشركني في العمل، وكان ذلك يسعدني تماماً:
- ياولد جيب المبرد الخشَّابي، ناولني الصنفرة...الخ
في الحقيقة، هذا النوع من السكاكين، قصيرة النصل، ذات المقبض الأبنوسي،كانت موضة شباب ذلك الزمان. من لا تُزيّن ذراعه سكين من هذا النوع، فهو عرضة للسخرية، والاستهزاء، والتشكيك في رجولته، لذا سُميت ( سكين الضراع ). لها غمد من الجلد، يسمى الجفير، تُزيّن قمته، قطعة من الفضة الخالصة، وفي وسط الجفير، حلقة من الجلد المضفور، ليُمْكِن لبسها في وسط الجزء العلوي من الذراع، والمقبض الأبنوسي للأعلى، حتى يسهل إخراجها عند الضرورة. وأجود أنواع السكاكين، تلك التي تُصنع من حديد( ياي العربات ).
3-
غالباً، حين تخف وتيرة العمل قبل مغيب الشمس، كنا ننتهز الفرصة، لنلعب ( الدافوري)، بكرةٍ نصنعها من حشو جورب قديم بقطعٍ من القماش، ( الدلاقين)، نمارس اللعب بها بين أزقة السوق، قبل أن يُؤذَن لنا بالعودة إلى الديار. وقتها يسود المكان صياح وضجيج، وصخب طفولي، وعرق وغبار يعلق بالوجوه.
أحياناً تتجاوز الكرة الزقاق، لتقبع أسفل سور الساقية من الداخل، وأحياناً تختفي وسط أكوام الحطب، خلف سوق العناقريب، ليبدأ سباق غير متكافئ لإحضار الكرة، وسط ضحكات ومنازعات بريئة.
ذات يوم، ونحن في صخبنا واستغراقنا في اللعب، قذف أحدهم بالكرة قذفة عالية، ألقتها داخل الساقية، فتطوعت للقفز من على سور الساقية الطيني القصير، لجلب الكرة، وفعلتها، إلا أن ما لفت انتباهي، وأنا أتهيأ للقفز عائداً، ذلك السكون والصمت المطبق، الذي خيم على المكان. عجباً ! لا صياح ولا ضجيج لزملاء اللعبة. وأنا أقفز خارجاً، وبلمحة خاطفة، شاهدت أبي يقف في منتصف الطريق، بيني وبين دكاكين السوق. تجمدت في مكاني أعلى السور، وعينا أبي تلفانني بنسيج من الرعب والخوف، فقدت معهما الإحساس بالمكان والزمان والناس تماماً:
- أنْزِلْ.
قالها أبي بهدوء
نزلت.
ران الصمت برهة، خلتها دهراً، ولدهشتي استدار أبي، وأكمل طريقه، دون أن يزيد حرفاً على ما قاله.
- الليلة مُوتَك.
هكذا بشرني شقيقي الأكبر، ونحن ندلف من باب الدار.
ما حدث بعدها، كان عكس ما توقعت وتوقع شقيقي. لم أتعرض لأي عقابٍ، حتى ولا مجرد تأنيب أو سؤال، وكأن شيئاً لم يكن.
في اليوم التالي، حين أمرنا خالي (أونور)، بلُطفٍ يُغلّفه الحزم، عدم معاودة اللعب مرة أخرى، تأكدنا أن الأمر قد سوى مسبقاً، بين والدي وخالي.
4-
توفى خالي (أونور) فجأةً، ولم تزل ذكرى زواجه ماثلة في ألأذهان، بألقها وصخبها ولياليها، التي عطرها شدو عمالقة الطرب الكسلاوي في ذلك الزمان، يوسف عبد الله، وعبد الكريم (اب شاخورة)، وسليمان عبد الله، وغيرهم.
كانت تلك أول مرة أحضر فيها فرحاً، ومما زاد في بهجتي، أن أبي لم يمانع في أن أظل بحوش الأسرة، حتى نهاية أيام الزواج.
ثم جاءت الوفاة، التي ألقت بظلالها الحزينة على الحوش، لعقودٍ من الزمان.
بوفاة خالي أونور، انتهت علاقتي بسوق الحدادين. الذي لم أتعلم فيه من الصنعة شيئا، سوى نفخ الكير الذي لا يحتاج إلى موهبة ما، ولو أنه كان بالنسبة لي مصدراً لدخلٍ معتبر، حين يعيرني الخال لبعض أصحاب المحلات، كي أباشر نفخ الكير لديهم، عندما يتغيب النافخ الأصلي. في نهاية اليوم ينفحني صاحب العمل قرشاً كاملاً، أشتري بنصفه ربع رغيف، من ذلك الرغيف ناصع البياض، الضخم المدور، وبالنصف الآخر حلاوة طحينية. أستمتع بالطعم اللذيذ وأنا أعبر الأزقة والدروب. عند باب البيت أكون قد أتيت على آخر قضمة منه، وأدخل الدار مبتهجا. أحلم بيوم آخر من النفخ والنفح والرغيف المحشو بالحلاوة.
تجولت بعدها بأماكن مختلفة داخل السوق. رسوت في نهايتها عند سوق العناقريب، كآخر محطة لي بذلك الضرب من التقليد، الذي كان يوازن، تحسباً، بين التعليم المدرسي، والمهني، ويعطيهما نفس القدر من الأهمية.
ومع التحاقي بالمدرسة الأولية، أصبح يومي مقسماً بين المدرسة صباحاً، والسوق بعد الظهر، وحتى مغيب الشمس، إلى حين.
الآن، وأنا أعبر الطريق الذي كان يفصل بين السوق الكبير وسوق الحدادين،أقف قليلاً، أتحسر على ذلك السوق الذي هزمته الدولة والعمائر الإسمنتية التي قامت مكانه.تماماً مثلما فعلوا بسوق العناقريب وسوق السعف وسوق الفحامة وسوق الغسالين. كل تلك الأسواق أُقصيت الى الأطراف البعيدة للمدينة، إلا أن سوق الحدادين كان أوفر حظاً، إذ احتل مكاناً قريباً من مكانه السابق، بجوار الإستاد الرياضي. حتى ساقية المراغنة طالتها يد الإزالة والتخطيط. المسطحات الخضراء، وأشجار الجوافة والبرتقال والليمون وعرائش العنب، التي كنا نقطف ثمارها في غفلة من عمال الساقية، حلت مكانها العمائر المتعالية المتجهمة المستفزة، والطرقات المكتظة بالبشر والدواب والسيارات والضجيج والغبار.
في وقفتي تلك، أغمض عينيّ برهة، فيخيل لي حينها أني أسمع، من خلف الضجيج، والزعيق، والنهيق، والتدافع، وصرير اطارات السيارات، صوت ضربات مرزبة خالي محمود، ودقات مطرقة خالي أونور، وهما يلتحمان، ينفصلان، يتحاوران في تناغمٍ رتيب:
- تِكْ تِكْ .. دُمْ ..تِكْ تِكْ ..دُمْ ..
انتهى.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 837

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#979174 [صباح]
0.00/5 (0 صوت)

04-20-2014 06:12 PM
رائع.........هات كمان و كمان


الطيب محمود النور
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة