04-23-2014 01:11 AM


أقرب إلى القلب:

فيْضٌ مـِن الصّـفاءِ والتـراحُــــمِ
في مَسـْحَةٍ من نسـَـائم صوْفيّة جليـــلة. .
في بَهـاءٍ بالملـــوكِ يليـق
هنالك قلبٌ ينزف عشــقا
وابتسـامٌ يهـزَّ عرشَ أكثرِ الأيــامِ حُــزنــا. .
(نادية م.خ. عثمان)
( 1)
الخميسُ 25 مارس . .
تلاقينا نحنُ أصدقاء محجوب شريف عصر ذلك اليوم، عند بوابة مَشفى "التّقى" بحيّ الشّـهداء بأم درمان، مَبنىً يجاور منزل الرّاحل الرمز الوطني عبدالله خليل. قصدنا أن نزور شاعرنا الكبير وقد علمنا أن العلّة حاصرته حصاراً مُحكما، وألزمته جناح العناية المكثفة. كانت غرفته في الطابق الأول. الأسرة هناك. سألنا عن صديقنا الأستاذ كمال الجزولي، وأجابتنا شقيقته "أميرة" زوج محجوب: كان هنا قبل قليل. لن يغيب طويلا. دعوني أهاتفه.
- كيف حال محجوب..؟ طمنينا..
لم تكن "أميرة الجزولي" قلقة، حالها كلّ مرّة يتوعّك فيها محجوب وتلزمه العلة مراجعة الطبيب. تُمسك هاتفها وتُحادث كمال، تحثّه على الحضور لأصدقائه. سألَ الشاعر الصديق كامل عبد الماجد: حاله تطمئن؟ تجيب "أميرة" وابتسامتها العريضة، مليئة بتفاؤلٍ جمٍّ: تحسّنتْ حاله كثيراً.
يسأل صديقي الشاعر عبدالعزيز جمال الدين: هل يتناول طعامه كالمعتاد؟
- الحمد لله، أجل يفعل .
تُجيب "أميرة " فيما لا تفارق الابتسامة محيّاها:
- أكثر خشية الطبيب هيَ مِن الهواءِ الملوّث يؤذي رئتيه.. فأصرّوا على إبقائه وحيداً في غرفته.
( 2)
غير أن القريبين من محجوب يعرفون أنّ أكثر عذابه، هو إبقائه بعيداً عن دفءِ أسرته: عن بنياته و"أميرة" وأصدقائه.. كانت "مي محجوب" هناك، وطفل شقيقتها "مريم" مُتعلق بكتفها: عمّو جمال.. مدة طويلة لم نرَكَ فيها.. "مريم" تُحيينا وابتسامتها كما ابتسامة أمّها. ليسَ ثمّة ما يقلق. القلقون يهاجرون عَدواً إلى الأردن، أما هنا فنحن في مشفىً متواضع ومحجوب في حالة شبه طبيعية.
لحقَ بنا الصديق "كمال الجزولي" في مشفى "التّقى"، وبقينا في الرّدهة نتبادل جوانب الحديث بعيداً عن علة صديقنا شاعر الشعب، طريح غرفة العناية، وكأنّا قد أخذتنا الطمأنينة عليه، فانشغلنا بأمور دنيانا وصغائرها .
حين ودّعنا "أميرة" وبنياتها، وكعادة السودانيين، لم تكن تطيب لنا المسامرة إلا في لحظات الفراق. رافقنا الصديق "كمال الجزولي" إلى البوابة، ولحق بنا شقيقه "حسن الجزولي"، وعبدالعزيز عن شمالي وكامل عن يميني، ونجوانا لم تخرج عن محبتنا لأم درمان وشعراء أم درمان. يشير عليّ صديقي عبدالعزيز جمال الدين أن أنظر تلك النافذة هي التي كان يطلّ منها حسن عوض أبو العلا على الدنيا من بيت عائلته. البيت قبالة مشفى "التقى" وشاعر الشعب طريح غرفته المعزولة. يقول صديقنا كمال عن هذا المربع الذي نحن في وسطه، أنهُ حي شعراء الشعب. لكأنّ محجوبا قد اختار أنْ يكون هذا المربع، آخر ما ترى عيناه من مدينته التي أحب .
همستُ في أذن صديقي كامل عبد الماجد، ونحن خارج بوابة مشفى "التقى"، بما أقلقني:
- لست مطمئنا لنبرة التفاؤل العالية على محيا "أميرة".. والبُنيّات..
- لا. لا. "أميرة" صادقة المشاعر. ظنّي أن حال محجوب إلى تحسّن. .
لم يكن صديقي الشاعر كامل عبد الماجد على اتفاق معي بما اعتراني لحظتها من ريبتي حول إبقاء محجوب معزولاً في غرفته، وتحت العناية المكثفة، فيما بدتْ "أميرة" مطمئنة..
- لا. لا. دَع شكوكك جانباً..
أجل تركتُ شكوكي جانباً، فلم يكن بيننا مَن يتصوّر أن محجوباً سيتسرّب مِن بين مشاعر الأقربين منه، فيكون مشفى "التقى" آخر ما تشم رئتاه المعطوبتان مِن هواءِ أم درمان التي أحب، وبعدها يمضي إلى الدار الباقية، إلى فردوس الخلود الحقيقي..
( 3)
الأربعاء 2 أبريل . .
حضرتُ لأشارك في ندوةٍ عن أحوال الجنوب، نهار ذلك اليوم في "مركز مأمون بحيري للدراسات الاقتصادية" جنوبي الخرطوم، يقدّمها الأستاذ الخزين الباحث السوداني الضليع القادم من كندا. جلستُ في الصفِّ الأمامي إلى جوار الأستاذ محمد إبراهيم عبده- "كبـج". حمدتُ المصادفة الجميلة إذ جعلتني جليسا إلى "كبج"، إذ بيننا صلة مصاهرة لابن أخٍ لي مع أسرته، وثمّة ما كنا سنحكي حوله حال انتهاء محاضرة "الخزين". شغلتنا على الفور محاضرة الأستاذ الخزين المشوقة، عن أحوال الجنوب المأزوم. يكاشفنا بالإحصاءات وبالخرائط المفصّلة، عن أحوال جنوب السودان وتعقيدات سكان تلك الدولة الوليدة. لم يبعثر انتباهنا إلا رنين الهواتف الجوَّالة ترنّ بين لحظةٍ وأخرى هنا أو هناك، وكدّتُ أن أطلب مِن المنصّة أن توجِّه بإسكات تلك الهواتف. تريّثت هنيهةَ وكأنّي توقّعت أن تأتني أنا مكالمة أنتظرهـــــا. لا. هاتف "كبـج" هو الذي رنّ وهو جالس جواري، وكاد أن لا يردّ، لكأنّهُ أحسّ بإلحاح المتصل على الوصول إليه. رفع الهاتف سِراراً إلى أذنه، و"الخزين" مستغرق في محاضرته. سكتَ. نظر إليّ وقد تبدلّت ملامحه، ثم همسَ:
- إنّهُ محجوب .. توفي اللحظة. .
- توفي محجوب؟؟
نظرتُ لبرهةٍ إلى "كبج"، وقد غشيتني حيرةٌ قبل حُزن، لا أريد أنْ أصدّق.
- البقاءُ لله.. له الرحمة..
لم أطق الجلوسَ على الكرسي مِن هوْلِ الارتباك. لم آبه لشاشة الـ"باوربوينت" من المحاضر الغارق في الشرح، بل كنت مشغولاً بالنقطة الفاصلة التي قد أنهتْ جملة شاعر الشعب. وقفتُ ثمّ خرجتُ إلى سيارتي. هاتفي بلا طاقة تعينني على الاتصال لأستجلي التفاصيل. من سيجيبني؟
التقيتُ صديقي كامل عبد الماجد. لم يبقَ إلا الحزن والدموع المُعلقة، لا تكاد العيون تصدّق.
نظر كامل وقد اغرورقت عيناه بدمعٍ حبيسٍ، وقال لي:
- صدَق حدَسك ذلك اليوم. أتذكّر هواجسَك حينَ أطلتْ "أميرة" والبِشر على مُحيّاها. .

(4 )
مَـن يعرفون محجوباً واقتربوا من حياضه سيجدونه يتكلم على سجيته، شعراً مقفىً وموزونا. ليس ذلك قولاً مجازاً بل كان محجوب يخرج الكلام من لسانه بالفعل، يتبادله مع أسرته ومع أصدقائه ومع محبيه ( وهل له أعداء إلا الظلاميين؟)، شعراً يصلح للإنشاد على التوّ. كلّ القصائد التي رووها عنه وهو طريح مشفى "التقى"، سجلها من كانوا حوله، بنياته الحبيبات. لقد تعوّد منذ عهودٍ أن يلقي الشعر مشافهةً، ثمّ يكتب من هم حوله القصائد على الورق. الذاكرة الحديدية تحفظ ما ينظم بدقة وانتظام. أتذكّر كيفَ حكى الراحل تاج السر الحسن أن لمحجوب قصيدة منظومة باللغة العربية الفصحى، نظمها حين زار موسكو في أوائل السبعينات من القرن الماضي. قال الرّاحل تاج السر الحسن، وكنا نتحلق حول محجوب في بيته في "مدينة الثورة":
- دعني أفاجؤك. هذه قصيدتك وقد نظمتها أنتَ بالفصحى ونقلتها عنكَ بقلمي في زمان ما في السبعينات ونحن في موسكو..!
أطرق محجوب وقد ألجمته الدهشة، إذ هو لا يتذكر أنّ له قصيدة نظمها في موسكو في ذلك التاريخ البعيد. وتعلقنا بصوتِ تاج السِّر وهو ينشد قصيدة كتبها محجوب قبل أكثر من أربعين عاماً، وباللغة العربية الفصحى. ولدهشتنا ما أن توغّل تاج السر في إلقاء القصيدة، حتى عادتْ المقاطع إلى ذاكرة محجوب بعد أن كان قد نسيها لأكثر من أربعة عقود، فأخذ يردّد مع تاج السِّر بقية أبيات القصيدة الرّصينة، بيتاً بعد بيت، حتى نهاية القصيدة. .
( 5)
أشجتني أبياتٌ كتبتها بالإنجليزية السفيرة النابهة نادية محمد خير عثمان، قبل مدّة قصيرة، مليئة بمشاعر حزن غالب دفاق على رحيل منارات مُشعّة، لمستْ شغاف قلبي وأنا أستجمع مشاعري لأكتــب أسطر وفاءٍ مستحقة، من قلمي لشاعر الشعب "المنارة" السامقة المُشعّة، محجوب شريف. كتبت السفيرة نادية:
فيضٌ مـِن الصّـفاءِ والتـراحُــــم
في مَسـحةٍ من نســائم صوفية جليـــلة. .
في بَهـاءٍ بالملـــوكِ يليـق
هنالك قلبٌ ينزف عشــقا
وابتسـامٌ يهـزَّ عرشَ أكثرِ الأيــامِ حُــزنــا. .
غير أن محجوب لم يبقَ طويلا في مشفاه في حي شعراء الشعب بأم درمان. توقف القلب ورحل البهاء ومعه الابتسامة التي كانت تهزّ أكثر أيام الشعب حزنا. .
++++
21 أبريل - 2014
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2844

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#983445 [عصام الجزولى]
0.00/5 (0 صوت)

04-24-2014 01:34 PM
لما كان محجوب انسانا مسكونا بحب الفقراء والمساكين والغلابة ومنحازا لهم التقى مع الاستاذ محمود محمد طه فى هذه العاطفة الانسانية السامية فكتب فى رثاء الاستاذ هذه الابيات :-
كان أوان الموت عاديا تماما
تماما كالذى يمشى مطمئنا كى ينام
أو كشمس عبرتها لحظة كسف غمامة
قال مع السلامة وودع بابتسامة
قال مع السلامة وتساما وتساما


جَمَــال مُحمّــد إبراهيْــم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة