04-26-2014 01:02 PM



فى عام 1993 اختار الدكتور حسن الترابى, اﻻب الروحى لنظام اﻻنقاذ الحاكم فى السودان, تلميذه والرجل الثانى فى حركته, على عثمان طه, ﻻن يتولى وزارة التخطيط اﻻجتماعى التى انشئت خصيصا له, واصبحت بديلا عن وزارة الرعاية والضمان اﻻجتماعى. واعتقد الكثير من السودانيين بان اﻻمر لا يعدو عن ان يكون تغييرا شكليا لارضاء اقر ب المقربين من الترابى, و لكى يقترن اسم الوزارة بالهيبة واﻻبهة والسطوع. لكن المتتبع لسيرة المحامى, وهو مقرب من الرئيس البشير وصنوه فى العمر, بدأ بالمناصب التى شغلها منذ رئاسته لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم عام 1971, ثم عمله بالجهاز القضائى ثم المحاماة من سنة 1973 الى سنة 1977, ثم عمله كنائب فى البرلمانات المعينة والمنتخبة من عام 1977 الى عام 1993, يدرك ان التعيين كان لامر خطير. والحقيقة ان تلك الوزارة قد ساهمت مساهمة فعالة فى اكبر عملية تخريب طالت المجتمع السودانى والحياة السياسية فى هذا البلد العظيم


والوزارة انيط بها ان تجرى تغييرا جذريا فى المجتمع السودانى. والمنطق يقول بان التغيير المنشود سيكون نحو اﻻفضل , لكن الذى حدث هو التخريب الهائل الذى اصبح ينذر بتفكك كامل للمجتمع وتشرذم الدولة بعد ان لاحت نذر انفصال اجزاء اخرى من السودان بعد ان انفصل الجنوب. والباعث اﻻول لتسريع التغيير اﻻجتماعى هو الشعور بفشل المشروع الحضارى اﻻسلامى الذى اتى به الترابى وروج له ودعى اليه المتطرفين اﻻسلاميين من كل انحاء العالم. وكانت اولى بوادر الفشل هى ان شوكة المعارضة قد قويت, وكانت ممثلة انذاك فى التجمع الوطنى الديمقراطى والحركة الشعبية. كذلك تكاثرت الهزائم على كتائب المجاهدين وقوات الدفاع الشعبى فى الجنوب. ولم ينجح رفع شعار الحرب المقدسة, او الجهاد, الا فى زيادة قوة الحلف المضاد لهم. والسبب هو ان الدعاية الحربية لنظامهم قد ادت الى زيادة عدد المتعاطفين مع الجنوبيين من مسيحيين ومدافعين عن حقوق اﻻنسان ومناصرين لحركات محاربة الرق وتحرير العبيد وغيرهم. والمثير للسخرية واﻻشمئزاز هو ان الترابى تراجع وانكر دعاوى الجهاد بعد ان طرده البشير فى ديسمبر عام 1999 من السلطة فيما عرف بالمفاصلة, بل قال ان الذين ماتوا فى تلك الحرب هم فطائس, فى تنكر واضح لدعوات الجهاد واﻻستشهاد, حيث كانت ترتبط بتحويل اتباعه مآتم قتلى تلك الحرب الى احتفالات تطلق فيها الزغاريد وتبشر فيها اﻻمهات بان ابنائهن موعودون بزوجات من حور الجنة. وبالرغم من ان اﻻعلام الحكومى الرسمى حاول نفى التهم الموجهة للحكومة بشن الحرب المقدسة, اﻻ ان الواقع كذب ادعاءاته حيث اتضحت للعيان ممارسات القتل على نطاق واسع وجرائم الحرب الكثيرة والسبى وتبنى الخطباء لدعوات الجهاد, فى خطب تشبه جلسات التنويم اﻻيحائى. وكانت نتيجة الفشل ان اقتنع الكيزان بان سياساتهم لن تؤتى ثمارها فى المجتمع السودانى, لذلك يجب اعادة برمجته وتخطيطه وفق رؤاهم.


والتخريب الذى طال المجتمع السودانى واصبح يبين بشكل واضح, انما هو ثمرة ذلك التخطيط الذى بدا عام 1993. وقد استخدم راسمى سياسة حكومة اﻻنقاذ, وعلى راسهم وزير التخطيط اﻻجتماعى على عثمان طه, استخدموا مبادئ العلوم السياسية واﻻجتماعية واﻻحصاء لرسم سياسات يسرت لهم المهمة. واهم تلك المبادئ هى ما يعرف بالهندسة اﻻجتماعية. والمفهوم يعرف فى القواميس بانه ممارسة تتم برسم السياسات واصدار القوانين والنظم اﻻدارية أو باستخدام وسائل أخرى للتأثير على الرأي العام والسلوك, وذلك من اجل حل مشاكل المجتمع و تحسين الظروف الاجتماعية, وادارة الموارد البشرية على حسب موقعها ووظيفتها في المجتمع. واول من اشار الى الهندسة اﻻجتماعية هو رجل الصناعة الهولندى جى فان ماركن سنة 1894, وقصد بها حوجة مجتمع العمال لاخصائى اجتماعى كى يساعده فى حل مشاكله اسوة بالمهندس الذى يحل مشاكل اﻻﻻت. والجانب اﻻيجابى من الهندسة اﻻجتماعية يظهر فى استخدام العلوم لتحليل وفهم النظم اﻻجتماعية ومن ثم انتهاج السياسات وعمل البرامج المناسبة. لكن المفهوم استخدم استخداما سيئا خاصة من قبل اﻻنظمة الكتاتورية. فقد استخدم هتلر ذريعة اﻻصلاح والتخطيط اﻻجتماعى لاقصاء وتخوين الملايين من اﻻقليات فى المانيا النازية, مثل اليهود والغجر وغيرهم, ومن ثم ارتكب اكبر جريمة ابادة فى التاريخ. كذلك فعل جوزيف ستالين فى روسيا الشيوعية حيث هجر الملايين من اﻻقليات من مناطقهم ونفى اﻻعداد الهائلة الى سبيريا وعذب واباد البشر بحجة اصلاح المجتمع وفق النهج الذى يؤمن به. واﻻمثلة كثيرة تمتد من دكتاتوريات بورما والصين وكمبوديا مرورا باليونان واسبانيا الى اﻻرجنتين. والمشترك بين هذه اﻻنظمة الدكتاتورية هى الغاء مفهوم الفردية واعتبار اﻻنسان مثل اﻻلة التى تخضع لقوانين ونظم وقوانين ثابتة تطبق على كل فرد فى المجتمع بغض النظر عن تميزه وهويته. وعند تطبيق اﻻنظمة الدكتاتورية لسياسات الهندسة اﻻجتماعية, او اﻻصلاح اﻻجتماعى كما تسميها, فانها كانت تسعى الى التاثير على السلوكيات من خلال استخدام كل الوسائل المتاحة, وﻻ تستثنى من ذلك الوسائل غير اﻻخلاقية, وكذلك التاثير على الراى العام بصورة سلبية تخدم مصلحة السلطة الحاكمة. ومما يدعو الى السخرية ان اسم ثورة اﻻنقاذ الوطنى هو تقريبا نفس اﻻسم الذى استخدمته الطغمة العسكرية الحاكمة فى اليونان, من 1967 الى 1974, حيث وصفت نفسها بثورة انقاذ اﻻمة. وتستخدم الكتاتوريات فى تنفيذ سياسات الهندسة اﻻجتماعية وسائل اﻻعلام واجهزة اﻻمن ومراكز البحث والشرطة وغيرها من اﻻجهزة المرتبطة مباشرة بالمجتمع



ومما جعل سياسات حكومة اﻻنقاذ تؤثى ثمارها السلبية فى المجتمع هى انها استخدت اﻻساليب اﻻكثر وحشية مثل الصدمات واشعال الحروب واﻻرهاب وتعطيل العقل النقدى. وفى حرب الجنوب لم تستطع الحكومة حسم الحرب لصالحها فدلفت الى الخطة البديلة وهى عقد اتفاقية السلام, ثم تم دفع الجنوبيين دفعا الى تبنى خيار اﻻنفصال, وقد كان لهم ما ارادوا. نفس هذه السياسات اصبحت تمارس اﻻن فى دارفور وجنوب كردفان والنيل اﻻزرق وبصورة اكثر وحشية وكثافة. والحرب لها تاثير الهلع والصدمة الكبيرة والذى يفوق تاثير الزﻻزل والفيضانات والكوارث الطبيعية اﻻخرى. والحرب استطاعت ان تخرب النسيج اﻻجتماعى بفعل ازهاق ارواح مئات اﻻﻻف واﻻعتداءات على اﻻموال واﻻنفس واﻻغتصابات والتشريد وخلق الفتن اﻻجتماعية واﻻحقاد ونسف الهوية الوطنية والمحلية, فسادت بدﻻ عن ذلك الهوية القبلية, وهى هوية هشة, وانتشرت العنصرية وساد البغض بين الناس. واصبحت المجمتعات فى تلك المناطق معدة لتقبل الخطة البديلة وهى اﻻنفصال


ولتنفذ سياسات تخريب بنية المجتمع تم كذلك اضعاف اجهزة الدولة مثل الخدمة المدنية والجيش والشرطة. وبالمقابل اصبح جهاز اﻻمن قويا ينافس الجيش ويقوم احيانا بمهامه. كذلك انشأت اجهزة موازية ﻻجهزة الدولة مثل اجهزة اﻻمن الخاصة والميليشيات ومجموعات البلطجية المنظمة مثل عصابات النقرز. ويتحدث المواطنون عن شخصيات بعينها فى الحكومة وفى الحزب الحاكم باعتبارها مسؤولة عن هذه اﻻجهزة البديلة وعن توجيهها وتمويلها, بل يدعى الناس معرفة اماكن تجمعات افرادها ومراكز بعضها. والسبب هو ان المجتمع السودانى مجتمع بسيط ومتداخل والناس فى المدن يعيشون حياة قريبة من حياة القرى من حيث التداخل والتواصل. والقصد من انشاء هذه اﻻجهزة البديلة هو ارهاب المواطنين وتثبيط هممهم حتى يصلوا الى اقتناع بعدم جدوى اللجوء الى الشرطة والقضاء والصحافة الحرة والبرلمان الذى يرجى منه القيام بدور الرقيب على عمل الحكومة ومحاسبتها. وكمثال على فشل اﻻجهزة الرسمية نجد ان بعض الميليشيات مثل الجنجويد تقوم بتوفير الحماية لمركبات نقل المواطنين فى المناطق النائية وتاخذ من المسافرين مقابلا ماديا لتلك الخدمة


وقد ساهمت اجهزة اﻻعلام فى الترويج لسياسات الحكومة الهادفة الى تخريب المجتمع, حيث اصبح اﻻعلام يركز على عرض حياة اثرياء اﻻنقاذ مثل مظاهر البذخ البين وعادات الزواج الغربية والشرقية وتبذير اﻻموال على الموضة فى اللبس وتصفيف الشعر وغيرها. ولم يكن هدف اﻻعلام من العرض هو النقد واﻻصلاح لكن الهدف هو الترويج. وكان اجدى باﻻعلام ان يعرض ثقافات اﻻقليات التى لا تجد حظها الكافى من زمن البث فى محطات التلفزيون واﻻذاعة. اما سهولة الحصول على تكنولوجيا اﻻتصال والخدمات الرقمية فلم يصبح حافزا لكى تستخدم هذه الوسائل فى التوعية وتنمية الموارد البشرية, لكنها اصبحت وسائل لالهاء صغار الشباب وشغل وقتهم بتفاهات اﻻمور, فاصبح الكثير منهم يستهلك التكنولوجيا وﻻ يقتطع الوقت الكافى من زمنه الخاص لتطوير نفسه علميا. وساهم فى هذه الميول نظام التعليم, وهو نظام بنى اساسا على نهج التلقين الخاطئ, ولم يسع الى التشجيع على التفكير النقدى وتمليك الطالب القدرات والمهارات واﻻستعدادات حتى يتمكن من تعلم كيفية الحصول على العلم


ومن نتائج الحروب الوحشية الزيادة الكبيرة لعدد المهاجرين من دول الجوار والذين جاؤوا بتشجيع من قادة النظام بفعل دعايتهم بان السودان اصبح دولة اﻻسلام التى ساد فيها العدل وعم الرخاء. فتقاطر المتطرفين اﻻسلاميين من كل حدب وصوب, وساعدتهم فى ذلك حدود السودان الواسعة المفتوحة. كذلك ساهم فى تدفقهم اكتشاف البترول والمعادن, واطلاق العنان لزعماء الجنجويد الذين اصبحوا يعيثون فى اﻻرض الفساد. وارتكبت ميليشيات الجنجويد الجرائم الكبيرة والوحشية فى حق النساء واﻻطفال والشيوخ, من اغتصاب النساء امام اعين اﻻهل الى اهانة الزعماء والشيوخ ذوى المكانة, ماديا ومعنويا, وفى اﻻماكن العامة, بقصد اﻻهانة ونزع هيبتهم امام جماهيرهم


وبدلا عن ان يصبحوا قدوة حسنة فى ترشيد استخدام موارد الدولة من اموال وارض وغيرها, اصبح قادة نظام اﻻنقاذ قدوة للبعض فى اﻻثراء من المال العام واكل الحرام ومال السحت. وبانت فى المدن مظاهر الثراء الفاحش التى اصبحت تعيش جنبا الى جنب مع الفقر المدقع. والفقراء يمرون على مراكز التسوق الفخمة واليخوت والقصور الفاخرة وهم ﻻ يملكون شروى نقير, يتسولون ثمن الدواء ووجبة افطار ابناءهم فى المدارس. والمفرح هو انكشاف ثروات هؤﻻء اﻻسلاميين واستثماراتهم الخارجية, فهذه اﻻشياء اصبحت تفضح بسهولة بفضل العولمة وانتشار شبكات التواصل اﻻجتماعى والتكنولوجيا الحديثة مثل اﻻقمار الصناعية

وفى نهاية المطاف فان المواطن العادى هو الذى قدر له ان يتحمل تبعات التخريب المريع الذى طال المجتمع, وثمن فشل سياسات اجتماعية خرقاء. اما المخدوعين من مؤيدى نظام اﻻنقاذ وحزبها الحاكم فقد شاهدوا بام اعينهم كيف ان المشروع الحضارى اﻻسلامى اصبح احلاما تبخرت فى الهواء, وﻻ غرو فالزبد يذهب جفاء. و الكثير منهم رضى من الغنيمة باﻻياب, والبعض اﻻخر اتجه الى كنز اﻻموال والذهب وامتلاك النساء والسعى المحموم وراء ملذات الحياة الدنيا

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 765

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة