04-30-2014 07:16 AM


أصابتني عدوى حمى تعدين النحاس في صبينتي في منتصف الخمسينات بحلة التمرجية بالداخلة الجديدة بمدينة عطبرة. وقد سرت هذه الحمى في جيلي نهرول من لسعها إلى الحفر التي من خلف مستشفى المدينة كلما أطل قطر نفايات ورش السكة حديد بعد ظهر كل جمعة ليرمي بأثقاله في تلك الحفر بغية ردمها. وكان تعديننا للمعدن النفيس يلوثنا ولا نعود منه إلا بحصيلة لا تثمن ولا تغني من جوع متى بعناه لتجار المعدن بالحي مثل بكري وود بدق. ثم اكتشفت ضمن عصبة من الأصدقاء أن بوسعنا الحصول على النحاس بغير عناء تعدينه من تلك الحفر العصيبة. فأخذنا نسرقه من مظانه.
كانت السكة حديد هدفاً للحرامية. واشتهرت سرقة البوهية في ورشة النقاشين. وحكى لي الأخ وراق طه عن زميل لهم نقاش من المولدين (من ذوي الأصول المصرية). فقد قبضوا عليه يحمل في عمود فطوره بوهية بيضاء. فما كان منه إلا أن اخذ شيئاً منها بإصبعه وراح يذوقها بلسانه قائلاً: "والله مِش يا شاويش. والنبي تضوقو حتى." ولا أعرف كيف جازى الشاويش هذا اللص الظريف. وأكثر السرقة كانت لأزيار القاطرات البهية الملساء بلونها البيجي الصقيل وللفلنكة وهي قطع الخشب المستطيلة المسندة التي توضع من تحت الخط الحديدي فتحفظ قوامه. وكانت سرقة هاتين المادتين مما ابتلى الله بهما عماً لنا عٌرف في مستقبل الأيام ب "عم بحري" لأنه هو الذي جاء للدنيا بوظيفة القومسينجي للتاكسي و ابتدع صيحة "بحري نفر". رحمه الله. كان ضاربها برطوش بمتع محدودة دقيقة و مكررة. ولو لم يكن الصبا حالة تستعلي على النصح لامتنعت عن السرقة بالكلية. فما زلت اذكر يوم أخذني الوالد إلى حراسة بوليس السكة حديد بمبنى رئاسة شرطة مديرية النيل الحالية لفك العم بالضمان بعد واحدة من تعدياته على السكة حديد والقانون. وكان الوالد يحب ابن عمه ويريد له الخير. وكان يشترى له أقفاص البرتقال المصري ليبيعها ليكسب حلالاً. وما أجدى ذلك. فقد كان عمي "يموت" بمال البرتقال ويعود إلى عشقه الخطر لفلنكة السكة الحديد. وسيجد قارئ مسرحيتي " السكة الحديد قربت المسافات. . . وكثيراً" أنني استوحيت شخصية "عتيمين " من حياة هذا العم الواقعية جداً والمجازفة والماكرة بما في ذلك مشاركته في الحرب على الجبهة الحبشية في الحرب العالمية الثانية. ومن غرائب الصدف انني كنت في منتصف السبعينات متخفياً من عين الأمن الساهرة على الشيوعيين بمنزل بالديوم الشرقية. وكنت أكتب أيامها فصول مسرحية "السكة الحديد" فإذا بي اسمع صوت عمي بحري بنداءاته المميزة في الشارع وقد عاج إلى خمارة الديوم وعاد منها شبعاناً جداً. ولم ادر ما أفعل. هذا صوت عمي في الشارع وهذا وحيه على الورق. رحمه الله. كان ضاربها جزمة.
ولم انتصح دون سرقة النحاس وقد رأيت حراسة البوليس عياناً بياناً. وربما قال القائل إن الصبي يظن السجن للرجال ممن هم أكبر. ولكننا كنا نعرف جيداً أن مصير المنحرفين ممن في عمرنا هو الإصلاحية. وكنا نعرف بالاسم من مر بمدرستها. صفوة القول إننا ربما كنا "نلعب" على كرت أننا أذكى من أن نقع في قبضة البوليس. ولم يكن هذا مجرد تذاك منا. فقد أعددنا سرقاتنا بذكاء ما زلت أدهش له. لم نترك فرجة للفشل أو مدخلاًً للشرطة أو باباً للإصلاحية. وقد تميزنا بالذات بحكمة في توقيت السرقة لا يخر موية. فقد حدثتكم عن كيف اخترنا لسرقة نحاس جارنا تاجر الحلة ود الحسين وقت القيلولة بعد صفارة الساعة الثانية وغداء المدينة المتعبة. وهو وقت الموت لللمدينة الأصغر.
ولم تتجل مهارتنا في التوقيت وإخفاء الأثر مثل ما تجلت في خطتنا لسرقة أسلاك الإدارة المركزية النحاسية. ولا أذكر هل سرقناها بعد نحاس ود الحسين أم بعده. ولكننا كنا أربعة من الأشقياء حين سرقنا ود الحسين بينما كنت ثاني اثنين في سرقة نحاس الإدارة المركزية. وكان ذاك ربما عام قدوم الإدارة المركزية لعطبرة. فقد تولت السكة حديد إمداد عطبرة بالكهرباء ما وسعها. وكان من ضمن مشروع الإدارة أن تغطي حي الداخلة بالكهرباء. فحتى منتصف القرن وبعده لم تبلغ الكهرباء غير منزل العمدة السرور السافلاوي وجامعه وبعض الأندية الرياضية الثقافية بعد طلب ومعروف. ويلهج القوم بأفضال الاستعمار وهو يحرم أهل الداخلة من جيران الحي الإنجليزي الشعشعاني الكهرباء حتى راح إلى بلده ولملم عدده وساق معه ولده. يا للجيران المغصة. وقد ذاكرنا لامتحانات النقل في المدرسة الوسطى على ضوء الفلاسيات أحياناً وهي أبغض من اللمبة فدخانها لاو وكترابتها قائمة.
علمنا بصيد نحاس الإدارة المركزية. جاء المسكين إلى حتفه بظلفه. ورأينا العمال يودعونه مخزناً بظاهر حلتنا بعد الفراغ من مد الشبكة في الساعة الثانية. ويقع المخزن بمقربة من مدخل ميدان الجولف المسور بشجر البسكت وبظهر شارع العموم عند صينية الكنيسة الأنجليكانية. وهي الكنيسة التي تحولت إلى مكتبة باسم السكة حديد (ثم متحف السكة الحديد حالياً) وكان يتعبد فيها الموظفون الإنجليز يصلون لرب غير رب رعيتهم في علمانية مفترية. وشارع العموم روض عجيب من عجائب الدنيا. كانت تظلله أشجار اللبخ بل تسقفه من أوله إلى آخره لا تتطفل على ظله الظليل نفثة شمس من تلك التي تزدهر فوق سماء عطبرة أبدا. وقد رأيت الشارع قبل أسابيع خلال زيارتي للمدينة. وبقي منه الهيكل وتبخر الرواء.
كان مخزن الإدارة المركزية من نوع مبانيها التي تحمي بها أُمياتها. وكانت الصفة التي تهمنا في المبنى هي بابه. فهو بوابة من السيخ لها فرجات تأذن للأيدي بالتسلل عبرها إلى المعدن النفيس. وكانت الخطة أن ننفذ بأيدينا إلى لفائف السلك النحاسي المضفور بالبلاستيك بالمخزن ونبدأ في جرجرته من رأسه أو ذيله لا فرق حتى نبلغ الغاية منه ثم نقطع خيط الصرة النحاسي النفيس هذا ونحمله إلى دار زميلي الأقرب إلى مسرح السرقة. وكان أنبه ما في خطتنا هو التوقيت الذي أصبح ميسماً لسداد عملياتنا. وكان توقيتنا هذه المرة ماكراً كافراً. فقد كان الوقت رمضان واخترنا أن نرتكب خطئننا هذه بعد ضرب مدفع الفطور مباشرة. ولم أر مدينة تفرط في نحاسها مثل مدينة عطبرة حين يدعوها داع التقوى تاركة شياطنيها المشوطنة تتسيد الموقف. لقد نفذنا إلى المخزن أكثر من مرة خلال الشهر المبارك ولم يزوال لنا ولا زوال.
وشملت عنايتنا الماكرة مرحلة التسويق بعد أن أحسنا صنعاً في مرحلة "الإنتاج". فقد قضينا سحابة يوم كامل بركن من منزل فردتي ع م ح نقشر السلك النحاسي من لحائه البلاستيكي. ثم عكفنا عليه نقطعه إربا وننظمه في هئية لفائف صغيرة. ولم تنته براعة الشبل بندر (في قول السيد طه حمدتو) عند هذا الحد. فقد خشينا أن نسقط في حبائل الشرطة متى شك تجار النحاس في مصدره للمعة الجدة عليه. فتوقينا لذلك بأن أوقدنا ناراً والقينا فيها بلفائف النحاس البكر حتى تنازلت عن لمعة جدتها وأسودت كما ينبغي لنحاس الحفر. وبعنا النحاس وقبضنا القروش والباقي حكاية تروى.
قال ممثل أمريكي لا يطيق مع الأطفال صبراً في حلقة من مسلسل "كلام اتنين والتالت بره" الذائع الصيت : "إنني لا أحب الأطفال وقد كرهت نفسي حين كنت طفلاً". وحين استرجع طفولتي وشغفي بالنحاس وخروجي على القانون طلباً له لا أقول إنني كرهت نفسي حين كنت طفلاً. فأنا أميل للقول إن الطفولة وشقاوتها ربما كانت عالماً لا زلنا ندخل عليه مدخل سذاجة ووصاية وإدعاء. وقد احتجت لخبرة مكر طفولتي في أطوار مختلفة أخطرها خلال احتجابي عن أمن نميري لأعوام خمس كادحاً نحو مبادئ في الاشتراكية ونصرة غمار الناس. كنت أحف حركتي بسيناريو دقيق لكل الاحتمالات ما وسعني قبل أن أخطو إلى المهمة. وهذا بعض علم سرقة النحاس الطفولي.

[email protected]

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1371

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#990933 [أبوسن]
0.00/5 (0 صوت)

05-01-2014 04:13 PM
تغنن اماتنا وترنمن بالقول شكسنا .. على الله . وداحمد جبارة سرق .. محفظتى بى مصروفها شاله ..شكينا على الله .. ياسراق النحاس .. يعنى سرقتنا نحن كانت ملىء بطن مباشرة من بركاتن جنائن سيدى ... عاتبنى احد شذاذ الافاق من ابناء العمومه قائلا ( مالك ) نسيت ياحمدصالح سرقتكم لى ماقات كروم الحبلى .. ع العموم النفوس الطيبة .. ماكانت شريرة ..قديما ابلغونا جماعه .. النعيم وداحمد ان سرق.. اسرق جمل وهذا هو منهج اهل التمكين .. سرقات بالميارات وكمان دولارات وبعدين خللوه .. مش خللوه على طريقة عادل امام !!

مع تحياتى


#989835 [sami]
0.00/5 (0 صوت)

04-30-2014 02:23 PM
هذا من دواعي التصالح مع الذات فلا بأس به

ولكن يا دكتور مواقفك الحاليه من الإنسانية التي تدثرت بها زما تحت غطاء الإستراكية فيها كثير من الضبابية خاصة ايرادك لموقف زيد من الناس للنابغة منصور خالد في شأن دعمه لقضية جنوب السودان دعك من هذا.... بإعتبار أن الجنوبيون لا يستحقون الدعم ..... خوفك من مذابح يمكن أن يتعرض لها رهط من قومك إن هم كرمو

..... هذا عيب كبير علي من يدعون المعرفه ويناضلون من أجل رفعة الإنسان ...


ردود على sami
[بكري] 05-01-2014 03:00 PM
فعلا الدكتور بهجومه الشرس على منصور خالد وضع نفسه في زاوية ضـيقة.. في رأيي أن منصور خالد لم يقدم للبلد ما يستحق عليه الثناء والاشادة لكنه مع ذلك زول ما هـين ككاتب وباحث صاحب اسلوب متفرد ومفكر ولهذا ينطبق على دكتور عبدالله على ابراهيم المثل (الما بتلحقو جدعو).. ويكفي ان منصور لم يلتفت أو يأبه لمقالات عبدالله المتتالية وهذا منتهى الازدراء... حليلك يا د. عبدالله وحليل استاذك عبدالخالق الذي لو كان حيا لزجرك وقرعك حتى لا تتطاول على مثل منصور ومثله قليل نادر..


#989469 [تربال]
0.00/5 (0 صوت)

04-30-2014 10:28 AM
يادكتور عبدالله اظنك سرقت نحاس عطبره كلو ماخليت شي ، يكون عندك سرقات تانية غير النحاس بس ماعايز تعترف بيها..


#989346 [فاربن جبل]
0.00/5 (0 صوت)

04-30-2014 09:06 AM
يَقُولُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم :

" كُلُّ أُمَّتِي مُعَافى إلاَّ المُجَاهِرِينَ ، وَ إنّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ،

ثُمَّ يُصْبحُ وَ قَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ ، فَيقُولُ : يَا فُلانُ ، عَمِلت البَارِحَةَ كَذَا وَ كَذَا ،

وَ قَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ، وَ يُصبحُ يَكْشِفُ ستْرَ اللهِ عَنْه "

مُتَّفَقٌ عَلَيهِ

المجاهرون: الجهر ضد السر ،

أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر الله عليهم


#989330 [فاربن جبل]
5.00/5 (1 صوت)

04-30-2014 08:47 AM
الفضائح لزوما شنو طالما الله سترك دا كلام ينكتب؟؟؟؟؟؟؟47


#989302 [اركماني]
0.00/5 (0 صوت)

04-30-2014 08:27 AM
متعك الله ,,سرد جميل واجمل مافيه هوالصدق يعني القصه دي لو كانت خيال كانت حاتكون بايخه ,,لكنها الان فوق للمتعه,, انا متابعك من الاول ومنتظرين المذيد انت الظاهر يا دكتور حاتخطف الاضواء من استاذ شوقي بدري الرجل العظيم


ردود على اركماني
United States [Saim] 05-01-2014 03:13 AM
يعني قلت تحلل يا عبدالله من خفة اليد بأثر رجعي طيب كمان عشان تكتمل الطهارة قدم اعتذار كامل الدسم حتي ع موافقك


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة