05-04-2014 10:33 PM

نشأت في كنف حلة المحطة بعطبرة قي سنوات آخر الأربعينات وأوائل الخمسينات. وقلت في مناسبة أخرى عن أثر هذه التربية في رؤيتي وفكري. فحلة المحطة هي بيوت للمستخدمين المسئولين بصورة مباشرة عن مسير القطارات من عطبرة: قطب السكة الحديد، ، إلى أرجاء السودان العريضة. كنا في مركز الدائرة "نبعث الشعاع من محط" أو كما قال التيجاني يوسف بشير. كنا نتعارف في المحطة كشايقية مثل آل عبد الباري أو جعليين مثل آل الأمين أو حلفاويين مثل أهل صديقنا عبده. ولكننا لم نجتمع في الحلة مبعوثين من قبائلنا بل اختارتنا مصلحة السكة حديد لنؤدي وظيفة نتناصر فيها ليغادر القطار المحطة العتيدة في خاتمة الأمر. فمنا من جاء من قسم السيمافورات أو الهندسة أو الورشة أو الدريسة. وكان والدي ناظر المحطة ذات نفسها.
لذلك أجد عنتاً حين يحاول بعض الناس التعرف على سياستي من واقع إني رباطابي وقيل شايقي. والحق إنني بديري من جهة وشايقي من جهة أخرى. بل أجد "هذيان" الناس حول نسبتي دليلاً على فساد تسييس "القبيلة". فقد تربيت في كنف "بادية" الشايقية الحاجة جمال ورضعت إمالة لغتها المجلجلة . وآ شريري. ولا أعدل بالقراصة طعاماً وللدليب مسرب خطير في نفسي. ولكن ما دخل هذا في بناء وطن للجميع؟ إن "القبيلة" بعض هويتي واتمنى حين نأتي بها إلى عرس الوطن أن تكون فالاً لا ضلالاً.
لا أجد بين ذكرياتي من قامت على نعرة قبلية سوى تلك التي بحي الداخلة. وسأحكي عنها لاحقاً. كان لنا كأطفال دوراً معلوماً في رمضان حلة المحطة. كان أهلنا يبعثون بنا إلى السوق لنشتري لهم بليلة اللوبيا العفن. ولم تعد تلك بليلة رمضان منذ جاء الكبكبي وهذا الحب الصغير الكاكي الذي أعجزني مضغه. ولم أجد اللوبيا العفن معروضاً في السوق بقدر ما سألت عنه في رمضان الماضي. وكانت المهمة الثانية أن نتحلق خارج الحلة ونظرنا مصوب على مئذنة جامع عطبرة العتيق ننتظر الإذن بالفطور. وكان الإذن يأتينا في ومض لمبات معلقة بأعلى المئذنة لا بالآذان. فنتسابق إلى الحلة المختصرة نتصايح: "ولع ولع ولع". فيفطر رجال البرش ونقتحم البيوت بسر الكهرباء وفرجها.
من ذكريات العيد ليلة لا أنساها سميتها "ليلة الكٌبَاكا". والكباكا "جمع كبك". بالطبع تعلق قلبنا بكرة القدم. وكان لنا فريق باسم الحلة يتبارى مع فرق حلال أخرى من بينها حلة الداخلة "الشعبية". وأذكر أن أحد لاعبينا جاء للعب بكبك قماشي فأستنكر لاعبو الداخلة ذلك وعدوه ضرباً من تحت الحزام. وكنا أكثر نعمة منهم وأبطر. ولا أدري حتى اليوم كيف اخترنا أن تكون كباكة القماش نعلنا لعيد من الأعياد. أعتقد أن أحدنا اشترى كبكاً للعيد. فتسامعنا النبأ. وأكلت الغيرة منه قلوبنا الصغيرة. فبدأنا حصار الآباء وأدميناهم بالإلحاح والبكاء. ثم تواترت أخبار نجاح الحملة وسقوط مقاومة الآباء. فقد جرجرناهم واحداً بعد الآخر إلى محل باتا الأنيق بمدخل السوق من الورشة لشراء هذا النعل المبتكر في العيد. سقط حاج الأمين وفاز الخير بكبك. سقط محمد عبد الباريء وفاز عثمان وعبد البارئ بكبك. وسقط الحلفاوي في نهاية المربوع وفاز عبده بكبك وسقط علي إبراهيم وفاز عبد الله وعابدبن بكبك. وانهارت هذه القلاع الأبوبة كل في توقيته الخاص. وكانت الأنباء تأتيك ممن تزود.
ولكن فرح ود سائق الموتسكلي بالغ. فقد حرج علينا بكدارة رسمي . . . بكدايس. وهي من مصنوعات عمنا المليجي عند قهوة الإبس. ربما انتبهنا حتى على صغرنا أن فرحاً قد حمل المسألة إلى حدودها اللامعقولة. تبالغ يا فرح!

ibrahima@missouri.edu

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1435

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#994088 [همام حامد]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2014 02:15 PM
من المعروف عننا كسودانين بخلنا الشديد بكتابه سيرنا الذاتيه مما افقدنا تاريخا عزيزا ومهما وايضا فقدنا تجارب ثره كانت ستستفيد منها الاجيال القادمه
نامل ان يتحفنا جميع علمائنا ومثقفينا بسيرهم الذاتيه حتي نوثق لتاريخنا


#993649 [Gashrani]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2014 07:38 AM
أفرض يا دكتور أنك أمريكي عديل كدا شنو يعني خليك من بديري ولا شايقي.


ردود على Gashrani
United States [فاروق بشير] 05-05-2014 03:30 PM
Gashrani
واضح من التعليقات هنا وعلى المقالات الاخرى, ان شحنا مصادا لدكتور عبد الله يثمر هذه التعليقات.
المؤكد بشكل قاطع ان د. عبد الله لا يتكسب اي كسب من اي جهة سياسية مقابل مواقفه.
وانت استاذ Gashrani واضح انك لم تلق بالا لما هو مكتوب امامك.
النص يقول ان علاقات العمل بين الناس هي التى تشكل هويتهم وليس القبيلة.
وانت فى امس الحاجة لتفهم هذا وتتعلم .بدون هذا الفهم انت وغيرك يكون فى متاهة وتعميمات. ولا استبعد انك تفهم ان القبلية ستنتهي بموعظة, وربما تقلب الصفحة على سؤال القبيلة وتتركه للغموض.
وان شئت انت والدنقلاوى كتابات عن الفساد فهاكم :
الطيب مصطفى
عثمان ميرغنى.
والافندى.



عفوا عبد الله احمد محمد

United States [e.ibrahim] 05-05-2014 12:41 PM
قمنا للمساخة، يا حماعة الخير دة مقال روائي والتعبير قصصي ممتع، شوفو كل كتاب البلاد الاخري الناس بتسرد القصص كدة، في شنو!! ما بعرف متحسس من شنو ياابن العم


#993585 [عبدالله احمد محمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2014 02:34 AM
كل الشكر يا بروف علي المقالة الرائعة و يا حليل باتا و لباس الكبك و جزم باتا الحمراء


ردود على عبدالله احمد محمد
United States [فاروق بشير] 05-05-2014 03:26 PM
واضح من التعليقات هنا وعلى المقالات الاخرى, ان شحنا مصادا لدكتور عبد الله يثمر هذه التعليقات.
المؤكد بشكل قاطع ان د. عبد الله لا يتكسب اي كسب من اي جهة سياسية مقابل مواقفه.
وانت استاذ Gashrani واضح انك لم تلق بالا لما هو مكتوب امامك.
النص يقول ان علاقات العمل بين الناس هي التى تشكل هويتهم وليس القبيلة.
وانت فى امس الحاجة لتفهم هذا وتتعلم .بدون هذا الفهم انت وغيرك يكون فى متاهة وتعميمات. ولا استبعد انك تفهم ان القبلية ستنتهي بموعظة, وربما تقلب الصفحة على سؤال القبيلة وتتركه للغموض.
وان شئت انت والدنقلاوى كتابات عن الفساد فهاكم :
الطيب مصطفى
عثمان ميرغنى.
والافندى.


#993569 [الدنقلاوي]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2014 01:26 AM
بعيداً عن فيضانات قضايا الفساد
وبعيدا عن هوجة الحوار الوطني وحوار الحكومة والحركات المسلحة
وبعيدا حتى عن قضايا الفكر والثقافة
ها هو البروف الدكتور رئيس اتحاد الكتاب السودانيين (وأحد الحالمين برئاسة السودان)
يواصل ابداعاته في أنثربولوجيا السفاسف


ردود على الدنقلاوي
United States [e.ibrahim] 05-05-2014 12:50 PM
علي الاقل الراجل اخد ليه منحي اخر لعل هناك من يستانس ويستمتع بالانثروبولجيا، اما من هم قريبا لفيضانات قضايا الفساد قريبا من (عن هوجة.....) قريبا من(عن قضايا...) فهم كثر ممكن تلاقيهم جوة اضانك


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
2.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة