05-09-2014 07:53 AM


وضع التعليم فى السودان يثير قلق الجميع. ومع ذلك لا يتحرك من هم فى قمة المسؤولية تحركا مناسبا يساهم فى انقاذ الوضع المتردى. وبالرغم من ان مؤتمر الاصلاح التعليمى الذى انعقد فى ديسمبر عام 2013 قد اتى بتوصيات جديدة لتحسين النظام التعليمى الا ان الجدل مايزال قائما, وما يزال الخبراء والمثقفين السودانيين يتناولون الحال المتردى للتعليم فى السودان, ويقدمون الرؤى المستنيرة والحلول المبتكرة والدراسات المفيدة. لكن لا قرار عام 2012 باضافة سنة دراسية, ولا الدراسات والكتابات الكثيرة اتت اكلها, او ظهر منها ما يدل على انها اثرت على المسؤولين حتى يقومون باجراء تغييرات جوهرية تدفع بمسيرة التعليم الى الامام. والمقترحات التى اوصى بها الخبراء والكتاب لن تصلح شئ ولن يصلح عطار مؤتمر 2013 ما افسده الدهر


الدول المتقدمة تهتم بتحسين اداء التلاميذ, فنجدها تستخدم مقاييس عالمية لاختبار التقدم العلمى فى مستوى الطلاب. السودان لم يهتم بهذا, لكن العكس حدث فى بعض الدول من حولنا فى الوطن العربى وافريقيا حيث ظلت تلك الدول منذ سنوات عديدة تهتم وتسعى الى فعل الكثير من اجل تطوير التعليم وتحسينه. فعلى سبيل المثال نجد ان الاردن وتونس وقطر والامارات قد انضمت منذ سنوات الى نظام بيسا التابع لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية,OECD. ونظام بيسا يقيم اداء التلاميذ من عمر 15 سنة فى القراءة والرياضيات والعلوم. فهنالك دول حقق فيها التلاميذ 500 درجة فما فوق وهو مستوى اعلى من المعدل المطلوب, امثلة لذلك سنغافورة وكوريا واليابان و4 مقاطعات من الصين هى هونج كونج وشانقهاى وماكاو وتايبيه, ثم كندا واستراليا ودول اوربا الغربية وامريكا. وفى تقييم عام 2012 نال تلاميذ الاردن فى القراءة 386, علما بان المتوسط المطلوب هو 496, وفى الرياضيات 386 من 494, وفى العلوم 409 نقطة من 501. وقد حققت الاردن زيادة كبيرة عن التقييم السابق وهى 75 درجة فى القراءة و21 درجة فى الرياضيات و 43 فى العلوم. اما قطر فنال تلاميذها 381 فى القراءة وفى الرياضيات 376 و384 فى العلوم. اما تونس فكانت نتائجها 404 فى القراءة و388 فى الرياضيات و398 فى العلوم, وهى كذلك حققت زيادة كبيرة مقارنة بنتائج التقييم السابق. واخيرا الامارات حقق تلاميذها 442 فى القراءة و434 فى الرياضيات و448 فى العلوم. اما مصر وبقية الدول العربية فهى غير مدرجة فى نظام بيسا, لكن مصر اختطت برنامجا للاصلاح التربوى للفترة من عام 2011 الى عام 2017, ويهدف الى اصلاح التعليم المهنى والتقنى واساليب التدريب وتحسين سياسات التعليم والبحث العلمى. وهو برنامج تساعد فيه اليونسكو ومنظمات اخرى. وهنالك نظام تقييم اخر هو نظام كيو اس ستارز لتقييم الجامعات والذى نشرت نتائجة لعام 2013 , فقد نالت الجامعة الامريكية بالقاهرة وجامعة القاهرة وجامعة عين شمس المراتب الثالثة والسابعة والتاسعة فى الترتيب الافريقى الذى سيطرة جامعات جنوب افريقيا على بقية مراكزه المتقدمة على المستوى الافريقى


وبرغم المساعى الجادة, الا ان العالم العربى يعانى من ضعف بين فى مستوى التعليم. وفى مقال للدكتور فاروق الباز, العالم المصرى الشهير, نشرت ترجمته فى مدونة جامعة النجاح الفلسطينية, ذكر الدكتور عدة اسباب لتخلف العرب فى مجال العلوم منها الضعف وعدم الكفاءة فى السعى نحو المعرفة واكتشافها, وقلة الانفاق على التعليم والبحث العلمى, والفجوة الرقمية الكبيرة حيث يشكل استخدام الانترنت حوالى 1%. وهو يدعو الى التعاون مع الدول المتقدمة والجامعات ذات السمعة العالمية لتحسين مستوى التعليم واصلاحه. والثابت ان الكثير من الجامعات الغربية وجامعات دول اسيا الناهضة لها سمعة ممتازة فى مجال البحث العلمى



فى الدول الغربية تهتم برامج الاصلاح التربوى بموضوعات مثل التعدد وتحسين وضع الاقليات والفقراء وكيفية استيعابهم, وكذلك بتحسين المدارس من حيث البنية التحتية المزودة بالتكنولوجيا, والفصول صغيرة العدد التى لا تقبل اكثر من 30 تلميذ. ومن موضوعات الاصلاح ايضا تحسين وضع المعلم والتدريب قبل واثناء الخدمة, والبيئة المهيأة للتلميذ من ناحية الانضباط والسلوك, والمجتمع المتواصل مع المدرسة والمتعاون والمشارك فى العملية التعليمية. والتعليم اصبح لا يتم فى المدرسة فقط, بل تستفيد الحكومات من اجهزة الاتصال المختلفة لتقدم موادا تعليمية, فى الاذاعة والتلفزيون والانترنت والمكتبات العامة وغيرها. والمؤسسات التعليمية تهتم بانشطة ما بعد المدرسة بنفس القدر الذى تهتم فيه بالنشاط المدرسى. والاساس فى النظام المدرسى والجامعات هو التنوع والحرية, فنجد ان المدارس حرة فى طريقة تنفيذ المنهج, وتختار الطريقة المناسبة لظروفها وتختار الكتب وفلسفة التربية ولا تلزم المعلمين باساليب معينة للتدريس. وفى فنلندا يهتمون كثيرا بالمعلم من حيث التدريب والراتب المجزى وظروف العمل المريحة, وتهتم الدولة بالبحث العلمى, حيث اصبحت نسبة كبيرة من عائدات هذه الدولة تعتمد على اقتصاد المعرفة


الاصلاح التعليمى يركز عادة على العملية التعليمية ومخرجاتها مثل اصلاح نظام التعليم والمناهج وبناء القدرات والبنية التحتية وتحسين البيئة المدرسية وتحسين الانجاز ووضع معايير ممتازة للتقييم وتطوير البحث العلمى وغيرها. كذلك قد يركز مشروع الاصلاح على الهوية والمبادىء والقيم, مثلما حدث فى مشروع اصلاح التعليم فى السودان عام 1990 . وكان منطلق القيمين على ذلك المشروع هو حرصهم على فرض نظرتهم الشمولية للعالم وهى نظرة تعتبر هوية السودان عربية اسلامية ولا تعير واقع التعدد والتنوع الثقافى والاثنى والدينى اى اهتمام, لذلك اتت مخرجات ذلك المؤتمر منسجمة مع الرؤية الشمولية. واسوأ ما خرج به المؤتمر هو تعديل النظام التعليمى, او ما يسمى بالسلم التعليمى, حيث اصبح 8 سنوات فى مرحلة الاساس مضافة اليها 3 سنوات للثانوى, ليصبح المجموع 11 سنة عوضا عن 12 سنة فى النظام السابق, مع اطالة السنة الدراسية. بعد المؤتمر صدر امر رئاسى بان تكون اللغة العربية هى لغة التعليم الوحيدة فى الجامعات. ثم تلى ذلك قرارت ومنشورات توطد النظرة الشمولية الاحادية وتدعمها, وفيما يلى امثلة من منشورت وزارة التربية الاتحادية

ترسيخ العقيدة والقيم الدينية وتركيز القيم الاجتماعية القائمة على دوافع العمل الصالح والتقوى
بناء مجتمع الاستقلال والتوكل على الله والاعتماد على النفس

مصادر غايات التربية: من اصول الثقافة العربية والاسلامية والافريقية, وبخاصة تلكم الثقافة التى اغناها الدين باقيم الانسانية


هذه الامثلة هى فى الحقيقة جزء من ادبيات الحركة الاسلامية المسيطرة على زمام السلطة فى السودان. وبغض النظر عن استحالة قياس التقوى, وتكذيب الواقع لدعاة التوكل على الله, ومنهم من يسرق نهارا جهارا, نجد ان تلك الشعارات لم تساهم فى اصلاح واقع التعليم المزرى. والمؤكد ان الاسلام يشكل عنصرا اساسيا من مكونات الهوية للغالبية العظمى من السودانيين, لكن الواقع الحقيقى لا يدعم الادعاء بوحدة الهوية السودانية فى بلد مزقته الحرب الدينية والعرقية. والسبب فى اطالة الوضع المزرى هو ان السلطة المركزية تشن الحرب على المخالفين لها فى الراي, ولا تعترف بواقع التعدد ناهيك عن احترامها للاقليات ورعايتها وحمايتها لهم. وفى اتفاقية السلام الشامل الموقعة بين الحكومة والمعارضة المسلحة عام 2005, حدث تغيير مهم فى نظام التعليم وهو الاتفاق على ان يكون التعليم العالى باللغة الانجليزية. ومن نتائج الاتفاقية ان طالبت المناطق التى تخضع لسيطرة الحركة الشعبية, وكذلك طالبت جماعات فى شرق السودان, بالسماح لها بتدريس اللغات المحلية فى المدارس. لكن تنفيذ التغييرات تعثر


وبالرغم من انفصال جنوب السودان الا ان فترة السلام القصيرة كانت مؤثرة. و جاء المؤتمر القومى للتعليم فى فبراير عام 2012, ليوصى باضافة سنة الى النظام التعليمى. اما مؤتمر واقع التعليم الذى انعقد فى الخرطوم فى ديسمبر 2013 , فقد جاء بمخرجات مختلفة تماما عن مؤتمر عام 1990 الحكومى, ومن ذلك


تقوية الانتماء الوطني

حسن ادارة التعدد العرقي والتنوع الثقافي للمجتمع .

إعلاء قيم التعليم الفني والتقني وربطه بالواقع المحلي

ترسيخ مفهوم المسئولية الاجتماعية والمشاركة المجتمعية

غرس روح التغيير والابتكارفي العمل لدى الطلاب


وبالرغم من ايجابيات المؤتمر الاخير الا ان اضافة سنة دراسية الى التعليم الاساسى لن تؤدى الى اصلاح حقيقى, فمدة التعليم الثانوى, وهى 3 سنوات, قصيرة جدا بالمقارنة مع دول متقدمة, مثلا فى انجلترا المرحلة الثانوية 5 سنوات وفى هولندا هى 5 سنوات وقد تمتد الى 6 سنوات. والاصلاح المطلوب هو اعمق من زيادة سنوات الدراسة. والمشاكل الكثيرة التى تواجه السودان بسبب تدنى مستوى التعليم, ماثلة للعيان. وكان هنالك نقاش يدور قبل سنوات عن جدوى استقدام العمالة من الخارج, خاصة العمال والفنيين الذين يعملون فى قطاع النفط, مع العلم ان السودان به نسبة بطالة عالية. لكن الدافع الرئيسى كان الحوجة الكبيرة لكوادر فنية لم تستطع مؤسسات التعليم السودانى توفيرها


المشاكل المتراكمة فى قطاع التعليم كثيرة, فما زالت نسبة الامية 40 %, ووزارة التربية تقول ان نسبة الاستيعاب فى التعليم قبل المدرسى متدنية جدا و لا تزيد عن 50 % باستثناء ولايتى الخرطوم والجزيرة, و التسرب المدرسى يبلغ 15 % . اما نسبة الاستيعاب فى تعليم الاساس فهى 50% فى الغالب ولا تزيد عن 60 % الا فى ولايات الخرطوم والشمالية ونهر النيل والنيل الابيض. والتعليم الخاص يتوسع ويتفشى بدون ضوابط, و المناهج فقيرة والتقويم اكثر فقرا. اما البيئة المدرسية فهى بائسة, وهنالك كم هائل من مدارس الارياف يجلس فيها الطلاب على الارض وبعضها بلا سقوف تقى الاطفال لهيب شمس السودان الحارقة


الاصلاح الحقيقى لا يحدث بكتابة التقارير والدراسات النظرية وانما فى التنفيذ. والتنفيذ يتطلب ارادة سياسية قوية تحول قرارات ومخرجات المؤتمرات الى سياسات وبرامج يسهر المسؤولون على تنفيذها. والسودان ليس فقيرا فيما يتعلق بخبراء التعليم والمختصين فيه, لكن السياسيين لا يمتلكون الارادة والرؤية الثاقبة والرغبة الحقيقة الطموحة الساعية بجد الى تنفيذ سياسات الاصلاح. ويبدو ان وزيرة التربية لم تستوعب معالم سياسات التعليم فى دول العالم المتقدمة حينما اشادت بقرار اضافة عام دراسى الى مرحلة الاساس وساقت له المبررات. وهى كذلك لم توضح فى مؤتمرها الصحفى فى نهاية ابريل الماضى الكيفية التى تعاد بها المرحلة المتوسطة الى نظام التعليم فى السودان. والمنطق يؤكد ان المرحلة المتوسطة هى الجزء الاخير من مرحلة الاساس, لان سنوات الثانوى الثلاثة لا يمكن تقسيمها الى مرحلتين


والمسالة ليست ترفا فكريا, ولا تتحمل التاجيل حتى تستطيع الوزيرة المتانية توفير الوقت الكافى لتفكر بروية وتقوم بالاصلاحات الضرورية فى التعليم, فنحن نحتاج الى ان ننقذ اقتصاد بلادنا المتردى وندفعه الى الامام. السياسيون فى الهند لا يتصارعون لفرض هوية احادية, بل يدعمون واقع التعدد والتنوع, ولا يهمهم ان يحكم البلد هندوسى او مسلم او سيخى ما دامت صناديق الاقتراع هى الحكم. والمحرك الاساسى لتطوير التعليم فى الهند هو الحوجة لدفع الاقتصاد خاصة اقتصاد المعرفة, وكذا الحال فى سنغافورة وماليزيا وكوريا وجنوب افريقيا وتركيا والصين والبرازيل. الاقتصاد العالمى اصبحت السيادة فيه لمن يمتلك المعرفة. الاستثمار اصبح موجها نحو العقول وامتلاك المعرفة والتكنولوجيا المتطورة والمقدرة على ابتكار الجديد واستخدامه. واصبح العلماء والمهندسون ينتجون البرامج والابتكارات الكفيلة برفع الانتاج ومضاعفته حتى تبلغ العائدات عشرات المرات اكثر من عائدات الانتاج التقليدى, خاصة فى المجال الزراعى والصناعى. وفى مقال دكتور فاروق الباز المشار اليه انفا ذكر العالم المصرى ان صادرات فنلندا تعادل صادرات جميع الدول العربية اذا استثنينا البترول والغاز


فى بعض الدول النامية لا يلقى الوزراء اللوم على الفقر وقلة الامكانيات. ففى الهند وسريلانكا نجد الكثير من التلاميذ الفقراء, لكنهم يحققون نتائج جيدة فى المدارس. ومنهم من يستخدم الالواح الخشبية فى الفصل لانه لا يقوى على شراء الدفاتر. والوزراء واولى الامر يشجعون التلاميذ على التحصيل الجيد ويرسمون السياسات التى تعين على ذلك. ففى جنوب افريقيا وفى الهند هنالك سياسسات رسمية لدعم المجموعات الفقيرة والاقليات, فمثلا يوجد هنالك نظام كوتة يضمن دخول عدد مقدر من الفقراء الى الجامعات المميزة. والسياسات الثابتة والمدروسة اتت اكلها, فحسب ما نشره موقع صيانس ووتش عام 2008, نشرت الجامعات الهندية 17 الف بحث علمى سنة 2001, و 20 الف فى سنة 2003 ثم 27 الف بحث سنة 2007 . هذا بالتاكيد نتاج سياسات طموحة, وقد تؤدى هذه السياسات عما قريب الى زيادة عدد البحوث الى اضعاف عددها فى سنة 2001. الدول ذات الاقتصاديات التى تنمو بوتيرة سريعة, مثل جنوب افريقيا وتركيا والبرازيل والصين, لا تتوقف عند المشاكل بل تمضى الى الامام وتعمل بجهد كبير لتحسين التعليم وتطويره

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 993

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة