المقالات
السياسة
شاعر الشعب لن يحتجبْ ..
شاعر الشعب لن يحتجبْ ..
05-16-2014 12:26 AM



شاعر الشعب لن يحتجبْ

من فاهِك يخرُج الغصن،
وتُمسكُه حَمامة.
من نظر مُحيَّاكَ يأتي الخير برداً رقيقاً على البشرة،
وتأتينا السلامة.

في البدء لم أكن أعرف أن طائر الرفراف أو الذعرة أو العقعق أو الحسّون جميعاً أقصر عُمراً من العُقاب. أنتَ أيها الشاعر عصفور كناري وقد حطَّ على دروبنا، لم أكن أعرف أن عمري اليوم أطول من عمرك، تتركنا أنتَ في رُكن الشقاء نصطلي وترحل هَمساً.
*
كانت الدُنيا عندما التقينا حزمة عِشق رغم المُصائب . كانت الدُنيا ذات سعة وبالناس أرحب. أنت نجمٌ يستضيء صُحبته به. مستبشرٌ حيث نجدك، في مجلسك وفي أنسك وفي سجيّتك، وكأن الأفلاك تدور حول غيرك لا أنتَ.
*
كنتَ مركز إشعاع إنساني لم نكُن نحلم بوجودك في زمان هيمنة الأقدام الهمجية. عواطفك سباقة إلى المستقبل، تُكشف لك الدروب واضحةً، ونفسك أبيّة. لم يجد الكذب طريقاً إلى قولك ولا فعلك. من الصعب علينا دائماً أن نتحدث عن أبطالنا الحقيقيين، إذ اعتاد مجتمعنا أن يذكر المحاسن من بعد الرحيل، ولكنا كتبنا عن بطولتك عندما كنت بيننا. هينٌ تستخفك بسمة الطفل والذين أضعفتهم الحاجة، وخرقنا عادات ورثناها تحجب الشُكر عن الذي يستحق في حياته وكتبنا عنك نطلب لك الشفاء، حين تجمعت الأشتات في محبتك، وأجبرتك أن تستشفي خارج وطنك، تحفك الدعوات.
*
أدمعه قريبةٌ إلى المحاجر، وحين الشدَّة والبأس يكون صابراً مبتسماً. تعوّد المحابس الظالمة، وحولها فضاءً حُر، وغلَّف السّجان الأعظم بالندم والبؤس، و لم يستطع أن يُكسر أرادة كانت هي زاد الشاعر في دُنياه وكانت الكرامة رزقه الذي به يعتاش. اعتاد أن يصنع من السجون بؤرة لقاء حُر، ومدرسة للبطولة الشعبية، وصلة واجدة بين الذين يجمعهم الطريق الذي اختاروه ليكونوا ملحاً للأرض، وبلسماً للفقراء.
*
هو إنسان في صورة الخليقة الأولى بنقائها الذي قرأنا عنه في أقاصيص الزمان ووجدناه في شخصه ماثلاً للعيان. لم تُجفف أنهُر عواطفه المتدفقة طارئ حزن، ولا يعرف إلا الأحزان التي تُفقده صديقاً، رفيق درب أو فقيراً أخذته العُسرة، أو مريضاً أفحل داؤه ولم يجد هو سبيلاً للمساهمة في علاجه، وله عناية خاصة بالمرأة الضمير المظلوم أبداً في مجتمعنا. أول مرة تلقاه، تُصبح صديقه، وتحسّ أنك الأقرب. وعندما يمرّ الزمان تكتشف سعة محبته وكثرة أصدقاءه، من كل جنس ولون. تُسجِّل كاميرا عيونه صورتَك في القلب مباشرة، ذلك المصباح الذي يضيء محبة، يوقد ولو لم تمسسه نار.
*
لم يكُن محجوباً عن الناس ولا عن شعبه. هو ورقةٌ بيضاء مكشوفة، كالشامانيين النُسّاك في التّبِتْ. لسانه ينطق بما في قلبه وأفعاله أكبر من سعة الحديث أو دفاتر الكُتب. هو صنيعة مجتمعٍ بدأ نشأته في حضن الأم الأولى ثم الأمة كلها، وصنع من نفسه مربياً ومعلماً عندما أقبلت الحياة بريحها ورياحينها. واختار أن يكون ابناً باراً بشعبه، الذي يثق في قراراته وحكمه، ثقته في نفسه. وأفسح لنفسه مكانة سامقة بين الجميع.
*
هو بطل من أبطالنا الذين كانت في ماضينا الجدَّات تحكي بطولتهم للأحفاد، قبل أن تحكمنا سُلطة الرائي أو عولمة الكون. ولو كانت له خطيئة في مقاصد قصيدة من شعره، وقد امتدح منْ لا يستحقون، فلأن الفكرة المنطوقة أعجبته من قائليها لا هم ، وقد استرسل في الحديث عنها الكذابون و نطق بها أصحاب الطبقة المتلونة بالمصالح، وأخذها أصحاب السلطان مطيَّة. وحين اكتشف المكر في أوله، ارتدت نفسه عن مديح منْ لا يستحقون، لأنهم تنكروا للفقراء ولشعوبهم. غسل قصيدة المَدح تلك حين كشف المستور بنقائه وقال النصيحة، فأحكم السجّان إغلاق أبواب المحابس عليه جزاء المصارحة، وحسبه الجبارون يستكين، ومن عِظم الظلم، أورث الشاعر الفرح الكبير الذي أقبل عليه يُنقي سريرته من فوق نقائها طبيعي في فطرتها، وانغلق الباب على نفسه العظيمة ولم يرتد عن مبادئه.
*
مملكته محبة فقراء شعبه.
ولو كان يعلم أن البحر عميقٌ جداً، لأبحر مرة أخرى. و لو كانت الأُمنية أن يعيد لحياته السِّيرة من جديد بكل تفاصيلها، لاختار أن يكون صادقاً مع الذين يحبونه، وصادقاً مع الذين اختار حياته ليكون معهم وبينهم، يفرِّج كُرب من يستطيع. يستحق هو نيشان البطولة والكرم، الذي منحه شعبه له في حياته ومن بعد الرحيل. لا تشبه النياشين التي لبسها الدجالون في كل زمان، وهم يبيعون الفقراء سيرة النبي الأكرم بالدراهم، أو يرفعون المصاحف على أسنة الرماح طلباً للسلطان، ليصلوا إلى الرزق الدنيوي بالخديعة والمكر، أو بدماء الأبرياء.
*
نبياً كان للكلمة الشعرية الصادقة، والعُرف النبيل. قدم مشاريع لمعونة الضعاف من المرضى والفقراء والنساء المظلومات. بيده كان الخير كله ينطق، وتتحدث "رد الجميل" عن سيرة نثرها بين الناس، وصاروا بفضل نهجه رواداً للعمل العام الذي يمسّ حياة الناس وينثر المحبة والزرق قدر المستطاع مع الكلمة الطيبة ، حتى رحل بسلام، وتبقت سيرته من رسائل العظماء الذين لا تستطيع الكلمات أن تفيهم حقهم.

لم تحتجِب أنتَ يوماً سيدي، فلم تكُن أنت مَحجوباً، ولكن النقاء حجبَ عنك أن تكون إلا أنت في أعلى مكانة، فقد كنتَ ولم تزل مَكشوف الصراح. ونَعِدُكَ أن ينكَشِف ضباب المُدن البعيدة، وتأتي الرياح قريباً بأكثر مما تشتهي السفنُ، لتقتلع الجبابرة.
++++
عبد الله الشقليني
2مايو 2013
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 601

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1005458 [هجو نصر]
0.00/5 (0 صوت)

05-16-2014 09:57 AM
محجوب فلتة الدهور للسودان . مزيج فذ من انسانية مانديلا وعبقرية بيرم التونسي الشعرية والصرامة السلوكية لهوشي منة ,زاد علي ذلك من فؤاده الزكي حب البسطاء والمساكين . اسكنه الله فسيح جناته والهمنا واّله الصبر والسلوان . منقصته الوجيدة انه جشمنا مشقة فقده


عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة