02-03-2011 03:07 PM

الثورة..التغيير

أماني أبو سليم

مثلت الانتخابات السودانية العام الماضي بالنسبة لي و ربما للكثيرين املا في واقع جديد . لم اكن اتوقع ان تكون نزيهة و لم اتوقع ان يأتي من خلالها فارس الاحلام علي حصان الديمقراطية و لكن علي الاقل الرضاء بحصان اعرج ربما كان ليدفع الروح السليمة الي الحصان فيصير صحيحا معافيً يقدر علي الجري في عوالم الحرية.
قبل ان يبدأ الاقتراع كان الاحباط قد ملك مني كل شئ حين سحبت الاحزاب مرشحيها بعد مطاولة في اتخاذ القرار. فقد سرَبوا الحلم و الامل كما تسرب الروح من الجسد فحولوا الانتخابات الي جثمان حملوا نعشها و واروه في مقابر الانقاذ. لم يأبهوا بالاف او ملايين كانت تحلم باقتراع، بادلاء صوت، ان تحس ان لها رأي فعَال قد يوثر او يغير شيئا ما. ملايين كانت ستشارك في اتخاذ القرار للمرة الاولي وئد الحلم دون رحمة و بكل برود.
استفتاء الانفصال كان نتيجة حتمية لفوز المؤتمر الوطني الموقع علي نيفاشا. تكثف عندي الشعور المحبط لم نكن الا متفرجين علي رجال ظنناهم صانعي قرار قادرين علي تحريك الشوارع المتعطشة فينا لمشاوير الديمقراطية. فاذا بهم لم يكونوا الا عرائس تحرك باصابع خارجية فموت قرنق المؤمن بالوحدة لم يكن صدفة و بالتالي انسحاب الاحزاب لم يكن له مبرر مقنع يقتل الوساوس. لم يحترموا عقولن حتي و يقولوا كلام معقولا. و بدأنا مشوار الانفصال و لا زلنا مجرد متفرجين علي عرائس تتكلم و تتحرك امامنا و خيوطها تتحكم بها اصابع مكانها هناك.
كانت تلك الحلقة الاخيرة في مسلسل الاحباط السوداني السياسي الممل و الذي حاولت الشركات المنتجة ان تواصل في مزيد من الحلقات الا ان الجماهير كانت قد ادارت ظهرها.
لم يفكروا في تلك الملايين الشابة التي نمت في غفلة منهم، في املها و حلمها، في تطلعها للأخذ برأيها و تعطشها للاحساس بكرامتها و تفعيل حقها في الرسم علي لوحة الوطن.
استأثروا باللوحة وحدهم بهتت الوانهم و ذبلت اللوحة و هي تكاد تذهب في غيبوبة طويلة من ندرة ضخ دم جديد.
جيل (حكومة و معارضة) يجبر الوطن الا يتنفس الا اراءه منذ الستينات و السبعينات و منذ ذلك الحين قدم الي الوطن اجيال و اجيال تتوق ان يسمع صوتها ناهيك ان تمثل . اجيال تؤمن بالالوان الزاهية المتعددة التي تضفي علي لوحة الوطن بهاء و غنيً و ثراء. اجيال كرهت الوانهم الباهتة المتكررة المنتمية الي افكار كادت ان تفر هي نفسها بنفسها من اجترارها علي نفس الاوراق و الميكرفونات .
الظلم المتراكم للاجيال الجديدة و التهميش عن غفلة او عمد والانشغال بالذات و توزيع المغانم، اجيال لا تطالب بمناصب و لا نصيب من سلطة و لكن عيش بكرامة،، عمل شريف يدر دخلا حلالا، سنا مناسبة للزواج، فرص عمل و تجارة متساوية مع المواليين للسلطة، بعض تسهيلات تمويل، تخفيف من عبء الجبايات لمزاولة عمل حر يدفعهم للانتاج و الاحساس بالكرامة و الذات ( هي الكرامة و الذات التي لا تكيَل عندهم ولا تقدر) حقوق بسيطة من بديهيات خطط اي دولة منذ بدء الخليقة فما بال دولتنا اللي عاملة رايحة و لكنها ستروح بالجد.
احتجاجات نواب الاختصاصيين في الفترة السابقة لم ترفع الا هذه المطالب البسيطة التي يجب ان تنظر فيها الدولة، لو كانت دولة فعلا، قبل ان يطلب منها و هي فئة قد مثلت كل الشباب الجاد الساعي لمستقبل افضل له و لبلده لان تحسين شروط الخدمة يصب في تجويدها و فائدة الكل منها. كان ذلك الاحتجاج بادرة من بوادر الاحتجاج الكبير.
ضرب اضرابهم بتلك القسوة كان طريقة قديمة و بالية ( اسود و ابيض ) في قمع مطالب مشروعة و لكنها حتما طريقة لم تفقد حيويتها و امكانياتها المتناقلة عبر التاريخ لتزويد الثورة الكبيرة بالطاقة و الالهام فنواب الاختصاصيين لم يمثلوا انفسهم فقط بل كل شاب من الاجيال الجديدة الذي يسعي لبناء نفسه كلبنة تبني الوطن . كل شاب تناسته السلطة و المعارضة و هي تجتر سيناريوهاتها البايخة و المكررة التي تستحق ان تفرد لها قنوات علي شاكلة روتانا زمان لان ما استجد من اجيال و امال و طموحات يجب ان تحتشد به الحياة الحديثة لتبني المستقبل المستقل عن الاحزاب الحاكمة منها و المعارضة المعلبة منذ الستينات.
ليس غريبا ن تكون نواة و جذوة الثورة في تونس و مصر و السودان و اليمن و غيرها من الشباب. لا زالت الاحزاب الحاكمة منها و المعارضة تتعامل مع شبابها علي انهم لا زالوا صغارا او لسة في الارحام بلا اصوات او طلبات و اراء اما الحقوق فلا اعتقد انها خطرت علي بالهم.
ليس غريبا ان تتطابق المطالب في تونس و السودان و مصر و اليمن و الاردن و غيرها و ليس غريبا ان تكون عفوية و مباشرة بلا تلوين او تعميم او شعارات معقدة لانهم كبروا في غفلة من كبارهم الذين تعودوا علي تذويق مخاطبة الجماهير و اللف و الدوران.
حركة الشباب لن تقف و ان ظنها البعض وجلت. يمتلكون ادواتهم و ان مدت السلطة يدها لتقطع الانترنت او الاتصالات. للمفارقة حين زودت قوقل و تويتر الشباب المصري بخدمة تواصل جديدة كان الجيش المصري يوزع منشورات ( مش قلنا اسود و ابيض و روتانا زمان ) و غيرت امرأة مصرية سبعينية رأيها في الشباب و سيفعل مثلها كثيرون و قالت ستبوس ارجلهم امتنانا منها علي التغيير
القادم. و حسن فعل الرئيس اليمني حين اعلن عن تنازلاته ليس لأنه سيأمن شر الثورة عليه و يضمن كرسيه و لكن لأن قانون ثورة الشباب الجديدة يقول ان الرفض و الضغط يرفع سقف مطالب المحتجين و التنازل و اعلان فتح باب الحوار يرفع سقف مطالب المحتجين و ان الهواء و الماء و الغاز المسيل للدموع و الهراوت و الرصاص و صباح الخير و السلام عليكم كلها ترفع هذا السقف الذي لا تحده الا سماء الحرية.
هي جرثومة التغيير التي تنتشر في المنطقة بسرعة لا يلحقها طغاة. جرثومة لا يستهويها الا دم الشباب، خروجها منه مشروط بان يفتك بدهاقنة النظم و فراعنة الفكر و ينقلهم الي ممثلين في قنوات تحكي التاريخ سنسميها حينها مصر زمان و السودان اسود و ابيض و تونس حكايات قديمة.
هو تغيير مقدر كما قدرت حركة النجوم و الافلاك و تبادل الفصول و الليل و النهار لا يستطيع الطغاة معه شئ فمهما كانت قوتهم لن يؤخروا احد الفصول شهرا و لا النهار يوما و لا شابا خطوة.
.

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2930

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#90279 [mustafa]
4.10/5 (12 صوت)

02-04-2011 08:23 AM
رايعة
اهدىك اغنية بعد الغياب


#90217 [الطيب]
4.14/5 (11 صوت)

02-03-2011 10:45 PM
هذا كلام جميل يصدر من عقل كبير وقلب واع


#90114 [عادل ]
4.15/5 (8 صوت)

02-03-2011 06:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ما أروع كلامك أخت امانى
فهم فعلا لن يؤخروا الفصول ولو دقيقة
لكنهم لا يقرأؤن القران لا يقراؤن التاريخ ولا يعتبرون
تلك الأيام نداولها بين الناس
مهما وفر النظام من أسلحة ومهما جند من قوات ومهما أنفق من ميزانية ومال
كان أحوج له الأطفال من حليب وخبز فلن تحميه
أذا لم يحميك العدل فلن يحميك شيئا
لقد هزم النظام في الجنوب لانه لم يكن على حق
ماذا كان كسبه مليار او عدة مليارات من البترول قصاد الملايين الذين ماتوا والذين
شردوا والارض التي احرقت وتوقف التنمية واخيرا رضي بالهزيمة رغما عنه والان
أتجه الى حرب الغرب والشرق وتكميم افواه الشمال لكنه سيهزم ويهزم وسيفرون
كالجرذان كما فر بن علي بليل وكما يستعد مبارك للفرار وسيقفزون من السور بنفس
الطريقة التي اتوا بهافي ذلك الليل البهيم وهذا اليوم ليس بالبعيد
وشكرا لك والرحمة لوالدك الذي علمك قبل كل شي تاريخ بلدك وتاريخ اجدادك
وهاهو نتاج تعليمه لك لانك أدركت حكمة التاريخ


#90058 [حتشبسوت]
4.10/5 (9 صوت)

02-03-2011 03:45 PM
What was this article.

Please advise me if this article actually.

The fact that there is no section for review articles on this website

Compassion of God



أماني أبو سليم
أماني أبو سليم

مساحة اعلانية
تقييم
1.50/10 (28 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة