05-24-2014 08:04 AM


إندفعت بعض فرق اليسار )الرسمى( فى مصر والسودان فى تأييد الإنقلاب العسكرى للجنرال عبد الفتاح السيسى، وإندفاعهم يتم بمنطق "كل شيئ يجوز" ومقاربة الاحداث كيفما اتفق بدلاً من تحليل الواقع وإمتلاك المنهج المعرفى القادر على التعبير عن هذا الواقع بشكل موضوعى. وبلغ الحماس بهذه الفرق الى تصوير قائد الإنقلاب بأنه منقذ مصر والمبالغة فى تاييد خططه الرامية لتوطيد دعائم إنقلابه العسكرى. وهذه التيارات اليسارية أصبح قاموسها لفهم الاحداث هو، كما وصفه أحدهم، الإسلام السياسى وعليه جاءت دعوتهم للدولة المدنية ذات المفاهيم المجردة. إن مجرد غلاف الدولة المدنية لا ينفى القمع والاستغلال الاقتصادى فى المجتمع. إن الافكار السائدة في اي مجتمع هي افكار الطبقة الحاكمة، ولهذا فالتغيير لا يتم على مستوى الافكار باستبدال الافكار البالية بأخرى جديدة، ولكن بالتنوير الذى يؤدى لإدراك ضرورة التغيير الإجتماعى.

اليسار المزيف، وهو يضع نفسه تحت حذاء السيسى، ينطلق من قاموسه الخاص بالاسلام السياسى وياتى تحليله لظاهرته ليس بوصفها تعبيراً سياسياَ تلجأ له القوى المتنفذه للحفاظ على تدوير العلاقات الإنتاجية القائمة، بل بالثبات عند شكلها كإسلام سياسى تماماً، كما يصفها دعاتها، وعدم سبر غور جوهرها ومحتواها، والاستغراق في عالم المحاججات العقيمة التى لا طائل من ورائها.

و السيسى، مرشح الجيش للرئاسة، الذى إرتمى منتسبى اليسار المتزلف (الإنتهازى) فى حضنه سوف يهوى بهم الى قاع مستنقع (آخر) هو مستنقع عمالته التى تسببت فى صعوده الى السلطة، وفجاجته التى بانت فى لقاءاته الإعلامية؛ ويالها من نهاية بائسة. فالسيسى بإعترافه أن أمريكا هى مْن دفعه لإحداث الإنقلاب، وهو الذى رد على سؤال عن مشكلة البطالة المستشرية (25%) قائلاً إنه سيوفر " ألف عربية خضار للشباب".

مصر دولة تابعة تحكمها طبقة قوية وراسخة فِي المجتمع تتكون من الكمبرادور جذورها ضاربة فى مؤسسات الدولة وفى طليعتها الجيش الذى يسيطر على حوالى 40% من اقتصاد البلاد. والجنرالات الذين يتحكمون فى النشاطات الإقتصادية للجيش يشكلون جزءاً من الطبقة الحاكمة. وكما يعلم القارئ المحترم فإن الجيش ليس طبقة، وإذا كان جنرات الجيش المصرى يصنفون كجزء من الطبقة المتنفذة فإن صغار الضباط وضباط الصف والمجندين والجنود التابعين لهذا الجيش ينتمون للطبقات الكادحة بإمتياز.

ولأن الطبقة الحاكمة فى مصر تستمد قوتها وإستمرارها فى التسيد السلطوى بإسناد من الخارج الذى يكرس التبعية، فإن التحدى الاساسى الذى تواجهه الثورة المصرية يتمثل فى مسالة التحرر الوطنى وتحقيق الديمقراطية بمعناها السياسى والإقتصادى وهو ما اختار ثوار 25 ياناير التعبير عنه بشعار ” عيش.. حرية..عدالة اجتماعية“.

الدينامية التى قامت على انقاض الاستحواذ الكامل للجيش على السلطة السياسية، بعد فشل شعارات عبد الناصر المزيفة (الاشتراكية العربية)، تمثلت فى تماهى النظام بشعارات دينية في العمل السياسي منذ 1971 حتى إنتهى الأمر الى معادلة أخذ الحكم فيها بصيغة شراكة بين الجيش والاخوان المسلمين الذين سُمح لهم بتمثيل معتبر فى مجالس السلطة التشريعية المزورة.

بعد صعود الاخوان المسلمين للسلطة السياسية عقب إنتفاضة ياناير2011 إتسعت الإحتجاجات على إعاقة الرئيس محمد مرسى إنشاء نقابات العمال المستقلة وفشله فى تحقيق أى مكاسب للحركات الشعبية المطلبية؛ هذا بجانب الاعتراض الشعبى على تركيزه سلطة التشريع فى يده. ونتيجة لهذا فطِن الجيش لضرورة تحركه للسيطرة على جهاز الحكم. فالجيش هو الأقدر على تقييد الحراك الشعبى وفى جعبته خبرة ستين عاماً فى هذا المضمار، وكان شعاره هذه المرة التصدى لمواجهة الإرهاب الذى ألصقه بالأخوان المسلمين لخلق دينامية سياسية جديدة يستأثر فيها الجيش بالحكم. ولهذا ليس غريباً أن يكون أحد شعارات السيسى الأساسية التى لها دلالتها هو التقشف وصراخه عبر أجهزة التلفاز بان الدولة ليس لديها ما تمنحه للشعب. والمفارقة، الجديرة بالذكر، أن السيسى حرص على تقديم نفسه كاسلامى يعتبر، بتأييد من رجال الدين المؤيدين للإنقلاب، أن التيارات الإسلامية الموجودة لا علاقة لها بالاسلام وإنه يدعو للدفاع عن صورة الإسلام الصحيح.

لم يكتفى اليسار المزيف بالتهليل للسيسى، بل إختار تفصيل الديمقراطية لتناسب انقلابه العسكرى. وأغرب عملية تنظير للديمقراطية هى تلك التى إقتبسها اليسار المعنى من أفكار حول الموضوع لرئيس الوزراء السابق تونى بلير ضمنها فى بعض محاضراته مؤخراً. يقولون أن الإنقلاب العسكرى المصرى أفرز "مواضعات حديثة" لا ترى غضاضة فى أن يتدخل الجيش فى سياسة الدول. ومن أبرز أصحاب هذه "المواضعات" على حسب اؤلئك اليساريين ليس شخصاً آخر غير مجرم الحرب تونى بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق، الذى ذكر أن الديمقراطية مهمتها تتمثل فى إختيار أو تحديد مْن يتخذ القرار وهو إجراء لا يكون بديلاً عن عملية إتخاذ القرار نفسه! فإن الشعب من خلال تظاهراته الإحتجاجية يستطيع إحداث التغيير دون إنتظار دورة الإنتخابات القادمة (شايفين كيف ينبجس فيض العبقرية). لقد كان محقاً الكاتب الصحفى البريطانى الكبير باتريك كوكبيرن (Patrick Cockburn)، الذى يكتب فى صحيفة الاندبندنت البريطانية، عندما وصف تونى بلير بالمخبول المتخلف وذلك فى مقال له خصصه للتعليق على أفكار رئيس الوزراء السابق حول الديمقراطية. والمقال بعنوان:

Demented Tony Blair recites the Saudis' creed in his latest speech, The Independent, 27 April 2014.

لا أريد أن اعلق هنا على افكار بلير الساذجة التى لا تخرج عن نطاق الترويج للديمقراطية والتلاعب بتعريفها من قبل الزعماء الغربيين بذريعة التدخل فى الدول الفقيرة والنامية والسيطرة عليها حتى إذا إقتضى الأمر تدميرها كما فعل "التافه" تونى بلير فى حالة العراق العظيم. طلاب المدارس العامة يدركون هذا. ولكن كيف أصبح بقدرة قادر ممثلى رأس المال العالمى الذى يرتبط بقائه وازدهاره بالتمدد عنوة فى أنحاء المعمورة، حجة فى الديمقراطية. ولابد من الإشارة الى أن بؤس اليسار الفكرى يتضح فى هذا الموقف من عدم قدرته على رؤية الإنقلابات العسكرية والتغيير الذى يحدث على تركيبة السلطة السياسية بشكل عام، فى إطار الصراع السياسى (الصراع الطبقى)؛ فالنقطة هى كنه ومحتوى التغيير أولاً ثم البحث فى لماذا يأخذ هذا الشكل أو ذاك.

وكل ما ذكرناه يستدعى التفكير والحديث عن الديمقراطية الحقيقية، وهذا موضوع آخر.

[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1602

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1014449 [عصمتووف]
1.00/5 (4 صوت)

05-24-2014 08:34 PM
لغة الاحذية
باله عليك دكتور في شنو كتابة ولغة المراحيض انتهت ومن العيب تصدر لشخص يدعي بحمل مؤهل كبير مالفرق بينك وبين ناس الحس كوعك وبنلاقي عريان انك لا تفرق نفس الشبة والملامح
يبدو انك اكبر انتهازي رجعي يميني متطرف ارهابي ف تجربة سيدك البشير اراد اليسار السوداني عدم تكرارها بمصر وهو لم يلفت نظر المصريون وحذرهم بما حصل هنا لكن من حق الشعوب في العالم محاربة وحصر الارهاب ودفنة للابد والشعب المصري اوعي مننا ولا يحتاج لليسار او اليمين هو حر ينتخب السيسي مبارك غير مهم عدا الحشرات سلالة الحشرات الضاره الاخوانية


#1014439 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 08:24 PM
يبدو انك اكبر انتهازي رجعي يميني متطرف ارهابي ف تجربة سيدك البشير اراد اليسار السوداني عدم تكرارها بمصر وهو لم يلفت نظر المصريون وحذرهم بما حصل هنا لكن من حق الشعوب في العالم محاربة وحصر الارهاب ودفنة للابد والشعب المصري اوعي مننا ولا يحتاج لليسار او اليمين هو حر ينتخب السيسي مبارك غير مهم عدا الحشرات سلالة الحشرات الضاره الاخوانية


#1014126 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 12:33 PM
نعم اليسار خشم بيوت وها انت يساري يناهض العسكرة والديكتاتورية.
لكنى اعتقد هذا المعنى, الذى اورده بلير, صحيح وهو ديمقراطي مية المية-واجيك بعدين للخلل -
(الشعب من خلال تظاهراته الإحتجاجية يستطيع إحداث التغيير دون إنتظار دورة الإنتخابات القادمة )
هذا صحيح ومبدأ ديمقراطى اصيل, فقط بشرط الا ينقلب عليه السيسي. فى نظري السيسي انقلب على 30يونيو وليس على مرسى لان مرسي كان منهارا تحت يونيو. ولا نقمط مرسى حقه ان يرى ان الانقلاب كان ضد شرعيته. فالوضع كان ملتبسا.لم يترك السيسي الوضع ليتضح. انتهز الفرصة ونسب كل الحراك لنفسه.لكن اخوان مصر لم يتركوا مساحة للتعاطف معهم. اذ لم ينهجوا نهجا سلميا فى مقاومة السيسي.التفجيرات نسفت حقهم بالكامل للتعاطف معهم.


#1013992 [murtada altayeb]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 10:55 AM
ضع الاسلام السياسى مكان اليسار فى حالة السودان


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة