المقالات
السياسة
كجمر.... أقدم حواضر دار الريح
كجمر.... أقدم حواضر دار الريح
05-25-2014 10:05 AM

طلب مني القارئ مصطفى البلة أن أكتب عن مدينة هي من أقدم المراكز العمرانية في شمال كردفان، بل هي أحدى حواضر تلك المنطقة؛ إذ نشأت بعد موجات متعاقبة من الهجرات البشرية من الشمال والشرق بعد سقوط الممالك القديمة في السودان مثل مروي، وبعد انتقال قبائل البربر من الشمال الإفريقي وتدفق القبائل العربية والإفريقية نحو دار الريح من دارفور وغرب إفريقيا لأسباب سياسية أو اقتصادية. عموماً، نستطيع القول بأن كجمر قد ظهرت إلى حيز الوجود قبل كثير من قرى شمال كردفان ومدنها.
بشكل عام ارتبط اسم هذه المدينة بفرع الكجمر من قبيلة الزغاوة؛ فقد هاجر هؤلاء الناس إلى هذه المنطقة في ظروف ترتبط بالأوضاع الداخلية لسلطنة الفور حيث أجبرت قبيلة دار حامد على مغادرة أرض الفور بضغط من بعض السلاطين ورافقتها في تلك الهجرة الاضطرارية مجموعة من الزغاوة الذين يمثلون أجداد سكان مدينة كجمر وما جاورها من قرى. وقد أورد ماكمايكل في كتابه "قبائل شمال كردفان ووسطها": ( وربما يكون جزء من الزغاوة قد هاجر لأول مرة إلى الجبال القريبة من كجمر في كردفان في وقت مبكر من القرن الثامن عشر الميلادي واستقروا هناك. وحسب روايتهم فإن زعيمهم الفكي عبيد كان ابناً لأحد ملوك الزغاوة في دارفور وهاجر بسبب شجار عائلي، ولكن دار حامد يقولون إن أحد سلاطين دارفور أرسل مجموعة من الزغاوة والقرعان لمساعدة عبد الحميد شيخ أولاد أقوي في جمع قبيلته وإحضارها إلى الفاشر. وبعدما وصل عبد الحميد بهؤلاء الزغاوة والقرعان إلى كردفان، استطاع أن يقنعهم ويكسبهم لجانبه بعدة أساليب، إذ لم يكن يرغب في العودة إلى دارفور وأسكن الزغاوة حول كجمر)، إذ اقتطع جزءاً من الأرض يشمل كجمر والفيلية وبعض المناطق الجبلية الواقعة إلى الشمال من مدينة بارا وشرق الجبال البحرية لتكون موطناً لأولئك النفر الذين رافقوه في رحلته؛ وعلى إثر ذلك نشأت قرية كجمر حاضرة قبيلة الزغاوة في شمال كردفان.
ولهذا تعتبر كجمر من أقدم مراكز شمال كردفان وقد ازدهرت ونمت بفضل وجود الماء فيها، علاوة على أنها تقع على طريق يربط مناطق شمال السودان بوسطه ولذلك كانت معبراً لكثير من الجماعات التي قدمت من شمال السودان أو مصر واستقرت في منطقة دار الريح، وقد مر بها محمد الدفتردار وهو في طريقه للاستيلاء على الأبيض؛ مما يدل على أنها كانت قائمة ومعروفة حتى لدى المستعمر. ومن أهم الأحداث التاريخية التي شهدتها كجمر ذلك المؤتمر القبلي الذي عقده على دينار في طريق عودته إلى دار السلطنة بعد موقعة كرري وسقوط دولة المهدية حيث بايعت قبائل دارفور علي دينار سلطاناً عليها فكوّن قوة من تلك القبائل واستطاع استعادة ملك أجداده وأنشأ سلطنة إسلامية ظلت تحكم بالشريعة وتقيم العدل حتى قضى عليها الإنجليز في عام 1916 بعد معركة جبة التي استشهد فيها السلطان علي دينار رحمه الله.
وبما أن كجمر يتوفر فيها الماء فقد شهدت صراعات ونزاعات متكررة بين مختلف قبائل المنطقة مثلما حدث بين أهل كجمر من الزغاوة وأولاد أقوي حتى انتهى الأمر صلحاً ومن بعد ذلك حاول الكبابيش السيطرة على كجمر انطلاقاً من الصافية لكنهم توصلوا إلى تسوية ودية، وفي السابق كان بنو جرار يطالبون بها ولكنهم اجلوا عنها بعد تحالف القبائل ضدهم. تتوسط كجمر منطقة شبه صحراوية، يوجد بها بعض الجبال المنعزلة، فإلى الشمال الشرقي تقع الجهنية وما يعرف بجبال زغاوة، وهي أهم ما يميز جغرافية كجمر، أما إلى الجنوب، فإن الأرض ناعمة ورملية، وكانت تكثر بها الغابات، وهي خصبة نسبياً. أما إلى الشمال، فإن الأرض صلبة ومستوية، وتغطيها الشجيرات المنخفضة وهي عموماً قاحلة، باستثناء الأماكن التي تكون فيها الجبال حاجزاً لزحف الرمال نحو الجنوب، وهي لذلك تشكل مساحات صالحة للزراعة. وكجمر نفسها تقع في حوض منخفض تكسوه طبقة شبه طينية وهي لذلك تعد مصباً لعدد من الأودية المحلية مثل وادي الشواف.
في الوقت الراهن تتبع كجمر إدارياً لمحلية جبرة الشيخ ويسكنها خليط من القبائل مثل الزغاوة والكواهلة والكبابيش ودار حامد وبعض العناصر التي قدمت أصلاً من الشمال مثل الدناقلة والجعليين وغيرهم من المجموعات التي استقرت هناك وتزاوجت وتصاهرت مع السكان حتى اندثرت لغة الزغاوة بمرور الزمن وأصبحوا يتحدثون اللغة العربية. تعد كجمر مركزاً تجارياً هاماً في دار الريح ويوجد بها سوق كبير للماشية والمنتجات الزراعية مثل الذرة وترد إليها الخضروات والفواكه من منطقة الخيران التي تقع إلى الغرب منها، وتجلب إليها البضائع والمنتجات من أم درمان باللواري ويقصدها البدو والرحل من أجل الحصول على حاجياتهم من المواد التموينية وغيرها.
ويقيم في كجمر شخصيات بارزة مثل "مك" قبيلة الزغاوة السيد إبراهيم محمداني، وعمدة الكواهلة البراقنة الأستاذ أحمد زين العابدين، والعمدة صديق حسين، والشيخ إبراهيم عبد الرحمن محمد طه البرقني، والعمدة التوم موسى لولاو البيه عمدة النوراب، ومن سكانها أسرة المرحوم الحاج البلة بشارة، ومن تجارها الكبار سابقاً حاج الشريف مالك الركابي الذي لعب دوراً مهماً في تطور المنطقة اقتصادياً واجتماعياً ولا يزال أهل كجمر يذكرونه بالخير.
لقد بدأ التعليم مبكراً في هذه المدينة التي أهدت للوطن رجالاً عظماء منهم البروفسور محمد أحمد الشيخ مدير جامعة الخرطوم سابقاً، والأستاذ علي الزاكي المستشار القانوني بوزارة العدل، والمهندس محمد إبراهيم كنونة وزير الدولة بوزارة الطرق والجسور، والمربي الكبير جبريل الفضيل، والأستاذ أحمد صديق علي والدكتور مسلم أحمد الأمير الخبير بالبنك الدولي واللواء آدم محمد بريمة والأستاذ الأمين التوم علي سلامة ومدير التعليم بمحلية جبرة الأستاذ التوم إبراهيم والعميد مهندس فرج جمعة حسين وغيرهم كثر من المثقفين والعلماء الذين لا يتسع المجال لذكرهم.
حالياً، يوجد في مدينة كجمر مدارس لكافة المراحل التعليمية، كما يوجد بها مركز صحي ونقطة للشرطة ولكنها بحاجة إلى الصيانة خاصة المرافق التعليمية القديمة ومن هنا نقول لمولانا أحمد هارون "خلي بالك من كجمر".

محمد التجاني عمر قش
[email protected]





تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 5625

خدمات المحتوى


التعليقات
#1016476 [جبريل الفضيل محمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-26-2014 04:26 PM
بارك الله في اخينا محمد التجاني وهو رجل ابن زعيم وناظر ومؤرخ امين بل ومثقف حاذق لا يستطيع من اطلع علي ارائه ان يتجاوز بوستاته قبل المرور عليها --فشكرا اخي ود التجاني غلي تقديمك لنا بهذه الكيفية المتكاملة للاخرين ونحن واهلنا دار حامد بينا الملح والملاح ولا ننسي استاذنا رحمه محمود سيماوي وتلميذ مدرسة كجمر ماهل ابو جنه من اهلنا دار حامد الذي كان ترتيبه الثالث في اللجنة في بارا وكان الاول ايضا من مدرسة كجمر هو علي عبد الله واول دفعه درست من كجمر درست في مدرسة خور جادين , ديار اخونا ود التجاني عمر قش ,وربما اول مباراة في كرة القدم في دار الريح سنة 52كانت بين طلاب كجمر وطلاب خور جادين الذين كانوا يتوشحون الوشاح الاحمر واستمرت تلك الدورة الي ان لعبت كجمر علي النهائي ضد مدرست بارا الغربية وانتهت المباراة 4--2 لصالح بارا وكانت تحت اشراف الخواجا رئيس مركز بارا ,الا ترو معي ان هذا كان تطورااكثر منه الان ولي قصة , عندما كنت طفلا ,مع العمة الحامدية في قرية السراج والتي انقذتني من الموت وكانت سبب تعليمي سارويها لاحقا--شكرا لاخونا ود البدوي والاخ مصطفي البلة الذي استكتب ود التجاني لاجادته الاختيار.


#1015764 [الرشيد الأنصاري]
3.00/5 (1 صوت)

05-26-2014 05:28 AM
تسكن قبيلة الزغاوة فرع الكجمر فى قرية كجمر والتى تقع فى منتصف السودان حسب خطوط الطول والعرض لجمهورية السودان خط طول 30.417 وخط عرض 14.400 قرية كجمر المسماة بأسم هذا الفرع من القبيلة من القرى المشهورة فى شمال كردفان ، وتقع على الشمال قليلا من مدينة بارا. قرية كجمر هى حاضرة قبيلة الزغاوة وتتناثر حولها عدة قرى تتبع لقبيلة الزغاوة . والقرى هى الاتى :



#1015251 [ود شندي]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2014 01:16 PM
الزغاوة كجمر هم من عائلة الزغاوة الويقي ابناء الملك محمد برناوي سلالة (ابناء احمد دوري )اولاد دوري _ هاجروا من دار زغاوة بعد ان رفض العقباء ( ابناء عمومتهم ) التنازل عن العرش لصالح اولاد دور و كان نظام الحكم بعد وفاة الملك هى التداول السلمي بين الابناء الثلاث ( دوري و دقين و عقاب ) ... الرحلة مشهورة و مذكورة فى التاريخ و يحكي عنها جدودنا حتى الان ,,, قيل ان حكيم القوم قطع السن الجمال و سافر بها حتى لا تأكل فتعطش فى الطريق و القصة شيقة و طويلة


#1015098 [فجر]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2014 11:08 AM
كجمر وما ادراك ماكجمر تاريخ عريق عاصمة الزغاوة في كردفان ومهد التعليم النظامي الاول في دار الريح الواحة الغناء الوارفة وسط الارض الجرداء الان هي مثل الام الثكلى بعد ان هجرها ابنائها وتجاهلتها الحكومات المتعاقبة وتركوها تشكو هجر القريب وظلم الغريب


#1015058 [osama dai elnaiem]
5.00/5 (1 صوت)

05-25-2014 10:37 AM
جزاك الله خيرا ولكنك اغفلت شيئا مهما في كجمر العزيزة وهو ذلك الكرم ولا ننسي واسرتنا تلك الليالي في خمسينات القرن الماضي حيث تصل بنا العربية السفرية من بارا ونحن في طريقنا الي حمرة الوز وبالرغم من قدومنا في ( الهجعة) الا ان الاستقبال من اهل كجمر يكون حافلا وتنحر الذبائح وتهيأ ( الاستراحة ) لاقامتنا وفي الصباح تاتيك اباريق الشاي ولا تدري من اين اتت ويتكرر الامر كل عام في رحلتي الشتاء والصيف والحديث عن الديار لا يحلو ولا يكتمل الا بالحديث عن انسان الديار وطبائعهم -- سلمت اخي الكريم وسلمت كجمر وصح عزمها ونسأل الله ان يهئ لها من الماء ما يجعلها زينة مدن السودان


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة