المقالات
السياسة
احتياطيات السودان النفطية: جدل الأرقام والسياسة
احتياطيات السودان النفطية: جدل الأرقام والسياسة
05-26-2014 10:50 PM

التصريح المنسوب لوزير البترول المهندس مكاوي عوض منتصف هذا الشهر أن احتياطيات السودان النفطية بلغت أربعة مليارات برميل يثير العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى توضيح وإجابات.
ويلفت النظر أولا في رقم الأربعة مليارات ضخامة حجمه والمدى الزمني القصير لبلوغه. فالمعلومات السائدة في أروقة الصناعة النفطية ان احتياطي السودان قبل الانفصال بلغ خمسة مليارات برميل، وأن جنوب السودان ذهب بثلثي الاحتياطيات المعروفة تاركا للسودان حوالي مليار ونصف المليار برميل. ولهذا فزيادة حجم الاحتياطي إلى نحو 80 في المائة وفي فترة تقل عن ثلاث سنوات مما كان معروفا قبل الانفصال أمر يلفت النظر ويحتاج إلى التوضيح خاصة ولم يعلن عن اكتشافات جديدة.
ويزداد الغموض بالإشارة إلى أن هذه الزيادة تمت بسبب " الحقول المكتشفة في المربعات الجديدة". ونسبة لأن البيان لم يوضح ما هي هذه المربعات تحديدا، فإن الذهن ينصرف تلقائيا الى الاتفاقيات التسع التي أبرمت في العام 2012 مع عدة شركات أجنبية فيما عرف بالجولة الثالثة وطرح مربعات جديدة على المستثمرين. على أن أيا من هذه الشركات لم تعلن عن اكتشافات، وهو أمر حيوي بالنسبة لها لأنه يساعدها على توفير التمويل، بل إن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن أيا من هذه الشركات لم تقم بعمليات حفر حتى الآن، ولا حتى الدخول في مرحلة المسح الثلاثي الأبعاد الذي يعتبر من الإشارات القوية على احتمال وجود النفط في المناطق المعنية. بل إن الانطباع السائد أن الشركة الوحيدة التي تقوم بنشاط ملحوظ هي "بترو أنرجيا" البرازيلية في مربعي (9) و(11) وأنها ربما تبدأ حفر أول بئر لها قبل نهاية هذا العام.
كذلك فإن هذا الرقم يتصادم مع آخر رقم رسمي قدمه وزير البترول السابق الدكتور عوض الجاز الذي قال أبان خطابه أمام مجلس الولايات في أواخر العام 2012 أن حجم الاحتياطي القابل للاستخراج في السودان يبلغ 762 مليون برميل، مما يعني أن رقم الأربعة مليارات الجديد يتجاوز خمسة أضعاف الرقم السابق ولو انه لا يحدد إذا كان هذه الاحتياطي مؤكدا أو محتملا أو ممكنا. ولكلٍ من هذه الأوصاف معانيه وتبعاته بالنسبة للصناعة النفطية.
وفي واقع الأمر فإن القضية العاجلة والملحة فيما يتعلق بالصناعة النفطية في الوقت الحالي ليس حجم الاحتياطي مع أهميته، وإنما حجم الإنتاج. ففي السودان احتياطي نفطي ما في ذلك شك، قد يزيد أو ينقص عن مختلف هذه الأرقام المتداولة، لكن كيفية زيادة معدلات الإنتاج والوصول بها إلى متوسط 200 ألف برميل يوميا، وهو معدل يبدو ملائما لمقابلة احتياجات الاستهلاك المحلي المتنامية واستحقاقات الشركات العاملة. فمنذ العام 2011 وانفصال الجنوب ظل الإنتاج يتراوح في حدود 150 ألف برميل تزيد وتنقص، ومع دخول حقول جديدة الى دائرة الإنتاج، إلا انه يلاحظ صغر حجم الكميات المنتجة التي تتراوح بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف برميل يوميا وتكون في الغالب تعويضا عن كميات فقدتها بعض الحقول التي بدأت تشيخ.
ولا يعود سبب الإنتاج بكميات قليلة إلى ضعف في الاحتياطي. فمربعا (17) و(6) مثلا يتميزان بإمكانيات جيدة ويذكر أن مربع (17) وهو أول مربع يبدأ الإنتاج بعد الانفصال في 2012 جاء نفطه من آبار "النجمة" التي اكتشفت في العام السابق للإنتاج، علما أن هذه المربع يحتوي على بئر أبو جابرة الشهيرة التي شكلت أول إعلان عن وجود النفط بكميات تجارية على أيام شيفرون.
وكذلك مربع (6) الذي يعتبر في الوقت الراهن أهم مربع في السودان من الناحية الإنتاجية وإمكانياته المستقبلية خاصة بعد مد خط أنابيب بقطر 12 بوصة وعلى مسافة 147 كيلومترا ليربط شرقي المربع حيث تركز معظم انتاجه البالغ 60 ألف برميل في المتوسط حاليا فيما نسبته 10 في المائة فقط من مساحة المربع إلى غربه حيث توجد أمكانيات واعدة والإعلان عن دخول حقلي شوكة وسفيان دائرة الإنتاج قريبا مؤشر على هذا.
العقبة الرئيسية التي تقعد بالصناعة النفطية عن تحقيق طموحاتها وإمكانياتها سياسية في المقام الأول وتتركز في عاملي عدم الاستقرار الأمني وضعف الاستثمارات التي لابد من ضخها وفق ترتيبات إدارية وفنية كي تأتي أكلها. مربعا (6) و(17) يمتدان في مناطق كردفان ودارفور المتأثرة بنشاط الجبهة الثورية التي تضم حركات دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال، وبجانب هذا المهدد الأمني فأن هناك بعض التفلتات التي لا تنطلق من تحت مظلة سياسية، وأهم من هذا تنامي ظاهرة التدخلات من قبل المجموعات السكانية المحلية ومطالبتها بالحصول على نصيبها من ثروة النفط التي تستخرج من أراضيها في شكل خدمات أو توفير فرص عمل لأبناء المنطقة أو بعض مشاريع التنمية. ووصل الأمر في أحيان كثيرة الى قيام بعض هذه المجموعات بإيقاف العمل حتى تتم الاستجابة إلى بعض مطالبها. وكمثال على ذلك فأن خط الأنابيب المشار إليه وكان يفترض إنجازه في نحو ثلاثة أشهر استغرق بناءه ضعف هذه المدة بسبب عمليات التعطيل هذه، التي تجعل العديد من الشركات تفكر أكثر من مرة قبل ضخ استثمارات جديدة إذا لم تكن متأكدة أنها يمكن أن تستعيد استثماراتها تلك في وقت معلوم.
أما الجانب الآخر الذي يسهم في تعطيل تدفق الاستثمارات فهو تنامي فعالية المقاطعة الاقتصادية للسودان التي ضمت إليها مصارف خليجية مؤخرا، الأمر الذي جعل العديد من الشركات الأجنبية تواجه متاعب في تحويل التزاماتها المالية. ويشكل هذان العاملان أهم العقبات التي تواجه انطلاق الصناعة النفطية رغم وجود عوامل أخرى تتعلق ببنية الصناعة نفسها وتنظيمها والتوافق على استراتيجية بشأنها.
وهذا ما ينقل النقاش الى الجانب السياسي. فقد حفلت السنوات الماضية بممارسات استندت إلى فكرة الترضيات لهذه المجموعة المسلحة أو تلك بدلا من اعتماد أسلوب يقوم على التراضي الوطني بكل تبعاته السياسية والدستورية والاقتصادية، ثم جاءت اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتعلي مفهوم قسمة الثروة، الذي عزز من القناعة بوجود ثروة تحتاج فقط إلى إعادة تقسيم وفق مفهوم لم يقطع صلته بتراث السودنة في بدايات العهد الوطني.
وإذا كان من مؤشر نحو المستقبل فهو يتمثل في الاتجاه نحو توليد الثروة قبل الاصطراع حول تقسيمها وهذا لن يحدث وبصورة مستدامة الا باتباع نهج التراضي العام بدلا عن الترضيات السياسية الفردية والفئوية لهذه المجموعة أو تلك.

السر سيد أحمد
[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2523

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1044139 [عبد السلام]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2014 10:44 PM
سياسة عدم الاعلان عن الاحتياطي تحكمها السياسة قبل الاقتصاد الخاصة فقط لا العامة يملكون معلومات الاحتياطي في السودان لأن تقنية الأقمار الصناعية والمسح الجوي يمكنها تحديد معلومات دقيقة عن مكامنه وأحواضه وكمياته وجدواه الاقتصادية ولكون السودان تتنازعه الحروب في كثير من أجزائه فعدم الاعلان أفيد كثيرا كما تفعل بعض دول أمريكا اللاتينية ( عدا فنزويلا) عن الاعلان الحقيقي عن نفطها ( المكسيك كمثال )


#1017326 [زول وطني غيور]
5.00/5 (1 صوت)

05-27-2014 01:23 PM
أستاذ السر لك التحية والشكر، يقولون أن إحتياطي السودان من النفط يتجاوز (إحتياطي السعودية وإيران) وأن صحاري السودان بها مخزون نفطي كبير جدا يكفى العالم لمئات السنين وهذا هو سبب إهتمام الغرب بالسودان وأخبار السودان ولكن هذه المعلومات يملكها الخاصة فقط وليست العامة ، مشكلتنا هي أننا لا نملك المعلومات الحقيقية حول هذه الثروة الإستراتيجية وغيرها من الثروات ، ولكن أقول لك وبكل صراحة أنا لا أتمنى أن تستخرج الحكومة الحالية النفط بكميات كبيرة، طبعا عشان موضوع الفساد وما الفساد, خايفين الجماعة يحولوا النفط لدولارات تركب الطائرات وتسافر خارج الحدود والسلام!!


#1017284 [فارس]
4.00/5 (3 صوت)

05-27-2014 12:51 PM
الأخ السر: وأنت سيد العارفين تعرف أن أقصى ما يمكن ضخه من أى إحتياطى نفطى مؤكد لا يتعد ال 30 بالمائة وأى محاولة لتقنيات متطورة لتنمية الحقول ومواصلة الضخ بإستخدام مؤثرات مثل ضخ الغاز والمياه لرفع مستوى النفط فى باطن الأرض ستكون مكلفة من ناحية الجدوى الإقتصادية،، وعليه فتصريح الوزير عوض الجاز بأن حجم الاحتياطي القابل للاستخراج في السودان يبلغ 762 مليون برميل يعنى أن الإحتياطى الكلى للنفط فى السودان فى حدود 2.5 بليون برميل وهذا أقل بكثير من تأكيد الوزير الحالى مكاوى بأن الإحتياطى 4 بليون برميل.

حقيقة ثانية يجب على أى نظام حكم قادم مراعاته هى إنصاف المناطق والولايات النفطية بأخذ حقوقها كاملة فمثلا هناك ضخ للنفط فى جنوب دارفور منذ أول بئر مكتشف فى السودان وهى أبوجابرة 1 وتلتها شارف لكن لا المناطق المعنية ولا دارفور قد حصلت على مليم واحد وإلى اليوم وحتى العاملين بمستوى الخفراء والعمالة البسيطة يأتون بها من مناطق بعينها،، الفدرالية المالية هى الحل ومثلما حصل الجنوب على نصف عائدات النفط بعد إتفاقية نيفاشا يجب على ولايات غرب كردفان وجنوب دارفور الحصول على نصف عائدات النفط المنتج فى أراضيها،، بغير ذلكا سوف لن يستقر البلاد وهذه ساحة ستنفتح لصراع جديد بجانب حقيقة أن معظم الإحتياطى الواعد توجد فى دارفور وسوف لن تستطيع أى حكومة الإقتراب منها دون حسم مبدأ التقسيم المنصف،، ال 1 بالمائة للولايات المنتجة عبارة عن غش وخداع وسوف لن تستمر والسؤال أين حقوق المسيرية ومنطقة أبيى من ذلك وإلى اليوم؟؟


#1016781 [كمال حامد]
5.00/5 (1 صوت)

05-27-2014 02:05 AM
السر سيد أحمد صاحب باع طويل في تخصص الكتابة في اقتصاديات النفط من أيام الشرق الأوسط وأهم ما أشار له المقال تنامي وعي المجتمعات المحلية بحقوقها في الثورات المستخرجة من أراضيها (نفط - معادن - استثمارات زراعية)


السر سيد أحمد
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة