المقالات
السياسة
إعتقال الإمام وإطلاق سراح المحن..!
إعتقال الإمام وإطلاق سراح المحن..!
05-28-2014 07:20 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

إعتقال السيد الصادق المهدي، زاد الواقع الراهن سريالية وتعقيد، وهو سلفا لا يشكو من قلة الإبهام والغموض، خصوصا فيما يتعلق بدوائر النظام! لدرجة أصبح فيها تحكيم العقل او المنهجية العلمية او الخبرات الإنسانية الموضوعية، لفهم الواقع الملتبس، هو نوع من التغريد خارج السرب(أصحابه خارج الشبكة). أي في حضور التناقضات وتضارب المعلومات والمصالح والإختصاصات، وعشوائية القرارات وإنفعالية الأقوال والأفعال، وإنعدام المرجعيات التنظيمية والسياسية والأخلاقية! أي في حالة غياب الوعي التام وإنعدام المسؤولية والإلتزام! يصبح البحث عن المنطق والمعقول في ظل هذه الأجواء الضبابية او توقع الأفضل في مدارها، هو بحث عن العنقاء او ضرب من العبث والجنون! فكيف يمكن ضبط الدجل والشعوذة والمكر والحِيَّل؟! ناهيك عن قياسها او فهمها! وعموما هكذا نظام لا يحتاج الي فهم، وما يحتاجه بالتحديد هو إستئصاله من جذوره وتخليص الأرض من شروره لا غير! كما أنه لا مكان للكهانة ولا حاجة للدجل، في عهد الحرية والشفافية والنور، القادم قريبا بإذن الله.
فغير عدم جدية الحور الذي دعا إليه النظام، بخصم الكثير من أسبقياته وهضم حقوق أهم أبجدياته، من تهيئة أسبابه الحقيقية وتوجيهه نحو المسائل الجوهرية! نجد أن النظام يستهين حتي بهذه الدعوة الحوارية الهزلية، وهو يعتقل أحد أطرافها الأساسيين! وكأن كل عوامل تثبيط الحوار التي بذلها بكرم حاتمي لم تكفه، او لم تطمئنه علي عدم جدواه وإستحالة إدراك مصلحة عامة من الإنخراط فيه او تصديقه! ولأ ندري في هذه الحالة من سيفاوض النظام! هل سيفاوض نفسه، من خلال أخيه في الرضاعة او التأسيس او المنشأ، المؤتمر الشعبي؟ وفي هذه الحالة ما هي الحاجة للحوار أساسا! هل هو مجرد ذر للرماد في العيون؟ او رفع للحرج من التسبب في أزمات البلاد الراهنة؟ او هو محاولة جديدة لعملية شراء الوقت التي أدمنها النظام؟! وهل النظام ما زالت لديه قناعة، بأن هذه الأساليب العقيمة في إدارة الأزمة السودانية المستحكمة، يمكن أن تفضي لحلول للمشكلة الوطنية المتفاقمة، والتي تزداد تعقيدا مع مرور الأيام وإهدار الفرص الحقيقية للحلول المستدامة؟! او تصلح لتخليص النظام نفسه من جرائمه المثبتة عينيا او ماديا، او تمنحه اي درجة من الثقة او الإحترام؟! بمعني ألم ينضج النظام بعد كل هذه السنوات والتكاليف الباهظة في الأنفس والثمرات والزمن، ليرتقي للمسؤولية الوطنية والنضج السياسي، ليعي حجم الكارثة ويعترف بالأزمة والمأزق الذي أدخل فيه البلاد، عنادا ومكابرة، ونظرة ضيقة للمصلحة الذاتية علي حساب المصالح العامة! والغريب أن النظام يصر في كل الأحوال، وبكل غباء سياسي وهوس تنظيمي وجهل عصري، علي تسويق أكاذيب وشعارات جوفاء، تفتقد لدفء المصداقية وإستقامة الجدية وهمة المسؤولية! وفوق ذلك، لأ تسمن ولأ تغني من جوع المواطن والوطن وحاجاتهما المآسة للإستقرار والإكتفاء، وإحتشاما لأ نقول تقدما ورخاء!
فعملية إعتقال السيد الصادق المهدي، وبغض النظر عن المبررات، اي سواء كانت نتيجة لصراعات داخلية تعيشها أجنحة النظام المختلفة، لتضارب مصالحها وخوفها من الحوار او الإتفاق، الذي سيجر عليها خسائر فادحة! سواء لجهة الحد من منافعها المطلقة، او بفتح باب المحاسبة للتجاوزات، كما يري البعض. او بسبب ترتيبات خاصة تمت بين السيد الصادق المهدي من جهة والنظام من الجهة المقابلة!! لغرض حرف الأنظار عن قضايا الفساد المنتشرة كالنار في الهشيم، ومطالب الإصلاح المتداولة بكثرة! او لإكساب السيد الصادق المهدي، المزيد من التأييد السياسي من قبل المناصرين، او لترميم صورته المهزوزة تجاه الحلف المعارض، كما يري البعض الآخر. فالمحصلة واحدة، وهي إعلان نهاية الحوار المزعوم وتشييعه الي مثواه الأخير! او الحكم بالإعدام علي أي أوهام أخري، يمكن أن تصدق أن هنالك تنازلات جدية، يمكن أن يقدمها هكذا نظام مغلق، يعاني من العقد السياسية بسبب وزنه الخفيف وأثره الباهت سياسيا وإجتماعيا، إضافة الي إمتلائه بالتناقضات والأمراض التنظيمية الداخلية المزمنة! وتاليا لأ يحتمل أي مسحة من التغييرات الجدية، خوفا من تهدم المعبد كله علي رأسه! ناهيك عن إحداث تغييرات جذرية حقيقية في مكوناته وهياكله وحدود علاقته بالسلطة والحكم! ولأ يمكن الحديث عن إصلاح او فرصة لبناء وطن معافي من دونهما! بتعبير آخر، إن عملية القبض علي السيد الصادق المهدي، أزالت ورقة التوت الحوارية التي يتغطي بها النظام، ويرفعها كقميص عثمان تجاه الخصوم! أي بوصفه نظام يدعو للحوار والتلاقي وقبول الآخر المختلف، أي لأ حجة للخصوم!! والأغرب من ذلك، أن إختيار المناسبة والتوقيت لم يكونا مناسبين! سواء من ناحية سياسة التمويه وعدم الجدية التي يتبعها، او من ناحية المكاسب الخداعية التي يمكن أن يتحصل عليها ويتعيَّش بها! مما يعكس درجة عالية من ضمور الحس السياسي، لدي الجهات النافذة في التنظيم! والمقصود بالطبع، إعتقال السيد الصادق المهدي، بسبب حديثه عن قوات الدعم السريع، وترديده كلام هو في حقيقته مكرر، ويُردد من قبل جميع المعارضين والمكتوين بنار هذه القوات. بمعني، أن حديثه لم يضف جديدا او يعلن أسرارا كانت غائبة عن الكافة! كما أن الإعتقال سيزيد من تسليط الأضواء علي هذه القوات وممارساتها وتابعيتها! أضف الي ذلك، طريقة القبض عليه، بناءً علي مواد معينة في القانون الجنائي، وفي وقت لأحق تم إدراج مواد أخري إضافية من القانون الجنائي وإلحاقها بالتهم السابقة، بقصد الدفع بقضية القبض الي أبعاد أخري، أكثر تعقيدا في التعامل مع وضعية السيد الصادق المهدي! بقصد إبقائه رهن الإعتقال لفترات أطول! أي لإنجاز كل أهداف الإعتقال التعسفية. أو لجهة تدخل مؤسسة الرئاسة عبر عفوها الخاص! وتاليا المن علي السيد الصادق المهدي وحزبه والرافضين للإعتقال، بكرم ورحابة صدر هذه المؤسسة المفضال!( ألا تُذكر هذه القضية، بقضية الشهيد محمود، أي قضية القبض علي الضحية ومن ثم تلفيق التهم لأحقا! بالطبع مع الفارق بين الشخصيتين وطبيعة القضية والظروف المحيطة! ولكن العامل المشترك هو العقلية المحركة والأساليب التي تقف وراء هذه النوعية من المحاكمات المغرضة. وكأن مضي ثلاثة عقود وسكب قدر هائل من الحبر والمواقف الشاجبة للمحاكمة والمنتصرة للحق ولو بعد حين! لم تعلم آل البوربون الإسلاموين شئ!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.).
وفي كل الأحوال، أكدت عملية إعتقال السيد الصادق المهدي المؤكد، والذي يحاول النظام جاهدا أن يداريه. وهو أن أجهزة الدولة التي تدعي الحيادية والمهنية، هي أجهزة حزبية بإمتياز، وكذلك دستورها وقوانينها ومؤسساتها، ومن ضمنها بالتحديد نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة! فهذه النيابة بهذا التكوين وبهذه الأهداف، فهي تعمل بالتحديد من أجل إسكات الصوت المعارض، وتهديد حتي هامش الحركة الذي يتبجح به النظام. بمعني، إن النيابة تعمل وفق قوانين مُفخخة وحمًالة تفاسير مُتعددة، تصب كلها في في إتجاه، تجريم أي فعل معارض لا يرضي عنه النظام! أي للمعارضين كل الحق في الحركة والكلام وعمل كل ما يخطر ببالهم، ما عدا المس بالسلطة الحاكمة او حدود سلطاتها وأمتيازاتها! فالأخيرة خطوط حمراء يمنع الإقتراب منها او تناولها او مجرد التفكير فيها ناهيك عن تجاوزها! ومعلوم أن مفهوم الخطوط الحمراء، الذي يرد علي لسان كل أقطاب النظام وصولا الي(المتوركين) في قافلته القاصدة كنموذج وزير الإعلام، بكل عفوية، هو مفهوم ولفظ أمني بإمتياز، ويرتبط اساسا بالدول البوليسية، التي تمتلك حق الكلام والإستماع والتقييم. أي حيث وجود الحاكم وغياب المحكومين!! والغريب في حديث وزير الإعلام، هو تركيزه وترديده وإحالاته الي سلطات جهاز الأمن، وليس الي القانون او المؤسسة العدلية! فإذا كان هذا حديث وزير الإعلام؟! فما هي لغة وزير الداخلية؟!! والمحكمة نفسها تعمل بالتنسيق مع لجان البرلمان الحزبية، وجهاز الأمن الطرف في القضية المثارة!! وفي الحقيقة لأ توجد قضية ولأ يحزنون من وجهة نظر التقاضي العادل! ولكنها نوع من الألعاب البهلوانية، التي يلجأ إليها النظام كل حين! ولأغرض قد تكون معلومة للعامة او مجهولة يختصم حولها القوم، ولكن حقيقتها تظل في حرز مكين لدي بعض النافذين! وهذا بدوره يقودنا الي نقطة أخري أبانتها هذه القضية، وهي ورغما عن تعدد الرؤوس ومراكز القرار لجسم النظام الأخطبوطي. إلا أن النواة الصلبة لهذه المنظومة يمثلها جهاز الأمن. ليس بوصفه جهاز يحمي النظام او المجموعة المؤثرة فيه، ولكن بوصفه يضع أيضا خطط سيره وتوجيهه ويوقع بالقلم الأحمر علي تنفيذ مخططاته! فهو إضافة لتمدده خارج نطاق واجباته، جمع المعلومات وتقديمها للجهات المختصة!! فهو من يوجه سير دفة النظام، سواء أكان ذلك تصريحا او تلميحا، وذلك علي الرغم من تابعيته الشكلية للمؤسسة الرئاسية! ويظهر ذلك بوضوح، ليس في تحكمه في الأجهزة الإعلامية والوظائف التشغيلية، وإندياحه الي النواحي الإقتصادية الراسمالية فقط! ولكن أظهرت هذه القضية، وقبلها تشكيل قوات الدعم السريع، أنه يتحكم أيضا في مسار المعارك إضافة لحماية النظام! وبكلام واضح، أصبح جهاز الأمن يسيطر علي جميع مفاصل السلطة، بما فيها المؤسسة العسكرية، صاحبة الجلد والراس في القيام بالإنقلاب(التسوي كريت في القرض تلقاه في جلده)، بالدخول في أخص خصوصياتها، وهي مسألة الحروب وإدارتها. بمعني، أنه تم تهميش للمؤسسة العسكرية، خصوصا بعد تحويل عقيدتها من حماية البلاد والدستور الي حماية النظام وافراده! وتاليا وجود ضباط وقادة أكثر ولاء للتنظيم من الدولة! أضف الي ذلك، منحهم قدر هائل من الإمتيازات والمناصب السياسية، وتسهيلات مجانية لمنافسة وضرب الراسمالية الوطنية في الأسواق، وإحتكار المزارع والعقارات الغالية الأثمان! اي تم ربط مصالحها وإمتيازاتها المهولة، ببقاء وإستقرار وإستمرار النظام، وبغض النظر عن مصالح الوطن او المواطنين! وبتعبير آخر، إن وجود قوات الدعم السريع، كقوات تابعة لجهاز الأمن، هو تعبير ضمني عن عجز المؤسسة العسكرية في القيام بدورها، وهذا إذا لم يُشر الي تضعضع ثقة جهاز الأمن في هذه المؤسسة، رغما عن التغييرات الجذرية التي طالتها سواء في عقيدتها ودورها وممارساتها علي الأرض او في نوعية قادتها! وما يؤكد هذه الفرضية، أن هذه القوات لأ تخضع لشروط وترتيبات المؤسسة العسكرية، لأ من حيث التكوين ولأ من حيث الإشراف والمتابعة وتاليا المحاسبة. أي تعمل كسلطة مستقلة او كجسم موازٍ للمؤسسة العسكرية، وبصمت وتواطؤ منها، وهذا ما لأ يليق بمؤسسة محترفة وقادة محترفين! أما الحديث عن التنسيق بينهما، فهو نوع من رفع الحرج! لأنه لأ يوجد تنسيق في أخص خصوصيات المؤسسة العسكرية، وحتي إذا إحتاجت لمساعدة، يكون ذلك بمبادرة منها، لأنها الأعلم بإحتياجتها وكيفية الإيفاء بها! وإذا كانت المؤسسة العسكرية شديدة الحساسية عند الكلام عنها او فيما يخص شأنها، فمن باب أولي أن تقفل الباب الذي تلج منه هذه الهنات! وهو عودتها لطبيعتها المعلومة والمنصوص عليها في الدساتير الديمقراطية، وهي حماية البلاد والدفاع عن الدستور والشرعية الإنتخابية الحقيقية، وهذه كلها غائبة عنها! أي هي من تضع نفسها في مرمي النيران، وليس الآخرين الذين تهمهم سلامة مؤسستهم الوطنية وقبل ذلك سلامة الوطن وشرعية السلطة الحاكمة. ولكن العجب كل العجب، أن تقوم المؤسسة العسكرية بإنقلاب، ومن ثم لأ تمارس السياسة فقط، بل وتتحكم فيها!! أي تتواجد حيث عدم إختصاصها! وحيث يكثر الكلام والنقد والتناول والجدل أي حيث بيئة الكلام(السياسة)، ولكنها ترفض كل ذلك، وتصر علي مصادرة السياسية والدولة والمجتمع وتاليا حق الكلام! أي تريد المؤسسة العسكرية حكم الدولة الصامتة، وإلا فالمواطنون خاطئون ويستحقون النفي من الوطنية، المقدمة الطبيعية للنفي من الحياة! وإحتمال الغرض الأساس من تكوين قوات الدعم السريع، وحمايتها ومنحها الحصانة ضد المحاسبة، وإطلاق يدها لممارسة أقصي درجات العنف! هو بث الرعب و درجة عالية من الإرهاب بين المواطنين، لمنعهم من المطالبة بحقوقهم العامة(مشاركة في السلطة والثروة) والخاصة(حرياتهم الفردية ضد الوصاية الحكومية والمجتمعية) هذا من جهة، ومن الجهة المقابلة لإرسال رسالة ضمنية للمؤسسة العسكرية نفسها، تعلمها بأنها ليست الجهة الوحيدة المالكة للقوة والسلاح! أي إن إنقلاب المؤسسة العسكرية علي النظام لأ يشكل خطر جدي عليه، في ظل وجود قوات خاصة لحماية النظام، حتي من المؤسسة العسكرية، وبغض النظر عن التجريف الهائل الذي تعرضت له!! بمعني، إن المنظومة كلها تعيش حالة من الخوف وإنعدام الثقة المتبادل، بين الأجنحة والتيارات المتصارعة داخلها، وأن ما يري أنه ثبات للمنظومة، هو مجرد محافظة علي السلطة التي تحمي الجميع من جهة، ولمواجهة المعارضة والشعب المتربصان بها من الناحية المقابلة!
وأيضا يشير هذا الإعتقال، وتضارب الآراء حوله خاصة من داخل النظام، الي أن آلية عمل النظام لأ تعمل كوحدة واحدة، أو ذات مرجعية أي أكان نوعها، تنظيمية معرفية سياسية أخلاقية ولا حتي شخصية! ولكنها تمثل حالة من التخبط وصراع مراكز المصالح والقوي في أعلي تجلياتها، أي النظام بهذه الحالة هو إنعكاس لحالة اللانظام واللاعقلانية واللاإنضباط التي تنتظم هذا التنظيم! بمعني، أنها تعمل كمنظومة خائفة من المحاسبة والمعارضة وجموع المواطنين الذين أساءت إليهم طويلا. ولذلك ترهن عقلها وقلبها وميزانيتها ومستقبلها للذراع القادر علي حمايتها اي جهاز الأمن! أي اصبح عقل الجماعة/النظام/الحكومة وأسلوب عملها أمنيان بإمتياز! وتاليا تنحسر السياسة ودوائر النقاش وأدوات التنظيم والتخطيط! ويحل محلها التخبط وتقديم الأولويات الأمنية، وبغض النظر عن حقيقتها او درجة معقوليتها او عدمها او أثرها السياسي او عدمه! أي كأنها تعمل في الفراغ، أي في حضور الهاجس الأمني لأ حاجة للآراء او تداولها او تقبل وجهة نظر مغايرة او مجرد السماح بالتعبير عنها، أي عند حضور الأمن الأولوية للبقاء، أي المحرك الفعلي غريزي وليس عقلي او تنظيمي! وهذه المحصلة لم تاتِ صدفة، ولكنها نتيجة لتراكم سلسلة ضخمة من التفاصيل، المتمثلة في تحكم أفراد قلائل في القرارات والتنظيم، دون إعتراض جدي من القاعدة. وايضا بالصمت علي الفساد منذ وقت مبكر، وكذلك الصمت علي كثير من الجرائم المنافية ليس للشرع والقوانين فقط، بل حتي للأعراف المحلية التي يفترض أنهم تربوا عليها! ومنذ بواكير تعاطي النظام مع السلطة بتعقيداتها وبراغماتيتها. والأسوأ من ذلك، درج بعض المزايدين تنظيميا، علي تبرير كل تلك الممارسات الداخلية، المنافية للتنظيم الناضج والممارسة السياسية الراشدة والروح الوطنية الحقة! وبالطبع الأسوأ من ذلك بل ما شكل أس الفساد والباطل، هو الصمت علي الإنقلاب علي السلطة الشرعية، وذلك بتصديق حجج واهية وأعظم من الذنب، ويعلم الصامتون أنها ليست حقيقية وغير مقنعة! المهم الصمت علي الأخطاء داخل هذه الجماعة خوفا او طمعا، هو ما قادها الي هذا المآل. أي سيطرة القوة والظنون، المتمثلان في جهاز الأمن، علي كل المنظومة! وتاليا إستبعاد أصحاب القدرات السياسية والتنظيمية والإدارية وعلي محدوديتها، من مراكز صنع القرار داخل المنظومة! والمحصلة، أن ممارسات التنظيم وآليات عمله والتحكم به، هي أمنية وليست سياسية! ولذلك مقاربتها من ناحية سياسية او رؤيتها من وجهة النظر السياسية، لأ تحيل الي نتيجة صحيحة او حتي مقبولة! أي تصبح رؤية خارج السياق الذي تعمل خلاله هذه المنظومة المأزومة. ومن ضمن ذلك بالطبع، إعتقال السيد الصادق المهدي، بمعني، أنه تم وفق الترتيبات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، كجهات أكثر نفاذية وتأثير من الجهات السياسية داخل المجموعة، بل ومتعالية ومسيطرة عليها! وهذه ليست بدعة خاصة بالجماعة، ولكنه قانون يواجه كل الأنظمة الدكتاتورية والتوتاليتارية في أوآخر عمرها، بعد أن تشيخ وتحاصرها الأزمات والأخطاء والفساد والبحث عن الخلاص الفردي والجماعي! أي بعد إستنفاد شعاراتها وأحلامها الطفولية غرضها، وفرض الواقع المأزوم مطالبه المتجاوزة لقدرتها علي الحلول! أي عندما تواجه مصيرها المحتوم، أي الذهاب الي مزبلة التاريخ مشييعة باللعنات المستحقة!
وإشكالية السيد الصادق المهدي، من هذا المدخل الذات! بمعني أنه يحاول أن يلعب سياسة مع نظام أمني بامتياز، ولأ يرفض السياسة فقط، بل يحتقر السياسة والسياسيين! وأيضا يحاول الأمام أن يكون لينا سهلا مع تنظيم عنفي دموي متشنج ولأ يعرف غير لغة العنف سواء لفظيا او ماديا! وكذلك يحاول السيد الصادق المهدي، ممارسة الحكمة والصبر مع منظومة، ليست مجردة من الحكمة فقط، ولكنها الي الرعونة والغرور والتعصب وكره الآخر أقرب! بمعني، إن السيد الصادق المهدي، يحاول جاهدا أن يخلق جماعة أخري موازية، أي بناء منظومة أخري في خياله الشخصي، مغايرة لحقيقة الجماعة الإسلاموية! وتفترض سلفا أنها أتعظت من أخطاءها وتعلمت من ممارساتها! وتاليا تستحق المحاورة والإلتقاء معها عند الوسط او علي كلمة سواء! ويساعده في ذلك الشعارات الجوفاء والحوارات الجدباء(حوار الطرشان كما يقول هو شخصيا في لحظات الإحباط) التي يطلقها ويمارسها النظام المراوغ، والمقصود بها تحديدا مخاطبة خيالات ورغبات الإمام المكبوتة! او تصوره الرغبوي لهذه المنظومة الإجرامية! وهذه الرغبات المهدوية ليس مقصود بها مطابقة الصورة الخيالية مع واقع الجماعة الإسلاموية، الذي يصعب إحتماله او تبريره او القبول به تحت أدني إعتبار! ولكن المقصد الأساس منها هو التبرير للسيد الأمام، في الإندفاع نحو النظام والدخول معه في سلسلة حوارات او مواجهات لفظية كلامية، ظاهرها المصلحة الوطنية، وباطنها منحه هامش من الحركة والمناورة السياسية! التي تشبع رغبات وتطلعات الإمام السياسية. أي إذا تعذرت الزعامة من أفق سلطوي حاكم، فأقلاه يمكن الحصول عليها كجبهة وطنية مُعارِضة أي مُعارَضة مسؤولة. أي قيادة الجبهة السلمية الوطنية النبيلة المعارضة! أي الأصل لديه هو القيادة او الزعامة، أما السطة او المعارضة، فهي إختلافات في الدرجة أي كمية الحكم والإمتيازات فقط! وهذا بدوره قد يفسر سيولة المعارضة وعدم قدرتها علي الإتفاق، علي برامج عمل مشترك ولو في الحد الأدني، أي الإجتماع علي مشتركات هي ظاهريا متفق عليها. وهي ضرورة إبدال دولة الحزب والإحتكار بدولة المشاركة والديمقراطية. ولكن هل يعني ذلك تبرير إعتقال السيد الصادق المهدي، كلا، بل العكس هو الصحيح. أي أن يتحول هذا الإعتقال الي بداية حقيقية من حزب الأمة في الإتجاه نحو توحيد جبهة المعارضة، والإتفاق معا علي إسقاط النظام، وعدم منحه الفرصة للإستفراد بتكوينات المعارضة بصورة منفردة، وإعادة سيرة الثور الأبيض. أي ما يمس أي حزب يمس الجميع، هذا من ناحية. أما الناحية الأهم، إن إتفاق المعارضة بكل أحزابها وتياراتها وتقسيماتها المختلفة علي هدف إسقاط النظام، كهدف جوهري ومرحلي وشرط لأزم لما بعده، أي بناء دولة المواطنة والقانون. يمنح الجمهور العريض الساخط علي النظام والرافض لممارساته القهرية والكاشف لسقطاته الفسادية، ومفارقته للقيم الديمقراطية والوطنية الحقة. الفرصة للإلتفاف والتجمع حول نواة او جسم حقيقي(أي تحتاج الجماهير لصانع ألعاب "ينظمها" ورأس حربة يتقدمها "بلغة كرة القدم")، أي الإشكال الحقيقي في المعارضة وقدرتها علي إقناع الجماهير بجديتها في التصدي للنظام. وعندها ستجد الجماهير خلفها زرافات ووحدانا، ليس بسبب صدق المعارضة فقط، ولكن بصورة أشد، بسبب الغضب والغبن والسخط العارم، الذي يضطرم في صدور الجماهير، بعد أن مس النظام كرامتها واهدر فرصتها في حياة ديمقراطية حقيقية، عمادها إحترام حقها في الإختيار والرقابة والمحاسبة. إضاف الي إهداره موارد البلاد وتوظيفها لصالح محاسيبه وجهاز حمايته الخاص. وهذا ناهيك عن الدمار الشامل الذي طال مشاريعه الإنتاجية والخدمية، وحقه في الإنطلاق الي الأمام ككل الشعوب المحترمة، بثقة وإقتدار، خاصة وهو مؤهل لذلك بشريا وماديا او موارديا. بتعبير آخر، إن عوامل الثورة والإحتجاج والتغيير جاهزة وحاضرة، وينقصها فقط التنظيم والمبادرة. وأفضل من يقوم بذلك، هي المعارضة الوطنية، لخبرتها السابقة، ولإمتلاكها أدوات المبادرة. والأهم أنه قدرها، أي بصفتها تعمل في نفس حقل السلطة والحكم وقيادة الجماهير. وهذا ليس ببعيد او غريب عليها، إذا ما رجعنا لدورها ومجهوداتها وتضحياتها العظيمة في سجلات تاريخنا القريب، سواء في أُكتوبر او أبريل. وكل المطلوب منها لحظة صفاء مع النفس وصدق مع الجماهير، والبقية تأتِ في حينها، ولأ نامت أعين المُخذلين في الصحف والمرجفين في المدينة.
آخر الكلام
أسوأ ما في النظم العسكرية والدكتاتورية، هي إفساحها المجال للعاطلين من المواهب والقدرات، لتحمل الأعباء الجسيمة. في حين إن كل مؤهلاتهم، تتمثل في السب واللعان وتهديد الجماهير بالويل والثبور وعظائم الأمور! ما أتعس وطن يقوده هؤلاء!

عبدالله مكاوي
mekawy222280@yahoo.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1229

خدمات المحتوى


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة