06-03-2014 09:19 PM


بينما كنا نقف في البلكونة والعيون في العيون نحتفي بنا ونحكي عنا، ضحكت فانيسا بشهية، سقطت على صدري ثم أعتدلت في سبيل إكتمال الحكاية التي تروقها جداً "قل لي كيف ألتقينا أنا وأنت قبل حدوث البيق بانق" ثم رجتني "لحظة" دخلت إلى الغرفة جاءت بكوبين من الكبتشينو الكلاسيكي مصنع من الرستريتو إسبرسو الإيطالي، في تلك الأثناء كنت متكئاً على حافة درابزين البلكونة أنظر ناحية الأفاق البعيدة أتأمل سحباً رهيفة تلاعب وجه الشمس. وضعت فانيسا الأكواب على المائدة وطوقتني بذراعيها من الخلف وصدرها يهتك صبري وخدها الأيسر يلتصق برقبتي وأنفاسها في أنفاسي برائحة الرستريتو إسبرسو الذي تذوقته في الداخل .

"حدثني عنك، قل لي المزيد"، "البيق بانق؟" ثم ضحكنا معاً نهز الدرابزين ويهتز صدر فانيسا من خلفي وتهتز السحب الهائمة في الفضاء تعطي مساحة لوجه الشمس فكان كمال الإشراق.
"أنا؟"، "نعم أنت". فكرت لوهلة ماذا أقول لها!. كانت فانيسا راغبة في معرفة خلفياتي السايكلوجية والإجتماعية "هويتي". الهوية بنت مجتمعها بنت الأرض بنت السماء بنت البيق بانق. طبائع الأنفس تختلف بإختلاف مجتمعاتها والبيق بانق واحد.
أنا كنت ذرة صغيرة في قلب السديم الأول المتكلس تريليونات السنين قبل البيق بانق وانت هناك، قاطعتني فانيسا "أطوقك هكذا من الخلق؟"، "لا، كنتِ من أمامي". عندها فكت فانيسا وثاقي وبدلتني موقعها في وردية من دوام شديد الحساسية بينما لا تزال السحب في الفضاء تجري إلى مستقر مستحيل.

"نعم كنتِ هكذا من أمامي"، "تضمني إليك هكذا؟."، "نعم تماماً"، "وهل كنت أنا سعيدة؟"، "كنا معاً في غاية الحبور". "وفجاة وبغتة وبلا مقدمات وعلى حين غرة وغفلة حدث دوي مهول فأنفجر الغطاء الذي يغطينا وتشتت في المسافات البعيدة، ذاك كان البيق بانق، فضعنا، تهنا عن بعضنا البعض 14 مليار سنة، وفي اللحظة المرتبة وفق نظام فوضى الإنفجار العظيم جئت أنا بهيئتي هذه إلى بلدة صغيرة على الضفة الشرقية من النيل في السودان وجئتِ أنتِ بهيئتك هذه إلى بلدة أخرى صغيرة في شمال يوركشير في إنجلترا".

عندها أنقلبت فانيسا إلى الأمام "هل كنا نبحث عن بعضنا البعض كل تلك المدة؟"، "نعم"، ضمتني إليها "وألتقينا في القطار؟"، "طبعاً"، أزاحت فانيسا جسدها عن صدري، أعتدلت من أمامي وتساءلت بجدية "سنبقى معاً إلى الأبد؟"، "ليس بالضرورة"، دهشت فانيسا، فتحت شفتيها لتقول شيئاً لكنها صمتت من جديد وكأنها تفكر، فواصلت أنا "نعم ليس بالضرورة أن نبقى معاً إلى الأبد بالمعنى اللحظي، ليس ممكناً، لكنني سأحبك إلى الأبد، في حضورك المادي وفي غيابك"، "وأنا أيضاً سأحبك إلى الأبد"، "أعلم، نحن في هذا الحب منذ لحظة السديم ما قبل البيق بانق".

"وإن إفترقنا يا فانيسا، يا صنو روحي فإننا لن نفترق، سأذكرك وأشعرك على مر السنين والدهور حتى ألتقيك من جديد في دورة البيق بانق، وسأحدث عنك الناس والكائنات والأشياء إلى حين لقاء"، "ستكتبني رواية؟"، "لا، أنا لا أجيد مثل ذاك الخيال، لكنني أعرف جيداً صناعة الوشوم، سأجعلك وشماً في كف الخلود".

إنقشعت السحب عن وجه الشمس في كرة جديدة، فنظرت فانيسا ناحية السماء تضع يدها فوق جبهتها تغالب ضوء الشمس الساطعة، ثم "أوه نسينا الكبتشينو، لقد برد، لكن لا بأس سنشربه". وفي اللحظة التي رفعت كأسي بادلتني فانيسا كأسها "انت تشرب كأسي وأنا أشرب كأسك".

رفعت الكاس الذي بادلتنيه كي أشرب، أوقفتني فانيسا "ليس هكذا يشرب نسل البيق بانق"، رشفت جرعة، أقتربت مني أكثر ووضعتها في فمي، ضحكنا، تشتت قطرات الكبتيشنو على رقبتينا وصدرينا، لكن فانيسا أصرت على أن تواصل العملية الشيقة المجنونة حتى النهاية، كانت لذيذة.
"هل كنا نشرب الكبتيشنو هكذا تريليونات كنا في السديم قبل البيق بانق؟"، "طبعاً"، ضحكنا معا. "كيف كنت تشعر بي؟"، "أنت كنتِ كل شيء وعندما تشعر روح الكائن منا بكل شيء لا يشعر بشيء، يكون هو الوجود كله والوجود هو، كان بصرنا حديد".

مشت فانيسا عدة خطوات إلى الوراء، دارت عدة مرات كاشفة عن نسق قوامها الممشوق "هل كانت هيئي ذاتها؟"، "لا، بالطبع لا، لكن انتِ تجيئين كل المرات في كل المراحل في الهيئة التي تروقني". لعقت فانيسا بلسانها قطرة كبتيشنو أخيرة سقطت على نحري "لا تقلق سنأخذ بعد قليل حماماً دافئاً معاً" وجرت إلى الداخل، كان هناك ثمة رنين تلفون، عادت تتحدث بالموبايل مسكتني من على كتفي بشدة وهي تومئ برأسها "نعم سيأتي معي إلى البلدة، نعم، نعم، هو ليس صديقي فحسب، نعم، هو، هو، هو أكثر من ذلك بكثير، مع السلامة جانيت، قبلاتي لماما".

يتواصل.. حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا.
محمد جمال

nson2003@yahoo.com


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 2690

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1027119 [كاسبر]
0.00/5 (0 صوت)

06-06-2014 06:39 AM
انت راجل بكاى
الله يشفيك


#1026982 [مغرم بفانيسا]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2014 10:32 PM
في الانتظار


#1026728 [طفل يخربش فوق جدران السماء]
0.00/5 (0 صوت)

06-05-2014 03:35 PM
أنت كنتِ كل شيء وعندما تشعر روح الكائن منا بكل شيء لا يشعر بشيء، يكون هو الوجود كله والوجود هو

جميل ما تخطه .. كن كما النقش على الخلود .. ودي وإحترامي ..

همسة : وين الحلقة "الرابعة" ....


#1026648 [Sudanisabir]
5.00/5 (1 صوت)

06-05-2014 02:07 PM
اه يا رائع اعجبيني الحبكة والقصة والمضمون واللغة فانت حقا مبدع والخيال واسع ودميا
امثالك يرمون الدهشة والفرحة والبسمة على دروبنا الصدءة المتكلسة

لك باقة ورد ندية وللراكوبة
مللنا التراشق والاتهامات والسطحية في الطرح
انت جقا رائع ومبدع


#1025817 [راضي]
5.00/5 (1 صوت)

06-04-2014 10:11 PM
خيال ساحر خلاق استطاع ان يجعلنا نعيش في قلب الاحداث والروح والمعاني.

والله عيب على الناس البتعاين للملابس الداخلية وبس لفانيسا وناسيين روحها الحلوة في القصة وناسيين اختلاف الثقافات والبيئة


#1025813 [نوف]
5.00/5 (1 صوت)

06-04-2014 10:07 PM
رووووعة. لغة حلوة شديد سرد عجيب عالم جميل


#1025776 [لطيف واضح]
0.00/5 (0 صوت)

06-04-2014 09:06 PM
هذه القصة العبقرية الفذة
تأخذنا في دوامة لا نهائية من بيغ بانغ السديم
تلاطفنا بعبق حروفها الشذوية الفواحة
تزحجنا بزهتيب قاتل
سلمت لنا يا صديق المسافات البعيدة وانت شادي في هذه الفانيسا الجميلة
كل هذا الشبق اللطيف لماذا لم تكمله بممارسة الجنس معها وتنشغلا بطفل كثير الصراخ
لكني اشكرك واسالك ما ذنب البنطلون ليظل ممشوقا كخيمة غير ظليلة
لك الود يا عزيزي وللراكوبة كذلك


#1025662 [عتمنى]
0.00/5 (0 صوت)

06-04-2014 06:15 PM
الاخ محمد جمال رجائى ان تستفيد من النقد البناء حتى يستقيم لك العود ولا تترك ذره من تعليقات القراء حتى تستفيد منها وهذا سر النجاح.


#1025564 [ابوغفران]
0.00/5 (0 صوت)

06-04-2014 04:37 PM
يامحمد جمال اخشى مااخشاه ان تخبرنا فى الحلقة الاخيرة ان كل ماقلته كان مجرد حلم وفى اللحظة التى هممت فيها بمواقعة فانيسا صحوت.


#1025270 [الجقل الكلاب]
0.00/5 (0 صوت)

06-04-2014 12:53 PM
مغامرات السودانيين في اوروبا كثيره ولكن نتمني ان تخرج لنا ادبا مثل موسم الهجره الي الشمال ولا مش كده يا مصطفي سعيد-اقصد يا جمال.


#1024847 [طائر الهوى]
3.00/5 (3 صوت)

06-04-2014 06:35 AM
لاباس وان كانت تغلب على اسلوبك الكتابه الحسيه الرخيصه ........... ترفع قليلاً يبدو انك قرات كثيرا لاحسان عبدالقدوس ويوسف ادريس ففقتهما حسيه احسان كان يركز على استعراض افكار شخصياته ومن ثم لايعتمد كثيراً على الاسلوب الحسى البحت لشد ضعاف القراء وهذا مايعيبك انت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


محمد جمال
محمد جمال

مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة