12-10-2015 10:59 PM


+++
أقرب إلى القلب:
(1)
كنتُ دائماً ما أنصح أبنائي وبنياتي، أن لا يملّوا الاستماع لقصص التاريخ الحديث والأقدم، بل أن يعزّزونها بما يقرأون في الكتب، أو ممّا أحكي لهم عنه وعن "أيامنا" السابقات. وأيامنا التي عنيتُ، هي غير "أيام" ود القرشي والمطرب عثمان الشفيع، وإن كانت أحقّ بالغناء لها أيضاً. لقد عشنا أياماً بهيّة منذ خمسينات القرن الماضي، حين بدأنا نتسلق شجرة التعليم من أغصانها الدنيا إلى أغصانها العليا. من الأولية، والوسطى والثانوية وإلى الدراسة الجامعية. إلا أن مرحلة الدراسة الثانوية، هي أكثر فترات التعليم رسوخاً في ذاكرتي. هي مرحلة النضج.
إنّ في التاريخ رصيداً من التجارب الإنسانية، ثريّاً بإضاءات تفتح بِعِـبَرِها مساربَ جديدة ، وبدروسها ما قد يجنبنا مواطن الزلل، ويبعدنا عن مهاوي الفشل.
(2)
كنّا طلاباً في مدرسة المؤتمر الثانوية في أم درمان، وَهيَ التي حملتْ اسم وروح "مؤتمر الخريجين"، ذلك الذي قاد مسيرة الحركة الوطنية إلى مشارف الاستقلال في عام 1956 من القرن الماضي. حملتْ اسمه أجيالٌ تتالت، منقوشاً في وجدانها أثراً لا يبلى. وعرفنا عبر تلك المدرسة، أنّ للأوطان في دمِ كلّ حرٍّ ديناً مستحقا وأمانة ارتضينا حملها ، وفاءاً لوطنٍ علمونا أنْ نحبّه بالعقل وبالقلب معاً. نستدنيه ولا ننفر منه. .
على أيامنا أواسط الستينات من القرن الماضي، كان الرّاحل الطيب شبيكة، مُعلّم الأجيال، الفارع مثل نخلة، الصّارم مثل سيف، هو مدير مدرسة المؤتمر الثانوية. عاصرناه أواسط الستينات، فكان بشخصيته المُحبّبة، يفتتح دائماً في اجتماع السبت، بداية الأسبوع الدراسي، ويشعرنا أننا في مدرسة جديرة بالاحترام. جديرة بأن ننتمي إليها. علّمنا الرجل أن نحترم معلمينا، قبل احترام الفصل الذي نجلس إليه. علمنا احترام الوقت، قبل احترام الكتاب الذي نقرأ. .
(3)
شجّعنا معلمنا شبيكة، بل دفعنا دفعاً حثيثاً، للاهتمام بنظام المدرسة واحترام انضباطها والحفاظ على نظافتها. حثنا لتنجيل ميدان كرة القدم بالمدرسة، فحولناه في بضعة أيام إلى ساحة خضراء. راهن على قدراتنا للاستيعاب ونحن في تلك السنّ المبكرة، فكان إصراره لأن نشاهد التمثيليات من على مسرح المدرسة. قبل الانتباه لحصص الكيمياء مع المعلم ميشيل المصري، وحصّة معمل الفيزياء مع المعلم الفلسطيني عدنان، وحصّة الدين الإسلامي مع المُعلم المصري عمّار، كان يحضّنا على حضور الندوات الأدبية في المدرسة، مثل تلك التي قدمها أستاذان جامعيان، الأول هو الدكتور عزالدين إسماعيل، والآخر هو الدكتور محمد غنيمي هلال. كنا بعقولٍ غضّة لم تشبّ إلى أعلى أغصان الشجرة بعد، نستمع إلى دروس عميقة في النقد العربي، من مثل هذين الأستاذين، وما كنا نعلم وقتها، أنهما يمثلان مدرستين كبيرتين في النقد في ساحة الأدب العربي. .
(4)
بعد مباراة حبيّة بين مختلف فصول المدرسة، يوجّهنا مدير المدرسة لنجلس إلى محاضرة في الفنون الشعبية والفولكلور، يقدمها فنان ومطرب مثقف إسمه عبدالكريم الكابلي. في ساعات العصر، ثمّة من انضووا لفريق السلّة مثل صديقي وابن دفعتي السفير علي يوسف الشريف، وآخرون يمارسون لعبة الملاكمة، على حلبة أقيمت شرقي مباني المدرسة بمواصفات دولية. كثيرون انخرطوا في نشاطات سياسية شبه سرية. في تلك السن الباكرة كان بين طلبة المدرسة من جذبتهم المذاهب السياسية والفكرية: ماركسيون. إخوان مسلمون. وجوديون. أنصار واتحاديون. وفيهم من يقرضون الشعر ومن يكتبون القصص. أينَ أنتَ يا خالد ساتي ويا معتصم فضل ويا مصطفى مدثر، وأين أنت يا عبدالوهاب الصاوي، ويا عبدالمطلب بابكر هلاوي..؟ وأين أنت يا علي حسن نجيلة. .؟ أينَ أنتَ يا عبدالحليم صالح جاويش. .؟ ويا صديقنا الباقر أبتر؟ ويا د.عثمان إبراهيم الحسين، ويا مولانا د. حيدر دفع الله. .؟
(5)
في الجزء الجنوبي من المدرسة، تقوم فصول الفنون الجميلة. هنا أيضاً في ركنٍ قصيٍّ- اختاروه، حَذر أصوات الآلات الموسيقية العالية- يتولى الصول الموسيقار عبد القيوم تقديم الدروس التطبيقية في الموسيقى ، بعد الدروس النظرية التي تلقيناها ، ونحن جلوس في الفصول الدراسية.
أمّا تنفيذ الانضباط، فهوَ من مسئولية الصّول الأمين والصّول العشا. أجل.. كان هنالك تثقيف قبل التعليم التقليدي. كانت هنالك حياة مدرسية ممتعة، ولكن لم تخلُ من صرامة الحرص على الانضباط، والالتزام باحترام قواعد النظام في مدرسة - ليست مثل المدارس التي رعاها الكولونيالي الغريب- قامت بأيدي رعاة الحركة الوطنية، الذين شكلوا "مؤتمر الخريجين". نحن في مدرسة خرجت من رحم الحركة الوطنية. .
(5)
كانت مدرسة المؤتمر الثانوية، برغم تفرّدها، مدرسةً مثل سائر المدارس التي عرفها السودان أوانذاك: حنتوب وخور طقت، أو تلك التي عرفتها مدينة أم درمان، تحديداً: المدرسة الأهلية. مدرسة الأحفاد. مدرسة بيت الأمانة. ولكن كان لمدرسة المؤتمر عبق تعرفه جيداً الأجيال التي تلقت العلم في فصولها في سنوات عقدها الأوّل. هو عبقٌ جاءها مِن ريادة مَن أسّسوها في خمسينات القرن الماضي، لتحمل رمزية الحركة الوطنية التي كان أبرز وجوهها، الرّاحل الكبير إسماعيل الأزهري، زعيم الوطن الذي تجذّرت زعامته الحقيقية منذ "مؤتمر الخريجين"، أواخر ثلاثينات القرن الماضي. حين وقفتُ أمام بوابة المدرسة ذات يومٍ في نوفمبر عام 2015، هالني أنْ وجدتُ اللوحة الرّسمية المطلة على شارع الموردة، تشير إلى أنّ "مدرسة المؤتمر" أسستْ عام 2013، وعلى اللوحة الاسم الرسمي للمحلية المعنية في الولاية التي تشرف عليها. لعلّ تاريخ البلاد، قد بدأ بعام 1989 ونحن آخر من يعلم، فظنتْ تلك المحلية، أنّ المدرسة هي مدرسة المؤتمر الوطني..!
(6)
دلفتُ بسيارتي ذلك اليوم، ومَعي ابنتي، إلى داخل المدرسة، عبر بوابة مُشرعة ولم يعترضنا أحدٌ. سعدتُ بالدخول إلى العرين الذي كنت شبلاً فيه، ألاعب أشبالاً مثلي، هم لداتي في الفصل الدراسي، وحولنا معلمون أفذاذ كبار: أحمد النضيف. إبراهيم العقلي. بدوي طيب الأسماء، شاعر يعلمنا الأدب العربي. في التشكيل والفنون، الفنان التشكيلي محمد زبير الرشيد ومبارك بلال. الأستاذ عربي مُعلم التاريخ. مستر "كـوك" ورفيقه الأسكتلندي الفارع الطول، مستر "شـو" يدرساننا شيئا عن شيكسبير، مسرحيته "ريتشارد الثاني"... الأستاذ شكّاك مُعلم الجغرافيا. مبارك يحيَ. محمد عثمان بابكر وحمزة حسين والمعلم حسن "سلك" ودروس الأدب الإنجليزي .. تداعتْ الأسماء فور امتلاء الصدر بنسائم البقعة التي استظللتُ بها في صباي، وعلّمنا فيها معلمون، هم كواكب في سموات التعليم. . .
قلتُ لابنتي: هنا نشأنا. هنا تعلمنا وعرفنا أسرار اللُّغى والعلوم والفنون. هنا، وتحتَ هذا التراب، جلسنا ولهَـوْنا أحايين، وعانينا وتعبنا من تمارين "الكاديت" العسكرية في الصباحات الشتائية، أحايين أخرى. هناك وفي البهو العريض، صمدنا تحت سياط الصّول العشا. لم نكره سياطه، لكن كرهنا أخطاءنا التي ارتكبنا. تضحك إبنتي ممّا أحكي من طريف ما تذكرت. .
(7)
في سنوات الخمسينات الأولى، كان الزعيم الأزهري غائباً في مهمّة سياسية في القاهرة، حينَ اجتمعتْ اللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين، وتداول أعضاؤها شئون المؤتمر العامة. حكى تفاصيل الفكرة الأستاذ مصطفى محمد الحسن في كتابه الشيّق الذي عنوانه "الأزهري: أسرار الزعامة"(الخرطوم، 2003)، حيث أشار إلى قصة إنشاء مدرسة المؤتمر، وكيف أنّ المهندس خضر عمر الذي حضر ذلك الاجتماع، هو أوّل من بادر بطرحِ الفكرة لإنشاء مدرسة ثانوية، تكون صنواً وطنياً وصرحاً سودانياً خالصاً، يقف إلى جانب صروح التعليم التي كانت قائمة آنذاك، بدفعٍ واهتمامٍ من الإدارة الكولونيالية. تحمّس رجال المؤتمر وقادته، مثل محمود الفضلي وعثمان خاطر ودكتور علي أورو وحسن أبوجبل. ولمّا كان المشروع لا يقوم إلا بتمويل ودعم مضمون، يمضي الأستاذ مصطفى محمد الحسن، يفصّل في كتابه كيفَ تمّتنفيذ الفكرة: (.. جرى اتصال عاجل بالجهات المصرية. . بوفد السودان بزعامة الأزهري الموجود بالقاهرة آنذاك، وتكليفه هو وأعضاء اللجنة الموجودين هناك- يحي الفضلي ومبارك زروق- للاتصال بدوائر التعليم المصرية في القاهرة والتي قدمت الكثير للطلاب السودانيين من قبل ، لتعيّن بعض المدرسين ليتولوا التدريس في المدرسة الثانوية المقترحة. من ناحية أخرى كونت لجنة من المهندس خضر عمر ومحمود الفضلي والمهندس حسن أبوجبل وعلي حامد، لمواصلة الإجراءات الكفيلة بنجاح المشروع. اجتمعت هذه اللجنة واستطاعت بعد جهدٍجهيد، تدبير المال اللازم وإعداد الخرط المطلوبة، واقترحت الموقع الحالي لمدرسة المؤتمر الثانوية..) في أوائل الخمسينات أفتتح الزعيم الأزهري مدرسة المؤتمر الثانوية. .
(8)
برغمِ ما حكيتُ لابنتي عن تاريخ مدرستي الثانوية، مُفاخراً بها وبحالها في سنوات الستينات التي قضيتها في رحابها، لكن ملامح ابنتي لم تَحكِ استحسانا لما أقول. سنوات الستينات حال، وسنوات العقد الثاني في الألفية الثالثة، حالٌ آخر.
الفصول التي حدثتُ عنها، صارت آيلة لسقوط وشيك. النوافذ والأبواب لا تكاد تثبت في جدرانها. المسرح الذي حكيتُ لها عنه، هو أمامنا محضُ خرائب لا يصدّق أحد أنها كانت يوماً مسرحاً شهدنا على منصته مسرحية "العباسة أخت الرشيد"، ومحاضرات أساتذة كبار. . ميدان كرة القدم الذي استزرعناه في نهارات سنوات الستينات، لم يعد أخضراً، إلا في ذاكرة أمثالنا الذين شاركوا زراعة حشيشه الأخضر، ولعبنا عليه في منافسات حبيّة مع مدارس أم درمان الأخرى. حلبة الملاكمة التي شيدتْ بمعايير دولية، لم تعد حلبة على الإطلاق، بل تهرّأت واتسخت حبالها. المطعم الذي كان مكاننا المفضّل لتناول وجبة الفول الصباحية من صاحبه عمنا "الطيب"، أراهُ أمامي خرائب وأطلال، لا تناسب إلا الأشباح والشياطين !
المفاجأة التي لم تكن في حساباتي، رأيتها في الجزء الغربي الذي ظلّ منذ سنوات التشييد الأولى، مقرراً له أن يكون امتداداً مستقبلياً لمباني المدرسة. رأيتُ مشهداً لا علاقة له بالمدرسة، ولو قيل لك ان تلك المساحة المهملة، صارت ملجأ للقطط الضالة في ليالي الشتاء، أو ملاذاً غير آمنٍ لمشرّدين أو لسذّج ضالين، لصدّقت. في مساحة أخرى معتبرة، تقع في الركن الشمالي الغربي، أقيم ملعبُ مصغرٌ للرياضة، لا يبدو متسقاً مع الخرائب ومباني الفصول الآيلة للسقوط ومكبّات النفايات المنتشرة حوله. .
(9)
عجبتُ أيّما عجب، أنْ كيفَ لا يرى القائمون على مدرسة المؤتمر هذه الآونة، كلّ هذا الخراب المستشري من حولهم، في مدرسة كانت صنواً ذات يومٍ لمدارس ثانوية سامقة الشهرة، مثل مدرسة حنتوب ومدرسة خور طقت ومدرسة وادي سيدنا، ثمّ لا يحرّكون ساكنا. . لكن هنالك قطعاً من سيحرّك ساكنا. . .
حدثني صديقي الأستاذ عاكف محيميد، أنّ الأوفياء لتاريخ تلك المدرسة المميّزة، ممّن نشأوا وتعلّموا في رحابها، سعوا لمدّ يد العون لإعادة البريق لذلك الصرح الفريد، وفيهم قاماتٌ سامقة في مختلف الساحات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإدارية، من أم درمان ومِن غير أم درمان. . إنّي وإن كنتُ من جيلٍ آفل، ممّن تعلموا في تلك المدرسة، أضمّ يدي وصوتي وقلمي، إلى يدِ رجال القضاء والمهندسين ومعلمي الجامعات والضباط والسفراء والإداريينوكبار رجال المال والأعمال، وكلّ من انتمى وتخرّج من مدرسة المؤتمر الثانوية العليا، في مختلف مراحل مسيرتها. إن الصرح التعليمي الذي أنشأه جيل الحركة الوطنية، ينبغي أن تتصدى الأجيال اللاحقة وفاءاً له، حتى يقف في إباءٍ، قبالة مسجد النيلين وجامعة القران الكريم والمجلس الوطني، صرحاً خالداً يوازي شموخ نهر النيل، الذي يمرّ شاهداً على كل هذه المعالم والصروح . .
[email protected]
=========
الخرطوم- 9 ديسمبر 2015



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2191

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1384192 [Ema]
0.00/5 (0 صوت)

12-13-2015 09:30 AM
مدارس ومدارس كانت شعلة من النور أصبحت أطلال يخيم عليها ظلام الجهل والإهمال


#1383999 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

12-12-2015 07:38 PM
ي عزيزي التاريخ يبدا من هنا ب الاسلام 30يونيو الاسود89 م عداه قبل الميلاد باطل وجاهلية كمان عاوز اسال سؤال اين ذهبت حجارة الكورتيش ف شارع النيل من يعرف يدلنا وينورنا جميع منارات العلم حتي الفنية التي تستوعب الراسبون


#1383401 [Lila Farah]
0.00/5 (0 صوت)

12-11-2015 03:31 AM
ياحاج متعك الله بالصحه والعافيه.

ماأروع وفائك للعرين الذى نشأت فيه
ولكن عندك أى فكره انو الكيزان باعوا
مدرسة المؤتمر لمستثمر قطرى ؟!!!!!!

لاتندهش ولا تتعجب ابدا في زمن الكيزان الردىء!!!!!!!!


جَمَـال مُـحَـمّــد إبـراهيْــم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة