انفصاليون رغم أنفهم
06-15-2010 12:43 PM

انفصاليون رغم أنفهم

فيصل محمد صالح

تقاتل مجموعات نخبوية سودانية منذ فترة لتصحيح علاقة الدين بالدولة تحت مسميات مختلفة، إما العلمانية بوجهها الصريح، أو فصل الدين عن الدولة أو السياسة كما جاء في مقررات اسمرا، أو الدعوة لدولة مدنية تقوم على علاقة المواطنة وتساوي بين كل مواطنيها وتقف على مسافة واحدة من كل الأديان.

ومع ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان وتميزها بخطابها الوحدوي (القديم) الداعي لبناء السودان الموحد على أسس جديدة، ومنها إقامة نظام علماني، وجدت المجموعات النخبوية الشمالية سنداً وعضداً في دعوة الحركة الشعبية، وجعلت من مطالبها سقفاً لها.

وفي تجادلها مع المجموعات الدينية، ظلت هذه النخب تكرر دعواها بأن الجنوبيين لن يقبلوا أن يكونوا جزءاً من دولة دينية تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وتضعهم في خطر مواجهة أوضاع أكثر سوءاً إذا ما سيطرت جماعات متطرفة على الدولة. ثم تقدم العنصر الديني في حوار الوحدة والانفصال على غيره من العناصر، رغم اعتقادي بمحدودية دوره، حتى صار هو العنصر الأول والأخير، بل والحاسم.

إن أخطر ما فعله العلمانيون من أبناء النخب الشمالية هو أنهم عملوا، دون وعي في خدمة الانفصاليين، وقدموا لهم حجة قوية تسند دعاواهم الانفصالية، باعتبار أن شرط تحقق المطالب صعب وعصي في الظروف الحالية.

ولكي لا نظلم هذه النخب الشمالية، فعلينا الاعتراف بأنها تعمل في جبهات متعددة، سياسية وثقافية واجتماعية، داخل محيط معادٍ تسيطر عليه الأوهام والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مع نظم شمولية قابضة، وفي ظروف محلية وإقليمية ودولية غاية في الصعوبة. ومن الطبيعي أن لا تستطيع هذه النخب أن تحقق أهدافها في وقت قريب، بل وأكثر من ذلك قد تضطر لدفع ثمن غال من أرواح وأعمار وحريات أعضائها.

لكن هذا لا يعطيها الحق في أن تصدِّر لنا إنتاج اليأس، يأسها من إمكانية استماع المجتمع السوداني لصوتها وتبنيه لدعواها، فتقول \"علي وعلى أعدائي، وتتمنى للوطن أن يتمزق ويتشتت وينقسم عقاباً له على عدم الاعتراف بصحة وجهة نظرها، وتتبرع بتقديم الأعذار والمبررات للانفصاليين.

لم يقل أحد إن دولة السودان الموحد ستكون جنة، ولا يجب أن يقول، ومن واجب القوى السياسية والاجتماعية والتيارات الفكرية ان ترى في الوحدة فرصة لنضال مشترك طويل، وهكذا تصبح قضية فصل الدين عن الدولة، لمن يؤمن بها، موضوعا للعمل المشترك بين قوى الشمال والجنوب، وليس شرطاً مسبقاً للوحدة، كما ان هناك كثيراً من الحلول الممكنة والقابلة للنقاش والتفاوض، غير الانفصال.

لا أحد يشترط على الوطن ليبقى جزءاً منه، والقوى الانفصالية الجنوبية ليست كلها علمانية، والكنيسة نفسها قوة مؤثرة وحاضرة في السياسة الجنوبية، ولنا شواهد كثيرة في ذلك، رغم أن هذا من المسكوت عنه في السياسة السودانية.

من حق النخب العلمانية أن تواصل نضالها من أجل تحقيق ما تصبو إليه، ولكن عليها أن تعلم بأن أمامها مشوار طويل لتسيره، وهو مشوار مليء بالصعاب والتضحيات، ولن يكون \"ميسه\" الوحدة أو الانفصال. بل لعلها تعلم أن مهمتها ستكون بعد الانفصال أصعب وأقرب للمستحيل، وأن مصلحتها في الوحدة، حتى تحت ظل \"القوانين الدينية القمعية\" كما تقول بعض الأقلام، لأن الوحدة في بلد متنوع الثقافات والأعراق والأديان تقدم لها مبررات وأسانيد قوية، بينما دولة الشمال بعد الانفصال ستكون جحيم العلمانيين.


وسنواصل النقاش

الأخبار

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 787

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية
تقييم
5.52/10 (40 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة