06-13-2014 12:39 PM

حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا أو الإنفجار الكوني العظيم/بيق بانق.. حلقة "11"

شاطي الأُوز ناحية منزل آل منتجمري مدجن وشبه خال من الطبيعة الوحشية التي يتمتع بها في كثير من أرجائه الأخرى ما خلا عدة أشجار متفرقة تؤمها الطيور، ثعلب الماء لم يعد يرى في تلك الأرجاء كما كان حاله في أزمان سابقة، الشاطي متصلب عند حواف الرصيف، ويبدو جلياً أن النهر تلك الناحية واجه تحديات كبيرة مصطنعة بواسطة البشر ما حدا بسلطات بلدية سيلبي وضع ترتيبات مسبقة للملاحة كما السباحة والصيد وركوب الزوارق . غير أن روح النهر ما تزال ثابتة تختلط بروائح أخشاب السفن العتيقة.

كانت الساعة الحادية عشر صباحاً، الشمس ساطعة، درجة الحرارة أربعة وعشرين مئوية فوق الصفر عندما تركتني فانيسا على الشط عائدة بدانيس إلى المنزل وفق نداء جانيت بعد ساعة ونصف من اللعب المتواصل معه على حافة النهر ثم عادت فانيسا من جديد ومعها مضربان وريشة فلعبنا معاً البادمنتون نصف ساعة من الزمان، وعندما مملناه، أخذنا بخاصرتينا وطفقنا نتسكع على الشط في الحدود المنفلتة بين سيلبي وهامنقبرو على مدى عدة كيلومترات، تحدثني فانيسا عن جغرافيا وتاريخ سيلبي وضواحيها وعلاقتها بالبلاد ككل ونهر الأُوز وأحدثها عن تاريخ الكون قبل وبعد البيق بانق وكنا نصغي إلى بعضنا البعض في سمت حميم لا يشوبه سوى رهق المسير، مشينا بلا خطة ولا وعي منا حتى أصبحنا في مركز بلدية سيلبي.
.
استقر بنا المقام على كنبة خشبية في واجهة مبنى البلدية الجديد. فككنا وثاق بعضنا البعض وجلسنا، مسكت كف فانيسا اليسرى، تأملتها، شعرتني أطيل النظر في كفها بين يدي "كيف تراها؟"، "جميلة، شهية"، ضحكنا.

أجسادنا تاريخ هذا الكون. كف فانيسا مصنعة من الخوخ والفطر والعسل الأسود والقمح والماء والمعادن والأوكسجين، أستطيع أن آكلها حرفياً فتكون جزءاً عضوياً مني فلا مانع إلا الفكرة، أجسادنا ربما كانت أجساد آخرين في الماضي وستكون لآخرين في المستقبل. ليست أجسادنا فحسب بل مشاعرنا ورؤآنا بدورهما قادمان من البعيد من حيث الأزمنة والأمكنة، بلايين الأزمنة والأمكنة. الفطر المملح الذي نأكل عمره بلايين السنين وهو بدوره يأكل نباتات وأجساد وأجسام عمرها بلايين السنين.

الأفكار التي لدينا بدورها ليست لنا، تتخلق وفق أقدارنا، وتنشأ بين أجسادنا التي ليست لنا وبين أفكارنا التي ليست لنا مشاعرنا التي ليست لنا.
"من نحن إذن؟"، "نحن من البيق بانق"، "نحن لسنا من البيق بانق فحسب، بل نحن البيق بانق ذاته"، الحقيقة الوحيدة هي البيق بانق، الروح الكلية، نحن لسنا مستقلين في أي شئ عن هذا الكون، الأجسام والرؤى والأرواح تؤول إلى نقطة واحدة هي جوهر الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل، قبل وبعد وما يلى البيق بانق، غير أن البيق بانق حدد مصير اللحظة الراهنة من جوهر الوجود". ليس الروح فحسب بل الأجسام طراً تؤول إلى جسد واحد، جوهر واحد، والروح ليست سوى مادة متحررة والمادة ليست سوى روح جامدة وكليهما يستطيعا أن يتبادلا المواقع عند أي لحظة بيق بانق جديدة أو فيما بين اللحظات المختلفة.

كل لحظة موت مفردة تعقبها لحظة حياة مفردة والعكس صحيح وكل لحظة موت كلية تعقبها لحظة بيق بانق أي حياة كلية جديدة. الدخول في لحظة الحياة مؤلماً بذات قدر الخروج منها.

الوليد يصرخ ألماً عندما يخرج من رحم أمه إلى الوجود الحاضر كونه يشعره موتاً بعد حياة هانئة في عالم رحم أمه لا مشقة فيها ولا عناء فيجئ إلى عالم جديد عليه أن يبحث فيه بنفسه عن الهواء والماء والطعام ويواجه وحشية الأشياء والكائنات ويتحمل قدراً مهولاً من الآلام المادية والنفسية والعقلية في بيئة إجتماعية تفرض عليه قسراً، لديه واجبات وحقوق مفروضتان عليه قسراً ثم في نهاية المطاف لا بد أن يمر من جديد بتجربة قاسية ومخيفة إسمها الموت، تجربة بدورها مفروضة قسراً لا خيار فيها وعندما يموت لا يموت بل يعود ليتحد من جديد مع الجوهر الكلي للكون في إنتظار دورة بيق بانق جديدة، حياة كلية وموت كلي وهكذا دواليك تتشكل المفرادت من جديد ونحن منها في دورة حياة وموت وحياة وموت وهكذا دواليك، ولا موت ولا حياة إلا ما تخيلناه، فقط هو جوهر الوجود يمارس خصائصه الأزلية أبدية السمت.

"ألم أقل لك أنت فيلسوف يا بيبان!"، "لا أظن، أنا فقط أبحث عن معنى وكيفية ما يحدث بيني وبينك وبيني وبين نهر الأُوز وبيننا معاً، وبيننا والوجود الحاضر وبين الوجود الحاضر والكون في كلياته".

"هل وجدت تفسيراً للوثة الأُوز التي تلبستك أوان نزولنا من البص ومرورنا بمنحنى النهر؟"، "رائحة النهر في تلك اللحظة كانت بلغة الكمبيوتر مثل سوفتوير يجري تحميله يتعرف به جسدي على مفردة كونية (هاردوير) دخلت مجاله الخاص وهي هذه المرة نهر الأُوز".

يتواصل.. حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا أو الإنفجار الكوني العظيم/بيق بانق.. محمد جمال الدين
---
ملاحظات ما: هذه القصة تصنع بشكل تلقائي ومباشر وعلى الهواء الطلق وتنشر كل حلقة بواسطة كاتبها على حسابه الخاص بالفيسبوك وموقع الراكوبة. القصة مكتملة الفكرة لن يغير منها شيء تعليقات وإرشادت الأصدقاء سواءاً كانت مادحة أو قادحة جيدة أو رديئة (لهم الشكر)، فالأحداث التي جرت أصبحت في رحم الماضي وليس في الإمكان أحسن مما كان!. أي لا يمكن تغيير أي شئ لأن الأحداث نسيج من بعضها البعض.
مع العلم أننا حتى هذه الحلقة "11" نحكي عن اليوم الثالث من زمن القصة في حين أن مجمل الأحداث جرت في ثلاث سنوات من الزمن الواقعي. الأخطاء اللغوية والطباعية المحتملة يمكن إصلاحها حين الكمال المادي النص.


محمد جمال
[email protected]

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1954

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1034949 [lLowman]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2014 09:17 PM
شباب سلام

انقل إلى هنا بعد إذن إدارة الموقع تعليقات من صفحة الكاتب على الفيسبوك فيها اجابات على سؤال التعليق على الرواية واشياء اخرى:

Ahmed Sharif
مادام ليس بالامكان احسن مما كان .. سنستمع ونستمتتع ونكتفي بالايك او ...بالايك برضو الحلقة 11 غنية
Yesterday at 19:27 · Like

Balla Ali Omer
دعني ارفع لك القبعة تقديرا لمنحك الفرصة لذلك (الحكواتي) الذي يجري فيك مجري الدم بفضل الانفجار العظيم ويبدو ان اعادة مكون تشكيلك الراهن قد تلوث بجينات عباقرة القصاصين و الحواة .... هنا اري الكاتب اقرب لفلسفة الوجودية ... عموما السرد جميل وبديع احتوي علي التشويق برغم ما يراه البعض في النص من خروج علي النص في قولك ( ان الميت يعود ليتحد من جديد مع الجوهر الكلي للكون في إنتظار دورة بيق بانق جديدة) وقد يقول احدهم ان الميت يخرج من دائر (البق بانق ) الي البرزخ وذلك يخل بل يلقي كل الدورة ..... اريد ان اسالك هل ابدا فكرت في عمل نسخة بلغة (الدوتش ) لهذا العمل ؟ ..... اري انه يستحق واتوقع ان تنشره اي اصداره اذا وصلها العمل جرب ذلك .......................... تحياتي
See Translation
5 hrs · Edited · Like

Mohamed Gamaleldin
سلام شريف.. بالطبع لا مانع من إلقاء وجهات النظر هو أمر حتمي ووجهات النظر تختلف بإختلاف الأعمار والتجارب والتخصصات والمستويات الأكاديمية كما الرؤى الآيدولوجية.. غير أن الرواية في لحظة تصنيعها لا يجب أن تتأثر بالمؤثرات الخارجية كما أن العمل الأدبي عموماً وجب أن ينفلت من قيود الآيدولوجيات بحكم ضرورات تخلقه التي تتطلب أقصى حد ممكن من حرية الفكر والضمير والخيال (الرواية هي عملية خلق عالم مواز للعالم الواقعي فيكونه ولا يطابقه ولا يجب أحدهما الآخر) ووجهات النظر مهما كانت مرحب بها وكما أسلفت فهي ضرورية لتلاقح الرؤى على وجه العموم لكن بعد أكرر لا شيء يستطيع التأثير على أحداث جرت في الماضي ف"ليس في الإمكان أحسن مما كان" (مثل إنجليزي). .. ذاك بعض ما أعني
1 min · Like

Mohamed Gamaleldin
تحيات كتيرات بله العزيز.. كالعادة تشجيع فخيم.. كلما أقوله هنا (في الرواية) ربما خضع لتفسيرات عديدة حسب زاوية النظر وموقع الناظر.. وأما توسيع دائرة النشر فربما أفكر لكن، بعد إكتمال العمل الذي أتوقع أن يكتمل في غضون ثلاث أشهر.. تحيات متجددة لك والاسرة الكريمة وأهل المناقل من جم


#1034916 [المندهش]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2014 08:12 PM
بعض الناس لا يفقهون شئ عن الادب والرمزيه ولا عن الفلسفه ولا عن اى شئ.فاذا حكيت لهم قصه ذات مغزى عميق فانك تسمع تعليقات فى غاية السطحيه والاسفاف .واصل النشر فان هنالك من يستمتعون غاية الاستمتاع.شكرا ايها الكاتب الجميل


#1034884 [أحمد الماحي]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2014 07:24 PM
الفكية التحت ديل شيخ الحامدي وشيخ المشتهي ما هذا الهراء، انا كنت ضد فكرة الكاتب انو ما يرد على تعليقات القراء لكن بعد قريت كلامكم دا اصبحت اؤيدة بشدة. هسا يا الحامدة فايدة كلامك شنو وفهمك شنو، غير لصقت ليك آية قرانئة في غير محلها. معلوم أجساد كل الكائنات الحي مكونة من مواد تمتصها الارض وتمتصها النباتات والخضروات ومعظم السماد من المواد العضوية والبترول من اجساد البشر والحيوانات. وهذه الحقيقة لا تتعارض مع الدين كون الانسان روح تترك الجسد على الارض فهو تراب .
واما شيخ المشتهي ما عندو موضوع كلوكلو قال علماء السودان قال تضحكتني يا خ وقال (كان عليه ان يركب عربة القطار المخصصة للرجال حتى لا يقع فى المحظور ) هاهاهاها

ثم دي رواية يا شباب. والكاتب قال الاحداث حصلت في الماضي وخلاص هو فقط يرويها.

واتمنى من الاخ الكاتب مش ما يرد بس ما يقرا اصلا زي التعليقات دي كون العمق الذي يكتب به لا يقالبه حتى الان فهم يوازيه!. وليس بالضرورة انني أتفق مع الكاتب في كل شيء لكن أثمن رصانته وسلاسة سرده واصاله افكار بطل الرواية فهي متميزة حقا.

حياكم الله


#1034735 [الحامدي ود الحبوبات]
5.00/5 (1 صوت)

06-14-2014 02:59 PM
يعني شنو ...؟؟؟ مانعلق....؟؟؟ ما نتفاعل....الا تفيده ارائنا في شئ؟؟؟؟
(أجسادنا ربما كانت أجساد آخرين في الماضي وستكون لآخرين في المستقبل.)ماهذا ياخي ...محمد جمال..هل الله فقير...ام غير قادر ان يخلق اخرين باجساد تخصهم فقط دون الاخرين....من يدريك انها اي الاجساد بعد تحللها تكون لاخرين ....ربما لا تكون لاخرين البتة....اعرف ان هذه مدرسة فلسفية اوروبية بحتة...وهي جزء من المدرسة المادية...لا غير....قل هو الذي خلق السموات والارض ومن فيهن...لا يعجزه شئ...الم تتذكر قول الله عز وجل في سورة يس ...الاية 82..( انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون).


#1034696 [المشتهى السخينه]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2014 02:16 PM
ال big bang او الانفجار العظيم هو نظرية خلق وتكون الكون خلال مليارات السنين وهى نظريه شيطانيه مخالفة للعقيده اخترعها الخواجات وقالوا ان الحياة بعدها بدأت بالتكون من خلية واحده .. وهيئة علماء السودان تحذر من الانجرار خلف هذه الافكار الهدامه التى تقود صاحبها الى التهلكة .
اما مصاحبة بنات الخواجات فهذا امر عجيب .فالاختلاط كما هو ممنوع فى بلادنافكان الاجدر بالكاتب ان يمارسه فى بلاد الغربه .. وكان عليه ان يركب عربة القطار المخصصة للرجال حتى لا يقع فى المحظور ..
اما حكاية ان الخواجه قال له امسك لى قزازة النبيذ الاحمر لحدى ما اقضى حاجتى واجيك طالع ..فحمل الخمر محرم كشربها ..والنبيذ الاحمر لا يشرب لوحده وانما ينبغى ان يصاحب الطعام ..فالنبيذ الاحمر مع يشرب مع اللحوم اللحوم البيضاء والنبيذ الابيض مع اللحوم الحمراء لتعم الفائده ..


ردود على المشتهى السخينه
[عبدو] 06-19-2014 04:28 PM
الاحمر مع اللحوم البيضاء
والابيض مع اللحوم الحمراء
طلعت كاتل الجداده وخامي بيضا .. هههههههههه ...
نحن الله لينا لا شفنا لينا شراب احمر ولا لحم ابيض


#1034095 [فيس تو فيس]
0.00/5 (0 صوت)

06-13-2014 06:18 PM
انت في طريق الجنون!


محمد جمال
محمد جمال

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة