المقالات
السياسة
ما تأثير اطلاق سراح المهدي على الحوار؟
ما تأثير اطلاق سراح المهدي على الحوار؟
06-16-2014 08:30 PM

شهر هي المدة التي توقف فيها الحوار الوطني، بعد ان تعثر بطريقة مفاجاءة وتدحرج نحو التراجع بصورة متسارعة، يوم ان اعتقل رئيس حزب الامة القومي الامام الصادق المهدي أحد ابرز المتمسكين بالحوار، في 17 مايو الماضي، اعقبتها حملة مسعورة ضد الحريات الصحفية انتهت باغلاق صحيفة (الصيحة) وفتح عدد من البلاغات في مواجهة صحفييها، اضافة الى مداهمة مقرها ومصادرة وثائق حول قضايا صحفية كانت تنظر حظها من النشر. واخيراً اعتقل ابراهيم الشيخ رئيس حزب المؤتمر السوداني في اتهامات مماثلة لتلك التي اعتقل فيها رئيس حزب الامة القومي الامام الصادق المهدي. تلك كانت ابرز العوامل التي اعاقت مسيرة الحوار التي انطلقت التي انطلقت في بحر يناير الماضي عقب دعوة ملحاحة من المؤتمر الوطني للقوى السياسية لأجل التوافق على برنامج وطني يخرج البلاد من ازماتها التي تحيط بها. واليوم عقب خروج الصادق المهدي الى فضاءات الحرية، هل يفلح في ازالة معيقات الحوار، وجعل المتحاورين يسيرون بذات الحماسة التي بدأوا بها قبل خمسة شهور؟.
حينما اعلن المؤتمر الوطني رغبته في الدخول في حوار جاد مع كافة القوى السياسية، كان يرى انه لا خروج من ازمات البلاد بغير الحوار والاتفاق، لجهة ان وضع السودان الحالي ليس كبقية الدول التي جرى فيها تغيير بواسطة طرق مختلفة بعضه بالثورة الشعبية المدنية، واخرى عن طريق الثورة المسلحة، واتفقت مع الوطني في رؤيته عدد من الاحزاب السياسية، يأتي في مقدمتها حزب الامة القومي الذي يمثل رئيسه الصادق المهدي رأس الرمح في التمسك بالحوار، ويطرح المهدي منذ وقت مبكر برنامجاً يسميه الأجندة الوطنية، ويقول ان تحقيقها لابد ان يتم عن طريق الجهاد المدني والوسائل السلمية، ويستبعد تماماً التغيير عبر العمل العسكري، ويرى المهدي في الحوار الذي تمت الدعوة اليه من قبل المؤتمر الوطني، فرصة يجب انتهازها لجهة انه وسيلة لتحقيق برنامجه المطروح للتغيير، وبذلك فقد بدأ المهدي متمسكاً بالحوار اكثر من المؤتمر الوطني نفسه.
تشتمل الاجندة الوطنية التي ما انفك الامام يدعو لها في كل مناسبة، وضع دستور جديد للبلاد تشارك كل القوى السياسية والجهات المعنية في صياغته، وأن لا يوكل الأمر إلى لجنة يتم تعيينها من جهة واحدة. وصولاً الى حكومة قومية تهدف إلى نجاة الوطن وإدارة الشأن الوطني وانقاذه من مخاطر قادمة قد تفتح الباب على مصراعيه للتدخل الأجنبي في شأن البلاد. مع إيجاد حل للازمة في دارفور، وإجتراح طرق جديدة للتعامل مع الاسرة الدولية بواسطة التعامل بواقعية معها حسبما يقول. ويراهن المهدي على تفكيك النظام بالحوار الذي قبل به ودعا الاحزاب للمشاركة فيه، وتعهد بانه سيجرى حواراتٍ مع المعارضة حتى يتم الاِتفاق على كلمةٍ واحدةٍ وخريطة طريق عن طريق مؤتمر قومى يتم الاتفاق على آلياته لحل المشاكل وتثبيت نظام الدولة الديمقراطية واِستدامة الأمن والسلام الاجتماعى.
وظل المهدي متمسكاً بتلك المواقف رغم تحرك الاحداث وتبدلها اكثر من مرة، خصوصاً من جانب النظام التي يبين من خلال عدة ممارسات ان لا مجال لتحقيق ما يدعو له المهدي، الأمر الذي جلب على المهدي غضب الحلفاء في المعارضة، وسارع بعضهم الى فض ايدهم من الاتفاق معه بعد اتهامه بتنفيذ اجندة المؤتمر الوطني، متخذين عدة شواهد لتأكيد اتهاماتهم، لعل ابرزها مشاركة نجله عبد الرحمن في الحكومة مساعدأ للرئيس، رغم ان المهدي تحدث مراراً ان نجله لا يمثل حزب الامة. اضافة الى ان مواقف اخرى عديدة للمهدي تقدح في مصداقية دعوته الى تفكيك النظام، على رأسها اللقاءات المتعددة مع رئيس الجمهورية خلال العامين الاخيرين، والتي لم يحظى بها اي شخص في المعارضة، ثم حادثة اخرى كادت ان تقطع شعرة معاوية بين حزب الامة والمعارضة من جهة والمهدي وانصاره من جهة اخرى. تلك هي حادثة تكريم القصر الجمهوري للمهدي في اعياد الاستقلال للعام الجاري، حيث جاءات مناسبة التكريم ودماء شهداء احداث سبتمبر لازالت سخينة لم تجف بعد، ولم تفارق الاحداث المأساوية ذاكرة الشعب. وقد جر وشاح التكريم غضب قطاعات واسعة على الامام خصوصاً من انصار حزب الامة القومي.
بكل تلك الخلفية انخرط الصادق المهدي منذ وقت مبكرا في الحوار الوطني، ولم يكن حضوره في اول لقاء لرئيس الجمهورية مع قادة الاحزاب الذي القى فيه خطاب "الوثبة" مفاجاءاً بمثلما كانت المفاجأة في حضور زعيم الشعبي الدكتور حسن الترابي، لكن تلك الصورة التي تبين ضبابية مواقف المهدي المرسومة في مخيلة المتابعين، بدأت تتبدل رويداً رويداً مع تكشف ملامح العلاقة الوثيقة بين المؤتمر الشعبي والوطني، ما حدى بالامام الى الجهر بالتخذير من تقارب الشعبي والوطني ومحاولة العودة الى عهد التمكين مجدداً، لحظتها تحولت انظار الاستهجان الى المؤتمر الشعبي وزعيمه الترابي، ثم جاءات حادثة اعتقال المهدي في السابع عشرة من مايو الماضي بسبب تصريحات له ناقدة لقوات الدعم السريع التابعة لجهاز الامن والمخابرات الوطني، ورفعت المهدي الى مصاف البطولة، وحظي بتضامن واسع من القوى السياسية، وجاء من تباعدت الشقة بينهم وبينه ذات يوم في مقدمة المتضامنين، مطالبين باطلاق سراحه، بعدما رأوا ان في اطلاق سراح المهدي طريقاً لاطلاق سراح الوطن والعودة به الى عهد الدمقراطية وقبول الآخر بلا اقصاء. لكن الواقع لا يلبث ان يتبدل مرة اخرى وتعود سيرة المهدي السلبية في مخيلة البعض من جديد، فالطريقة التي افرج بها عن المهدي تثير الشكوك وتضعف حجم التضامن معه.
وجهت النيابة عدة اتهامات للمهدي عقب اكتمال التحريات معه، واحالة ملف قضيته الى المحكمة، وكان ينتظر ان تتحول القضية الى ساحات العدالة، بيد انها انتهت بذات المفاجأة التي بدأت بها، حيث اطلق سراح الامام عشية أمس الأول، وتضاربت التفسيرات حول اسباب اطلاق سراح الامام. وذهب رئيس نيابة أمن الدولة ياسر أحمد محمد الى القوان بأن محامي المهدي تقدم بطلب ملتمساً من وزير العدل إعمال سلطاته الواردة في المادة 58 من قانون الاجراءات الجنائية 1991للافراج عن المهدي، وقبل وزير العدل الطلب وقرر وقف الدعوى، بعد موافقة جهاز الأمن الشاكي في البلاغ، على حفظ الدعوى الجنائية تغليباً للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة. بينما وزع خطاباً ممهوراً بتوقيع رئيس الهيئة المركزية لحزب الامة على قيلوب، يؤكد اعتزار المهدي عما بدر منه من تصريحات، حرصاً على روح الوفاق الوطني، مؤكداً دعم القوات المسلحة والقوات النظامية ودورها الوطني، وواضاف وفقاً للخطاب "نؤكد أن ما ذكره السيد الصادق المهدي رئيس الحزب عن قوة الدعم السريع مستمد من شكاوي وإدعاءات ليست بالضرورة صحيحة كلها. ومعلوم ان القتال قد يرد فيه التجاوزات التي يجب أن تحصر في مرتكبيها وتبرئة الأخرين."
ثمة احتمالات بأن هنالك اتفاقات سرية غير معلنة بين المؤتمر الوطني وحزب الامة على المرحلة المقبلة، يضمن المؤتمر الوطني فيها للأمة تمثيلاً في الحكومة المقبلة ولكن ليست بالتعيين، كما في حالة الحزب الاتحادي الدمقراطي الأصل، وانما بواسطة الانتخابات التي ستجري في موعدها بمشاركة حزب الامة حيث يكون له نصيب وافر من التمثيل في البرلمان يؤهلة لان يحوز على عدة حقائب دستورية. وذلك ما صرح به رئيس لجنة الحوار مع حزب الامة من جانب المؤتمر الوطني مصطفى عثمان اسماعيل في نوفمبر من العام الماضي، حيث قال "لا أتوقع مشاركة حزب الأمة القومي في الحكومة قبل إجراء الانتخابات القادمة"، وقال إن لديه قناعة قوية بأن حزب الأمة سيشارك في الانتخابات القادمة وأن مشاركته قد توجد له وضعاً لابأس به في البرلمان القادم.
بعد كل هذا، ماهو تأثير اطلاق سراح الصادق المهدي، على الحوار، هل سيكون ايجاباً ام سلباً، خصوصاً ان خطاب قيلوب ورد فيه ان الحوار للإتفاق الوطني، استراتيجي لا خلاف حوله وهناك ضرورة للاتصال بكافة الاطراف لبحث إحيائه. كما ان المهدي نفسه قال عقب الافراج عنه انه سيتواصل مع كافة الاطراف والسماع لارائهم وبلورتها في الحوار الوطني. فهل توافقه القوى السياسية الرأي وتمضي معه في طريق الحوار، ام سيكون لها رأي آخر؟.

أحمد حمدان
ahmedareg@gmail.com

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 870

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1038264 [علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]
1.33/5 (7 صوت)

06-18-2014 10:45 AM
اقتباس : ( ثمة احتمالات بأن هنالك اتفاقات سرية غير معلنة بين المؤتمر الوطني وحزب الامة على المرحلة المقبلة، يضمن المؤتمر الوطني فيها للأمة تمثيلاً في الحكومة المقبلة ولكن ليست بالتعيين، كما في حالة الحزب الاتحادي الدمقراطي الأصل، وانما بواسطة الانتخابات التي ستجري في موعدها بمشاركة حزب الامة حيث يكون له نصيب وافر من التمثيل في البرلمان يؤهلة لان يحوز على عدة حقائب دستورية)
........................................................مقتبس ...................
نعم انه الفصل الأخير من مسرحية البشير ... التي كثرت فصولها دون ان يتخللها ربيع ، ذلك أنّ خريف الصادق المهدي ومن نحى نحوه آتي لا محالة اذا ما اكتمل انتاج وإخراج الفصل الأخير من هذه المسرحية ....
لم تعد الأمور لتخفى على أحد .... ومن المؤسف له ان الصادق المهدي بعد ان احترق سياسيا باستمرار مهادنته لهذا النظام وبتخازله عن مقررات المعارضة منذ عهد التجمع الديمقراطي ومرورا بمواقفه خلال الفترة الانتقالية التي اعقبها فصل الجنوب وانتهاءً بمواقفه الغير ثابته مع التحالف الوطني فهو تارة يؤمن واخريات يرتد ثم يعود ويرجع فما اهتدى ولا ترك المهتدون يسيرون بحزب الامة نحو القيام بدور الحزب الوطني ابحسب ما عهد عنه !!!
الصادق المهدي يتقمص شخصية حكيم زمانه وكأني به يتصور انه قد اصبح غاندي السودان في محن هذا الزمان الذي رذأ فيه الوطن بقادات ادمنت الفشل في الحكم والمعارضة .


#1036963 [ali murtey]
0.00/5 (0 صوت)

06-16-2014 10:52 PM
كلام مكرر لاحاث سابقة ولكن نهاية المقال غير مثمرة وبدون طحين


أحمد حمدان
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة