06-15-2010 11:47 AM

السطوة الثقافية للدولة الدينية

صلاح شعيب
[email protected]

هناك سطوة ثقافية في بلادنا تستمرأ تثبيت القناعة الإنتهائية بنموذج الدولة الدينية برغم التجريب المقيت الذي عهدناه طوال العقدين الماضيين، بالإضافة إلى تجاريب الأمام النميري، ومرافقاته على المستوى الأقليمي في إيران، وأفغانستان، والسعودية. ولسنا في مقام لإدانة هذه السطوة سياسيا وإنما فهم أمرها التاريخي من جذوره. الشئ الآخر أن لا أحد يجرؤ على السخرية، أو التعنيف اللفظي لأي شخص يحمل فكرا يراه كمخلص له في دنياه، وآخرته، خصوصا إذا كان هذا الشخص صادقا في مسعاه، ولم يجد المعرفة الحاذقة التي تبين له المزايا الإنسانية الإجرائية لفكرة الفصل بين الدين والدولة.
ومالنا نذهب بعيدا، فهذا الشخص الذي نمقت إنضمامه لمنظومة الدين السياسي ربما قرأ فكرة العلمانية، وحاور علمانيين كثر، ولكن الكتاب والمحاورين لم يكونوا على قدر من الدراية الفكرية لإقناعه، كما إقتنعوا هم أنفسهم عبر تحولات عقلانية من ما أدركوه أثناء تلقينهم في المدرسة، أو البيت، أو الشارع، إلى ما جعلهم يدركون، فرديا، حقيقة الاشياء في جوهرها. ولعل أدبيات الدين الإسلامي نفسه ترينا كيف أن الإنسان، في جانب، ظل ظلوما جهولا، وتأخذه العزة بالإثم. إذن، فمن قنع بالفكرة، أي فكرة، ونادى بها إنما هو من رأى إهمية إبراز الواجب. وكثيرون يؤمنون بالفكرة، ولكن يجاهرون بأنهم ضدها لحسابات يدركها العقل، والفؤاد. وليس كل من أنكر، بالقول، فكرة يعني أنه لم ير جدواها.
السطوة الثقافية لأسلمة الدولة لم تكن إلا طحين تجارب التاريخ، ليس في بلادنا وحدها، والتي تتلقى بخضوع، ولا تنتج باصالة، ونادرا ما تخلق مسافة نقدية بينها والوارد الفكري. وإذا هضمت بلادنا الوارد الثقافي ترجمته بشئ من الخفة الإبتسارية، وأضافت إليه السخائم المكتسبة. ولا يمكن أن نبدأ في مقاومة هذه السطوة بسلاح التهديم السياسي وحده، ففي الفكر، والثقافة، والفنون، المتسع من التذهيين، والوقت، والمجال، لهزيمة هذه التوجهات التي تجعل من الدين عنصرا للفساد السياسي، ومن نماذج الغش سبيلا لبلوغ الغايات الروحية، والمدنية، ومن الدولة فضاء لإغتصاب فكرتها الاساسية في ضبط الحياة العامة بضوابط توجد سلامتها الوظيفية.
ما يرشح الآن أنه لا يزال هناك من يؤمن بأن الذي تم تطبيقه من تجريب لفكرة الدولة الدينية على مدار التاريخ لا يمثل الإسلام. وهؤلاء يرون أن المثال المتحقق هناك في المستقبل حين يجدون الفرصة المواتية لخلق مجتمع الفضيلة الإنساني. وعندها، فقط، سيقولون لنا إنهم هم حملة ثمرة الإسلام الصحيح، وأن كل من حاول، سابقا، الوصول إلى فكرة الجمع بين الدولة والدين إن هو إلا فاسد، وموظف للدين في غايات تناقضه. وبالمنطق فإنه ليس هناك ما يحمل المرء بألا يحلم مهما كانت قتامة التجارب التي قطعت رؤوس المخالفين في الفكر، وأفسدت الحياة الإجتماعية، وجعلت المسلمين يهربون إلى أرض العلمانية ليتفيئوا رحمتها، ويكون التساكن فيها مستقرا إلى حين، وربما إلى مماتهم. على أن الأحلام وحدها لا تبني المستقبل إذا لم تهضم التجارب الماضية، وتجترح تفكيرا شجاعا يحقق وسط المسلمين، بمذاهبهم، المشكلة بنيويا والمتصارعة دمويا، قدرا من التسامح، والحرية، والعدل، والمساواة.
وإلى ذلك، هناك من يوالون الأنظمة التي تدعي أنها تطابق (النص المحفوظ، والحديث المسنود) مع واقع الدولة، وهؤلاء يكابرون، برغم أن العين الشاهدة، والفؤاد النابض، والتجارب الشخصية، لا تصدق هذه المكابرة الموظفة لمحاشاة الجقيقة الساطعة. وبالمنطق، أيضا، ليس هناك ما يحملنا على الغضب من ما يقوله هؤلاء المكابرون ما برح أننا نعلم، مسبقا، أن الإنسان حر في نسج مكابرته، وغلاطه، وإظهار ما لا يبطن لمقتضى أنه وجد مصلحة حزبية، أو فردية، في الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه من تجارب توئد الله، وتشطر العقل، وتغيب الحدس، ثم تضحك على الذقون.
في ظل سطوات أخرى، إقتصادية، وعسكرتارية، وأمنية، وإعلامية بقيت السطوة الثقافية لمشروع الدولة الدينية في مأمن وسط رديفاتها الحاضنات. ومع تراجع العمل المعارض السياسي تكاملت المؤامرة على الدولة بوصفها الأداة التي تقهر أية رغبات أخرى إلى قول المخالف. وحين بدا أن هناك منظومة مجتمعية جديدة قادرة على الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، وإهانة المثقفين، وتعذيبهم وملاحقة نشطاء المجتمع المدني، حتى الذين يؤمنون بالدولة الدينية، صارت حرية المرء في المناداة بفصل الدين عن الدولة من الموبقات التي توجب التكفير، وعد المنادي بالدولة العلمانية إما صنيعة للإستعمار، أو أداة من أدوات إقتلاع جذور الدين من المجتمع، وغيرها من الإتهامات المجانية السهلة.
ووسط هذا المناخ تراجعت أيضا الأصوات التي كانت تجهر بالعلمانية، بل وأبدلت هذا المفهوم بما أسمته بالدولة المدنية، إما تكتيكا، أو خوفا من ملاحقات السلفيين الذين تماهت تفاصيل أفكارهم مع اصوليين كانوا إلى عهد قريب يرون في السلفية أداة طيعة للسلاطين، والملوك. إضافة إلى ذلك فقد تراصت صفوف الكثير من أهل الطرق الصوفية مع صفوف الجهاديين، والسلفيين، ليكونوا ترياقا ضد العلمانيين، وغير العلمانيين، أولئك الذين لا يجهرون في القول بلا دينية الدولة.
وهكذا تشكل خطاب السطوة الثقافية المنادية بإسلامية الدولة، وتراجع كبار المثقفين عن منازلتهم فكريا، وتبيان قصور رؤيتهم، وتأثيرها السالب، لا على الدين فحسب، وإنما على مجمل حراك الدولة السودانية، والتي تعايش الآن إختبارا حقيقيا حاسما حول ما إذا كانت قادرة على تشحيذ إستمرارها، أو عاجزة عن السيطرة على مهدداتها الكثيرة.
ومن نافلة القول أن الحركة الصوفية التي عرفت تاريخيا بأنها واحدة من الأدوات التي تسهم في تمتين لحمة وسداة المجتمع، أو أنها عظم الظهر في التفكير الديني لمجمل القوميات السودانية، فإن رموزها قد طلقوا المقولات السابقة عن جيفة الدنيا، وإكتشفوا فجأة أن هناك رابطا بين الدين والدولة وإنهم لحماته. لقد رأى بعض قادة المتصوفة أن حظهم أن يقضوا وطرا من الدولة بعد أن عانوا من شظف العيش، ومقاسمة النبقة مع الحيران، بينما الآخرين (يكشحونهم) بتراب سياراتهم التي تقطع الوهاد جيئة، وذهابا! وأمام هذه المشاهد المؤلمة لم يجد بعض زعماء الصوفية حرجا من إمتطاء هذه العربات الفارهة، وأخذ نصيبهم من السلطة، والثروة، في بلد تسري فيه اللجاجة الفكرية، والدينية كما يسري النار في الهشيم.
إنها المأساة التي تحولت إلى لوحة سوريالية لونها دم القتلى القاني، وخطوطها عرق الغلابى والمظلموين، وإذا نظرت لترى بعض ملامح لمشروع سياسي بديل يعالج هذه الصورة الباهتة لإنسان السودان لوجدت الأفكار المبعثرة التي لا تخاطب عمق الماساة. وإذا تلفتنا يمينا، وشمالا، ما وجدنا إلا الإستقالة التامة للمثقفين عن أدوارهم المعروفة والتي لا تحتاج إلى تشريح. ولا ندري إلى اين تسوقنا هذه السطوة الثقافية لمشروع الدولة الدينية لدى المتسلطين، وأولئك الذين لا يعترفون أن ما يحقق لروح الإسلام هو إبتعاده عن البراغماتية السياسية التي تفرغ مضامينه، وأن ما يحقق للمذاهب الإسلامية غايتها هو الإصلاح.
إن حاجة المسلمين إلى التعبير الحر عن كيفية تأويل التراث الإسلامي دونما التعرض للتكفير، أو الإساءة المعنوية، كما أن حاجة غير المسلمين إلى الحرية في التمسك بأديانهم، ورفض غيرها بإباء، وشمم، ما دام أنهم ولدوا أحرارا، ولا وصاية لأحد في توجيه قناعات الضمير. ويرى المرء أنه بغير إعادة النظر في مفهوم الدولة الدينية ستستمر السطوة الدينية لتبتلع البلاد، وتفرغها من مسلميها، ومسيحييها، والمؤمنين بالأديان الأفريقية، وغير المؤمنين، ثم أخيرا تصرع نفسها بغير رحمة، وعندها ربما يؤوب الناس إلى عقلانيتهم، ولات ساعة مندم.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 998

خدمات المحتوى


التعليقات
#93050 [معاذ محمد صالح عمر]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2011 01:38 PM
الاخ صلاح شعيب
السلام عليكم
اعتقد ان مشكلة التعاطى مع موضوع الدولة الدينية مشكلتها الاساسية كما ذكرت هى اعطاء المفهوم للنص المقدس نفس حكم النص المقدس والاشكالية الثانية والاكبر هى ما هو النص المقدس نفسه . فالجميع يتفق على ان النص المقدس هو القران الكريم ولكن البعض يضيف اليه التاريخ الاسلامى (كتب الحديث والسيرة و ...) جميعه ليجعل ذلك الخليط هو الدين الاسلامى .
ان الله الذى اعطى الانسان حق الاختيار بين الكفر والايمان لم يفوض صلاحياته الالهية الى احد من البشر ليحاسب الناس على الكفر والايمان فى الحياة الدنياوانما انفرد بها هو ليحاسب الناس فى الاخرة وهو عليم بذات الصدور.
يجب على من يريد الاصلاح الا يستعدى الاخرين فى خطابه لهم والمخاطبة لهم بطلب استبعادهم من حلقات المجتمع ولكن توجيه النقد للنقاط الهامة والتى خلاصتها ان تهديهم الى الحق
اضم صوتى اليك فى الفقرة الاخيرة بكل قوة :
حاجة المسلمين إلى التعبير الحر عن كيفية تأويل التراث الإسلامي دونما التعرض للتكفير، أو الإساءة المعنوية، كما أن حاجة غير المسلمين إلى الحرية في التمسك بأديانهم، ورفض غيرها بإباء، وشمم، ما دام أنهم ولدوا أحرارا، ولا وصاية لأحد في توجيه قناعات الضمير.


صلاح شعيب
صلاح شعيب

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة