المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طه جعفر
الهوس و التطرف الديني؟ كيف نحاوربناتنا و أولادنا عن الجن (2)
الهوس و التطرف الديني؟ كيف نحاوربناتنا و أولادنا عن الجن (2)
06-19-2014 05:50 PM


في المقال السابق عن الهوس الديني و التطرف كتبت عن كيف تقود جملةُ الأحباطات الجنسية و مترتبات حالة الخصاء الاجتماعي (حالة منع الجنس بالقانون أو بالتعاليم الدينية) إلي الهوس و التطرف الديني و عن الإحساس بالذنب الناجم عن ذلك الذي يسوق صاحبه سوقاً لمخاوف و ارتبكات نفسية تجعل منه/ها صيداً سهلاً للأشرار في قيادة الجماعات المتطرفة من الإرهابيين و الساسة المتاجرين بالدين الذين يعدون اليافعين بالفراديس العلا و الجنان السامقة و أعراس الشهداء و يدمرونهم بالموت أو الجنون.
هنالك اختلاف بين التربويين و كتاب مناهج العلوم حول التوقيت المناسب لبداية تدريس أساسيات المعرفة الجنسية ضمن مناهج العلوم في التعليم العام. و تتبع الدول المختلفة طرائق مختلفة في تناول الموضوع لكنهم يتفقون في أن هذا النقاش يجب أن يبتديء في السنوات الثانية و الثالثة عشرة من عمر التلميذ أي في الصفوف السابع و الثامن علي حسب المنهج البريطاني في التعليم العام. في السنة السابعة من التعليم العام يتم تقديم انماط التكاثر و تعريف الخلايا الجنسية بالتركيز علي النبات و شرح فكرتي الاخصاب و الجنين في النبات عموما كمثال علي التكاثر الجنسي. في السنة الثامنة يتم توضيح كامل للأجزاء الخارجية لجهازي التناسل الأُنثوي و الذكري في الانسان و كذلك الأجزاء الداخلية و تتم مناقشة الحيض بتفصيل و يتم توضيح كيفية حدوث الحمل و الولادة عند النساء و ارتباط الحيض بذلك . من خبرتي في العمل مدرسا خارج و داخل السودان تتفق مشاعر اليافعين غض الطرف عن الخلفيّات العرقية و الثقافية و الدينية لهم حيث يسبب نقاش هذا الموضوع نوعاً من الضغط علي نفسية اليافع و ينعكس ذلك في إحساسهم بالإحراج و الضيق و اكثر المواقف تطرفاً من اليافعين تكون بأن يتغيب الاولاد و البنات الذين يعانون من الخجل من هذه الصفوف. عندما يتم الكلام عن شرح عملية الانتصاب و توضيحها يتم التركيز عادة علي القضيب الذكري و لا تتم مناقشة الإنتصاب الانثوي المتعلق بالبظر في المناهج و يبرر التربويون ذلك بأن الانتصاب البظري عند الاناث لا أهمية له في عملية التوالد التي هي بالاساس الغرض الرئيسي من تدريس هذه المادة ضمن مناهج العلوم بالإضافة للصحة الجنسية.
المشكلة في المنهج المدرسي بالتعليم العام أن يترك الأطار الاجتماعي و الثقافي و الديني للجنس للأبويين و هذا لضمان حيادية المادة العلمية المطروحة بالمدرسة و عادة ما لا يتم هذا الحوار المرجو بين اللآباء عدا ذلك النقاش المبتور بين الأم و بنتها عن الجوانب الصحية العامة في الحيض خاصة تلك المتعلقة بالتنظيف و التطبيب حال ارتباط الحيض بالمغص و الصداع. هنا في كندا علي سبيل المثال ترسل المدارس رسالة للآباء و توضح لهم ضرورة مناقشة أولادهم و بناتهم عن الصياغات الثقافية و الدينية للجنس و هو أمر نادر الحدوث أيضاً خاصة بين السودانيين و عموم المسلمين.
لا يتحصل التلاميذ ( اليافعين) علي معلوماتهم عن الجنس من المدرسة و اللآباء بل يكون القدر الأوفر من المعلومات عن الجنس من الأقران و من ثم مصادر معرفة أخري كالكتب و المجلات و الصحف و الانترنت، لكن المصدر الرئيسي للمعلومات هو الأقران. من هنا يتضح لنا الجوهر الاجتماعي للجنس فالعلاقة الجنسية لحظة الوعي بها هي علاقة اجتماعية تشترط وجود آخر و لو فقط من أجل النقاش و ليس كما يشاع أن الجنس حاجة بايلوجية كالماء و الهواء و الأكل ،عند تلبية نداءات الجسد البايلوجية للماء ، الهواء، الأكل و الدواء فالعلاقة بين انسان و شيء (مادة) لكن في حالة الجنس فالطرف الآخر هو انسان و هذا يوضح الجوهر الاجتماعي للعلاقة الجنسية.
التركيز في الدول مثل كندا عند مناقشة الجنس بالمدرسة يكون عن الصحة الجنسية و محاولة منع الانجاب في سن مبكرة و هذه واحدة من المشاكل التي تواجه المجتمعات الحرّة لذلك يتم تعليم الأولاد عن الطرائق المثلي لمنع انتقال الأمراض جراء ممارسة الجنس و تعليمهم عن وسائل منع الحمل و الجدير بالذكر أنه في الصف السادس و السابع ( هنا في كندا سن الدخول للمدرسة ستة سنوات) يتم الفصل بين الجنسين لتدريس موضوعات التربية و الصحة الجنسية بالمدرسة. يتم تعليمهم أيضا عن المثلية الجنسية و الأمور المتعلقة بالنوع الاجتماعي و الامور الحقوقية و القانونية ذات الصلة. و الأهم أنه يتم تعليمهم عن جرائم الاستغلال الجنسي و هنا تدعوا المدارس عادة زواراً غالبا ما يكونون رجال شرطة ليملكوا الاولاد و البنات الوسائل الضرورية لحماية انفسهم من الاستغلال الجنسي في المجتمع في الانترنت.
بافتراض أنك أم سودانية أو أب سوداني ليافع أو يافعة بالداخل او بالمهجر فكيف يكون العمل؟
أعطاء اليافع كل المعلومات الممكنة عن الجنس من الناحية البايلوجية و توضيح ان العلاقة الجنسية هي علاقة إجتماعية بالأساس هدفها المفترض هو بناء الأسرة لمن أراد الإنجاب أو الحصول علي المتعة الجنسية في جو سليم. فما هو هذا الجو السليم؟ من المعلومات البايلوجية ستكون قد أعطيت بنتك أو إبنك الأساس المعرفي المطلوب لتوضيح المسئوليةَ الواجبِ تحملها جراء العلاقة الجنسية فليست هنالك لعب في الممارسة الجنسية بعد البلوغ. هنا يجب أن نوفر درجة من المعرفة الضرورية عن مترتبات ممارسة الجنس علي الفتيات بكل المحاذير الاجتماعية المتوقعة ففي المجتمع السوداني يتغير وضع البنت إجتماعيا بعد الممارسة الجنسية الأولي لها بصورة ربما تكون كارثية و هذا الوصف صحيح حتي علي بناتنا خارج السودان. فهنالك من يصف تلك الفتاة بأنها مجرد ****! حتي ولو كانت يافعة في سني مراهقتها الأولي و مارست الجنس كنوع من العبث الطفلي، النقاش في هذه النقطة بيقظة تامة سيضطر الآباء للكلام عن أوضاع المرأة في المجتمع السوداني و هو نقاش لا بُدّ منه لتوعية الجنسيين عن مترتبات الممارسة الجنسية و هنا يجب الكلام عن إتاحة المجتمع للجنس في إطار الدعارة و مخاطر ممارسة الجنس هناك علي اليافعين و توضيح الزيف الحاصل في المجتمع الذي يذم الفتيات للمارستهن الجنس و يوفره في الدعارة للأولاد التي هي بالاساس نشاط اقتصادي للرجال الضالعين في تجارة الجنس. ثمّ الكلام عن الأفضلية الاجتماعية غير المقبولة التي يوفرها المجتمع السوداني للولد و يحرم البنت عنها. غالباً ما يحرك الآباءَ الخوفُ علي بناتهم من مترتبات الممارسة الجنسية و أعبائها الباهظة الكلفة عليهم علي الصعيد الاجتماعي ( الحرص علي الصورة الاجتماعية) و هم يناقشون هذه الأمور و القاعدة العامة هنا التي يجب إتباعها هي أن المخاوف يجب مواجهتها و ليس الإلتفاف عليها و تجنبها فلنقل لبناتنا بصراحة ما يخيفنا و لتشرع نوافذ النقاش واسعة عن هذا الامر، في هذا النقاش ربما يخرج الأبوان بصداقة لا مثيل لها مع بنتهم و ربما يصلون جميعا لمحطة مؤسفة و لا أظن أن أيٍ يريد ذلك فلنمارس هذا النقاش بصبر و نكران ذات و حب. عندما نطرح رأي الدين الاسلامي مثلاً في الموضوع يجب أن نقوله كرأي للدين و ليس كسيف مسلط علي الابناء من أيادينا نحن كآباء و ليكن الأمر كذلك "ذلكم هو الدين و ذلكم هو رأيه و من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" لأن استخدام الدين لقمع تلك الحاجة اللجنسية و ردعها عند اليافع هو نوع التخويف الذي سيقود حتما للهوس الديني و الاضطرابات النفسية. و هنا ليكون الحوار مفيداً فلنتكلم عن مقاصد الشرع من تنظيم العلاقات الجنسية في المجتمع و لنعطي اليافعة او اليافعة كل الفرصة في بناء مواقفهم من تلك الأمورر علي علمً تام و دون تأثير منّا و توضيح فكرة أنه في الدين لن تزر وازرة وزر أخرى فكل شاةٍ معلقة من عرقوبها.بلا شك جميعكم يعرف أن الأفضل في هذه المناقشات أن تكون بين الأبوين و البنت لوحدها ثم بين الأبوين مع الولد لوحده و إذا استحال الأمر نتيجة لخجل او ضيق اليافعة او اليافعة فليتم عن الطريق الأم مع بنتها و الأب مع إبنه بعد الاتفاق بين الابوين حول ما يجب أن يقال بعدل تام فنحن لا نميّز في الحقوق و الواجب بين الإبنة و الأبن. سيكون عند اليافعين بعد هذا النقاش عادة سؤال لا إجابة لم يتم طرحه و هو ماذا افعل مع قدراتي الجنسية الفائرة و المتوثبة؟ هنا يجب أن نقدم نحن الإجابة دون مباشرة في النقاش أو ذكر للسؤال أو حتي إفتراضه و ذلك بتوفير المناشط الرياضية، القراءة، الموسيقي و الدراما و الترفيه لأن جميعها تصرف تلك الطاقات فيما هو مفيد لنموهم و كذلك الرفقة السليمة مع بنات و ابناءاصدقائنا فجميعنا في الهم شرق.
يكون عند اليافعين فضول شديد عن العلاقات الجنسية و سيسعون رضينا أم أبينا للبحث في الانترنت عمّا يرضي فضولهم و هو متوفر كرقاد الهم في القلب هنا يجب مناقشة الأمر و توضيح أن مشاهدة المقاطع التصويرية الفاضحة هو ابتذال للجنس و إتجار و هنالك من يستفيدون مالياً من كثر ترددنا علي مواقعهم في الانترنت و هم قد فعلوا ذلك أي فتحوا تلك المواقع بغرض الربح و ليس لهدف آخر. و توضيح أن ما يشاهدونه هناك هو نوع من التمثيل و لا يعكس حقيقة طبيعة العلاقات الجنسية في المجتمعات التي ينتمي إليها الممثلين و إن المشاهدة المتكررة ستشوه الذائقة الجنسية عند من يشاهدها و تدفعه للرغبة في التجريب نتيجة لاحتشاد الجسد بالرغبة جراء المشاهدة و هذا ايضا يصب في خانة اثراء تجار الجنس خاصة إذا دفعت تلك المشاهدة الانسان لممارسة الجنس مع الداعرات أو الداعرين بالبيع و الشراء.
الركون لفكرة أن الشرع قد حفظ الأجيال و عصمهم عن تلك الممارسات هو نوع من الكسل الذهني و ضعف المبادرة في مخاطبة المشاكل و إيجاد الحلول العملية لها. فعصمة الشرع (تعاليم الأديان و السائد في مجتمعنا من قيّم) هو نوع من الردع دون توفير الإجابات علي الأسئلة الملحة لشابنا و دون تلبية الحاجات الحاضرة عند اليافعين لذلك لا بدّ من الحوار و توفير البدائل لهم ليكون فعلا قد حفظنا أولادنا من اسقاطات المجتمع الرأسمالي غير المحببة في تجريف الروح و إبتذالها. نفعل ذلك الحوار و نقوده و يحدونا الأمل في صون أولادنا و بناتنا و تطوير حياتهم بما يوفر المصارف المفيدة لطاقاتهم و جعل تلك الحاجة الاجتماعية التي تعتاش علي استعدادات البايلوجية عندهم ( الجنس) مصدراً لتفجر طاقات الحب و البناء و ليست وقودا للعنف و العدوان و المخاوف المنعكسة التي ستكون حتما سببا مباشراً للتطرف و الهوس الديني في حالة مثل حالة مجتمعنا السوداني الآن حيث يعيش دعاة الشرور و الخراب من قيادات الجماعات الأسلامية المتطرفة و تجار الدين من الساسة الفاسدين في ظل نظام يعتاش عليهم ليظل في الحكم محروساً بالخوف و الارهاب و مصادرة الحريات و التجويع و القهر و بمنح دعاة الشر من قيادات الجماعات الإسلامية الحريات التامة في توجيه الشباب عبر المساجد و منابر الأعلام التابع للنظام الحاكم و لن يفعلوا شيئاً غير مزيدٍ من التخريب. هذا يوضح لنا ضرورة الأهتمام بجبهاتنا الداخلية في بيوتنا لأبطال مفعول هذا التخريب المنظم و المرعي بالدولة المجرمة.

طه جعفر
تورنتو- اونتاريو- كندا
19 يونيو 2014
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 6326

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1041005 [طه جعفر الخليفة]
4.19/5 (7 صوت)

06-21-2014 05:37 PM
معذرة عن الخطأ في عنوان المقال المقصود "الجنس" و ليس الجن!

طه جعفر الخليفة


طه جعفر الخليفة
طه جعفر الخليفة

مساحة اعلانية
تقييم
9.01/10 (14 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة