06-28-2014 12:49 PM

محجوب شريف وحسين حمزة‏
عمر جعفرالسًوري
صحفي وكاتب سوداني

قف في ربى الخلد واهتف باسم شاعره ســــدرة المنتهى أدنى منابــره
وامســــح جبـينك بالركن الذي انبلجـت اشـعة الوحي شــعرا من منائـره
بشارة الخوري " الاخطل الصغير
يسافرون الواحد بعد الاخر من غير جلبة أو عويل يتردد في محطات القطار وصالات الانتظار وردهات المطار، اذ انهم رغم رحيلهم باقون في وادي الخلود النضير؛ في كلماتهم باقون، وفي صدى الأناشيد الصاخبة وايقاعات الأغاني الناعمة والحان تخرق الفواصل حينما ترددها الحناجر. سافروا في بحر أسابيع قليلة كأنهم على موعد "لقاء الكبار"، وحدهم دون غيرهم، تاركين خلفهم نبضهم وصوتهم وحرفهم الذي لا تزيله سياط الطغاة ورصاص القتلة، ولا تقوى على سرقته ايدي اللصوص الممتدة والأنبياء الكذبة؛ كما تستعصي ابيات شعرهم على انياب الضباع الدامية! وهنا لابد من القول ان في ظلال الكلمات ورنين جرسها ودلالات موسيقاها وإشارات معانيها أطلق السودانيون على الضباع اسم "المرافعين" ليرسم الاسم في الاذهان من خلال رنين هذا الجرس وتلك الظلال وهاتك الموسيقى صورة ومعنى ومبنى الوحش الخسيس الذميم الذي يقصدون.

في الأسابيع القليلة الماضية غادر من وادي عبقر واليه جوزيف حرب وانسي الحاج وحسين حمزة ومحجوب شريف. وصف رحيلهم كما مغادرته هو شاعر المحكية السورية حينما قال:
سافر غريب الدار عن اهله
وكان السفر غدار
يا نار قلبي مين يندهله
تراب وقبر وحجار
لم يحظ حسين حمزة بتشييع يليق بأعظم شعراء العامية السورية خلال أكثر من قرن من الزمان فقد مات بعيداً عن دياره في امارة دبي، لكنه كأنما رأى بحدسه الخارق كيف التف السودانيون -ما عدا القتلة واللصوص -حول محجوب شريف في خاتمة مشاويره التي سطر بها قصيدته الأخيرة فحملتها جسداً مسجى، أكف الجموع المفجوعة رجالاً ونساء، شيباً وشباباً، وكان الأطفال في ذلك الموكب المهيب ترنيمة التحدي والمحبة والاستمرار معاً.
"شيلو بنعشه شيلو
وانهض يا قليل الحيل
شيلو بنعشه يا بنيات
ومرن ع كل الساحات
وهلن يا دمعات فرات
وطفي نجماتك يا ليل"

في سبعينيات القرن الماضي كما النصف الأول من ثمانينياته ربطتني علاقة وثيقة طيبة مع الشاعر حسين حمزة. كنا نلتقي في مقهى النجمة حيث يحرص المثقفون السوريون وغير السوريين على التبرك به مرة واحدة في اليوم على الاقل، أكان مروراً سريعاً أو إقامة تطول حتى يغلق أبوابه، ثم الى "مطعم ومقهى القنديل"، وفي بعض الأحايين ينتهي بنا التجوال والتسكع الليلي الطويل في شوارع دمشق وازقتها وحاراتها النائمة عند مطعم "ابي كمال" قبيل الفجر بقليل، ثم نعبر شارع 29 أيار الفسيح الى منزله عند بزوغ الفجر أو طلوع الشمس، وذلك صيفاً وشتاءً. أثناء تهويمنا وهيامنا بأزقة دمشق القديمة كان يحكي لي عن مشاركته في "هبة 08 آذار/مارس 1963، الثورة التي أطاحت بحكم الانفصال" كما يحب أن يطلق عليها، وكيف كان من بين الجنود والضباط الذين نزلوا من أطراف قطنا، على جبهة المواجهة السورية، نحو دمشق مع قائد الحركة اللواء زياد الحريري، وذلك للإطاحة بالانفصال وأهله وإعادة الوحدة السورية المصرية الى مسارها الصحيح. سرقوا الثورة، كان يقول لي بصوته الجهوري دون خشية من العسس والعيون والمتلصصين الذين يلتقطون همس الليل مثلما يحاولون كبت أنفاسه دون جدوى، ويردف بأنهم أنهوا حلم عودة الوحدة الوهاج. هؤلاء القابعون على كراسي الحكم باسم الوحدة والحرية والاشتراكية هنا وفي بغداد أكثر انفصالية من عبد الكريم النحلاوي ومن أصحاب الشركة الخماسية ومن ناظم القدسي ومأمون الكزبري، يردد دوماً دون كلل أو ملل؛ والليل ينقل صدى كلماته بوضوح. هم انفصاليون حتى النخاع ببرقع وحدوي، ان امطته تبين الوجه القطري الكريه. ويمضي الى القول ان الوحدة عندهم شعارات يرفعونها عند منافذ الحدود حيث يقبع المغادرون والقادمون خلفها، من هنا وهناك على الجانبين، تحت اشعة الشمس اللاسعة في الصيف، أو زمهرير الشتاء القارس. لم يكن حسين حمزة محقاً في قوله ذلك، ولكنه شطط المنفعل الغاضب على الاحلام التي غدت كوابيسا مخيفة كانت تدفعه الى أرق دائم وليس الى قلق قائم ابداً، اذ لا يهجع الى مخدعه في بعض الأحيان ثلاثة أيام متوالية. كانت أبواب سورية مشرعة لكل العرب دون استثناء، وحينما أغلقت مرة في أوائل الثمانينات يوم اشتد الصراع بين النظام وبين الاسلامويين، ترنح الحكم وشارف على الانفجار، فألغى ذلك الترتيب "المستهجن". لكن حسين يحسب ذلك صبغة يدهن بها الحكم وجهه، فقوائم الممنوعين من السفر وقوائم ترقب الوصول تتكدس تلالاً في كل منفذ.

سُرح حسين من الجيش وحُرم من انشاد شعره للجمهور بدعوى الحفاظ على الفصحى، في وقت كان شعراء العامية من مصر والعراق ولبنان وغيرهم تفتح لهم أبواب القاعات الضخمة وملاعب كرة القدم في العاصمة والمحافظات. لم يشك يوماً من هذا الحيف، فقد كان شعره يرصّع حلقات الدراما السورية منذ بدايتها في ستينيات القرن الماضي والى وقت قريب. كان يكتب ما يشاء ويلقيه في بداية الحلقات أو في منتصفها أو نهايتها، ضمن إطار العمل الدرامي ولكن برسالة واضحة منه الى المشاهدين عما يعتمل في صدره. وكان يقرأ لي حينما نتوقف قليلا قبل متابعة السير قصيدة جديدة لم تكتمل، أو مقاطع بعث بها الى مخرج تلفزيوني أو أغنية طلبها منه ملحن فيشترط عليه الا يغير حرفاً، زيادة أو نقصاناً. وهنا كان يضحك كمن يسخر ممن أرادوا كبت صوته الفريد. صوت حسين حمزة نسيج وحده. هو مزيج من الترعيد والترجيع والترديد كما ورد في علم القراءات، عميق ليس كالاتي من الابار بأصداء تخيف الكبار قبل الصغار، بل كالذي يحمل حكايات الأنبياء والرسل في سهل حوران الغني الرحيب. عمق يخرج من حنجرته الى كل خلجة من خلجات المستمعين فتتوسع خلجة بعد اخرى وتزداد عمقاً. خليط بديع هو من لويس ارمسترونق وايزاك هيز وعبد العزيز محمد داوود.

في تلك البكور بمنزله كان يمسك فرشاته ويغمسها في الألوان ثم يضرب بها على أوراقه واقمشته التي تملأ ارض الغرفة، ويواصل الحديث. تجادلنا كثيراً حول رؤاه السياسية وحول لوحاته. في بدايته التشكيلية كان تكراراً للفنان السوري الكبير فاتح المدرس. محترف فاتح كان بالقرب من مقهى النجمة. كانت تغشاه قلة هرباً من المتطفلين قبل ان تعود الى المقهى مجدداً. وهناك سرت عدوى الرسم الى حسين حمزة فابتاع فراشي وألواناً واقمشة وأوراقاً واحباراً وأقلاما. فجّر فاتح المدرس فيه الرسام المطمور تحت أطنان من الشعر والكلمات. حثثته على الخروج من قبو فاتح المدرس الى حقله هو والى بيدره، فللمدرس ظروفه وحيثياته وآلامه واشجانه؛ فلتكن وجوهه غير الوجوه التي تثير حزنك وكآبتك حينما تهجم عليك من لوحات فاتح. كان يقول لي قد تبدو الوجوه متشابهة ولكن الالوان والظلال مختلفة. ثم تخلّص من عالم فاتح رويداَ رويداَ حينما اقام معارضه التي تجاوزت العشرة منفرداً ومشاركاً.

سألته مرة إن كان قد سمع شعراً بالمحكية السودانية. توقف عن الرسم واطرق قليلا ثم قال لي كيف لم يخطر ببالي ذلك وأنت معي منذ حين. لقد سمعت شعر العامية المصرية والعراقية واللبنانية وحتى الخليجية ومعظم البلدان العربية. هل لك أن تسمعني ما حفظت، وإن كانت أغاني وأناشيد. رددت على مسامعه ما احتفظت به القريحة للحردلو والهنباتة وشعراء الحقيبة ولكتاب الاغنية الحديثة حتى وصلت الى محجوب شريف! هنا وقف على قدميه ثم قال لنخرج الى ساحة المرجة أو السنجقدار نلتمس شيئاً نأكله لدى سحلول أو غيره. بل لنذهب الى بوظ الجدي في أعلى ركن الدين، حيث الشيخ محي الدين بن عربي. لم يمض وقتئذٍ الا ساعة أو بعض ساعة منذ تناولنا فطوراً دسماً أعقب جولتنا الليلية. أرادها حجة ليطيل المشوار. اثناء تلك القراءة في بيته/مرسمه كان يسأل عن معنى كلمة أو اثنتين، ثم يقول هذا هو ذات المعنى للكلمة نفسها أو لأخرى مشابهة لدينا في حوران أو في بادية الشام. هي اللغة لا تعرف الحدود أو الحواجز أو الجمارك! يعلو صوته.

في الطريق الى ركن الدين طلب أن اردد له مقاطع من شعر محجوب مما حفظته الذاكرة ويطلب الاعادة. كان ينصت ويتنفس عميقاً ويخرج زفيراً بين مقطع وآخر. قال لي: "هذا أنا باللهجة السودانية." قلت له: "هذا محجوب شريف وكفى. هو ليس صدى لأخر أو أخرين" قال: "أعني هو مثلي تماماً. هو الصوت الذي لم يعد ممكناً في يومنا هذا. كنت أظن أن هذا الصوت لن يأتي؛ على الأقل في زماننا. انه رابع المستحيلات. لكنه موجود هناك، يتردد في جنبات السودان ونحن لا ندري. يا لتقصيرنا وجهلنا وتفريطنا. لم نحسب حساب الأصوات البتة، بل انكببنا على ترديد الشعارات." لم يكن سهلاً أن يعترف حسين حمزة لاحد، ليس كبراً أو غرورا، بل خيبة فيمن عرف. كان يقول: (إن مظفر النواب وقف عند "الريل وحمد"، حين هجر اللوحة والرسم، وخرج من بطن الاهوار الى القاعات الفسيحة يستجدي التصفيق بشعر فصيح غريب عنه ليعطي الحكام متنفساً بلغة أقرب الى السباب وشتائم نساء منتصف العمر في الحارات الضيقة. كان السباب يطال الشعب المقهور قبل الأنظمة. وكانوا يصفقون .. الفقراء قبل الأغنياء، يسبقهم البرجوازيون وأصناف المتعلمين.) فؤاد قاعود وحده وبعض صلاح جاهين يرضى عنه، ويسكت عن صاحب الغربال، سليم مكرزل، الذي نظم بالمحكية اللبنانية ومال نحو الفصحى. كان يلتفت الى الشاعر الرسام والنحات، ويلفت نظره. قال: الشعر والتشكيل صنوان لا ينفصلان. ثم سأل هل يرسم محجوب شريف؟ قلت لا أدري. لا بأس فكلماته شاخصة، ثم ضحك. كان يستفسر دوماً عن جديد محجوب ويطلب مني قراءة شعره حينما يضمنا مجلس انس مع الأصدقاء، ويطرب ويجلجل ضاحكا كطفل وجد ضالته! سألني مرة أحد اقربائه الحوارنة: من اين اتيت بهذا السوداني الذي يخرج حسين من كآبته وحزنه؟!

عرفت محجوب وشعره في العام 1968. كان واسطتنا زميل الدراسة القادم الينا حديثاً، التيجاني سعيد. جاء الينا التيجاني من الشمال يحمل سلالا من الشعر، ليبحث عمن هو مثله. كان الشعر يأتيه مطواعاً. "من غير ميعاد" ولدت في "بص الهجرة"، حينما رأى غادة خطفت بصره، فأخرج القلم، لأشهد انا ولادة القصيدة. ثم جمع بينهما محمد وردي. وتركتهما على تلك الحال. حينما كنا نأتي على ذكر محجوب وشعره لا يمل الاديب والصحافي الراحل محمود محمد مدني من القول: "شعر محجوب شريف أكثر من مليون ميل مربع، هو بحجم الكواكب السيارة! كيفما ظننت أنك بالغاً حدودها أدركت أنك في بداية الطريق الى قرى ومدن ومزارع ومراعي وانهار وبحار ونجوم يخطف ضوؤها الابصار!" محجوب شريف، كما حسين حمزة، لم يفرط ولم يتورط ولم يداور، كذلك لم يناور:

"عتبان قلبي على البشر كلا
نسوانها ورجالها، كبارها وصغارها
شايلين حماله واللي زرع فينا البلاوي، و هجّ وتخلى
رضيان قلبي بس على اللي تبسمروا
لا فرطوا ولا تورطوا ولاداوروا ولا ناوروا
فيهن جمال الكون يتجلى
عتبان قلبي على البشر كلا"

لم يكن محجوب شريف شاعراً ومعلماً ومناضلاً صلّباً فحسب، بل كان مؤسسة تربوية متكاملة امتدت اغصان معرفتها الى الجميع دونما استثناء وتوجهت الى المتسلطين مراراً وتكراراً، الا انهم لم يعو الدرس وسدروا في غيهم كما أمعنوا في جهلهم يتباهون به ظلماً وقتلاً وتشريداً وافقاراً لجموع الشعب وتقطيعاً لأجزاء الوطن بلا كلل. كلما صرخ الأطفال من الجوع في فيافي السودان ومدنه، انتفخت اوداجهم ضحكاً، مثلما انتفخت جيوبهم، ممتلئة بالمال الحرام يسبحون في الماء الاسن وفي الدماء فينهلون منها سحتاً:

انحنا شعبنا مدرستنا وياهو يمه وياهو يابا
وهو البديكم صلابة
وهو البفرق بين حكومه وبين عصابه

وشعبي عارف انو عمر الثورة ما عام ما هو عامين لا تلاته
انو عمر الثورة دايما منجزاتا
لما يدخل كل بيت كراس ولمبه
وطعم الخبز يدخل حله حله وغابه غابه

وبرضو عارف لا الدهب بينزل من السما لا السنابل
الا بالعرق البنقط في المطارق والمناجل
حتى يدخل كل بيت كراس ولمبه
وطعم الخبز يدخل حله حله وغابه غابه

فهل يعوا الدرس؟ أم نعيده في العصر؟ لن يفهوا حتى لو اوقدنا بعد ذلك نيران القرآن في العشيات المعتمة. فلنسأل مع فلادمير التش ايليانوف (لينين): ما العمل؟


[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 993

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1047481 [ali]
0.00/5 (0 صوت)

06-28-2014 07:53 PM
نتمنى ان يكتب الاخ عمر عن الصحافة والصحفيين السودانيين وهو احد اعمدتهم فى زمن كانت هنالك اسماء كبيرة استطاع عمر ان يكون من بينهم بالرغم من صغر سنه فهو ابن المع صحفى ومناضل سودانى قبل الاستقلال وصاحب ابرز عمود نظرة فى صحيفة الصراحة واذكر قراءة مقال للصحفى صديق محيسى كيف ان امتحن الراحل محمود محمد مدنى عمر ونجح من اول سؤال وكيف وقف عمر ضد وزير اعلام نميرى عندما حل نميرى نقابة الصحفيين السودانيين ارجو ان يوثق عمر وصديق للصحافة السودانية لعل الاقزام يتعلمون


عمر جعفرالسًوري
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة