المقالات
منوعات
حكاية ليست للأطفال (وحدهم): ملابس الإمبراطور الجديدة قصة قصيرة
حكاية ليست للأطفال (وحدهم): ملابس الإمبراطور الجديدة قصة قصيرة
07-07-2014 08:48 AM

حكاية ليست للأطفال (وحدهم): ملابس الإمبراطور الجديدة
قصة قصيرة لهانس كريستيان أندرسون
The Emperor's New Clothes
Hans Christian Andersen
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
نبذة عن المؤلف: ولد هانس كريستيان أندرسون (1805- 1875م) في قرية صغيرة بالدنمارك اشتهرت بصيد الأسماك تسمي اودنسي. وتوفي والده (وكان يعمل صانعا للأحذية) وعمره 11 عاما. ثم هجر مقعد الدراسة وعمره 14 عاما، وعمل من بعد ذلك في عدد من المسارح ليعيل نفسه. ثم وجد في أحد المسارح صديقا وفر له العون لإكمال دراسته. وكتب ونشر عددا من الروايات والمسرحيات ودواوين الشعر، واشتهر بكتابة الحكايات الخيالية وقصص للأطفال مثل قصة "الأمير والبازيلا"، و"العندليب" والحذاء الأحمر" والبطة البشعة". ترجمت أعماله لأكثر من 150 لغة، وحولت كثير منها لأفلام سينمائية ومسرحيات وباليه. وأوصى وهو على فراش الموت بأن يكون إيقاع وزمن الموسيقى التي تصاحب جنازته مناسبا لخطوات الأطفال الصغيرة، والذين كان يتوقع أن يكونوا غالب مشيعيه لمثواه الدنيوي الأخير.
لعل القصة تذكر "المخضرمين" منا بما كان يدرس في كتاب المطالعة في المدرسة الأولية بعنوان "فرعون وقله عقله".
******** **************** ***************** *********************************
عاش في قديم الزمان إمبراطور جعل مبلغ همه إِرتِداء مفتخر الثياب الجديدة التي كان ينفق على إِقتِنائها كل ما تحته من مال. لم يكن يلق بالا لحال جنده، ولم يكن لديه أدنى اهتمام بالمسرح، ولم يكن يطوف متفقدا شعبه في مركبته الملكية إلا ليستعرض للناس ملابسه الجديدة الزاهية. كان يلبس أردية جديدة كل ساعة من ساعات اليوم، ودرج الرجل من رعيته على القول بأن "الإمبراطور في خزانة ملابسه"، عوضا عن القول بأن "الإمبراطور في ديوانه"!
وكانت عاصمة حكمه مدينة عظيمة طابعها الفرح والبهجة والمسرة، وكان يغشاها كثير من الغرباء. وجاء ذات يوم إلى المدينة رجلان نصابان زعما أنهما من النساجين المهرة الذين يجيدون نسج أفخر الأقمشة التي يمكن للمرء أن يتخيل وجودها. وكانت أقمشتهم – كما زعما- بهيجة الألوان، مبهرة الأشكال والأنماط. ولم يكن ذلك كل شيء، بل زعما أيضا أن ميزة تلك الأقمشة الكبرى هي أن لها خاصية عجيبة، فهي تصير مخفية عن الأنظار لا ترى إن وقع عليها نظر امرِئٍ غبي، أو من غير المستحقين للوظائف التي يشغلونها.
وسمع الإمبراطور بنبأ القماش العجيب، فسحر بفكرة أن يقتني الكثير منها، إذ أنه بذلك القماش يستطيع بسهولة معرفة من من رعاياه لا يصلح لوظيفته، ويمكنه أيضا أن يميز الغبي فيهم عن غيره. فأمر بشراء كمية ضخمة من ذلك القماش على الفور ودفع نظيرها للرجلين النصابين مالا كثيرا. وبدأ الرجلان النصابان في العمل بأن "نصبا" منسجين كبيرين، وتظاهرا بنسج القماش المزعوم. وكانا يطلبان من حين لآخر مزيدا من خيوط الحرير وقطع صغيرة من الذهب لتزيين ما ينسجانه. وكانا لا يتوقفان عن "العمل" في منسجهما الفارغ إلا ليضعا ما يحصلان عليه من خيوط الحرير وقطع الذهب في كيسين كبيرين. ومضى المحتالان في العمل طوال الليل دون كلل أو ملل.
ولم يطق الإمبراطور صبرا على انتظار انتهاء الرجلين من عملهما، ففكر في الذهاب لهما وهما ينسجان قماشه العجيب، بيد أن أمر عدم تمكن الأغبياء، ومن ليسوا أهلا للوظيفة التي يحتلونها من رؤية القماش جعلته يتردد في الذهاب... ليس – بالطبع- لأنه يعتقد أنه غبي، أو لأنه ليس مستحقا لوظيفته، بل لأنه رأي أن يهتبل الفرصة ويرسل من يريد أن يختبره من أخلص رجاله. ولم يكن الإمبراطور وحده في ذلك التفكير، فلقد كان كل الناس في المدينة يرغبون في معرفة إن كان جيرانهم من الأغبياء أو عديمي الكفاءة!
"سأرسل حاجبي العجوز المخلص ليتفقد عمل النساجين، فهو خير من يقوم بتلك المهمة...كيف لا وهو متوقد الذكاء وخير من يشغل وظيفته"...هكذا فكر الإمبراطور في نفسه! وذهب حاجب الإمبراطور العجوز للقاعة التي خصصت للنساجين، ووجدهما يعملان بجد واجتهاد على منسجهما الفارغ. ويا لهول ما رأى (أو لم ير!). فتح عينيه أكثر ليتأكد مما لم ير، وقال لنفسه: "إنني لا أرى شيئا"، بيد أنه لم ينبس ببنت شفه. وحين رآه المحتالان قادما صاحا فيه أن اقبل لترى نوعية القماش العجيب الذي يتم نسجه... فتح عينيه أكثر وأكثر، ولكن لم يكن هناك من قماش ينسج، فلجم لسنه وسكت عن الكلام. قال في نفسه: "يا الهي! هل أنا غبي لهذه الدرجة؟ أصحيح أني عديم الكفاءة لا أصلح لمنصبي هذا ضمن حاشية الإمبراطور؟ لن أستطيع أن اعترف بأني لا أرى القماش الذي ينسجانه!"
وانتبه الحاجب وهو في حيرته العميقة تلك لصوت أحد الرجلين يسأله: "لم تقل لنا ما هو رأيك في القماش؟" لم يحر الحاجب من إجابة غير أن يقول وهو يتشاغل بإصلاح وضع نظارته على رأسه: "أوه... ياله من قماش رائع ... تصميمه رائع وألوانه بهيجة. بالتأكيد سأخبر الإمبراطور بأنني سحرت بجمال وروعة هذا القماش". أجابه الرجلان المحتالان بأن ذلك مما يسرهما، وطفقا يصفان له دقائق التصميم وعجائب الألوان في ذلك القماش الوهمي. وظل الحاجب العجوز ينصت لهما بإمعان حتى يحفظ وصف القماش ليكرره على مسامع الإمبراطور فيما بعد...وقد فعل!
وبعد ذلك ضاعف المحتالان من طلباتهما من الحرير والذهب والأموال بدعوى الحاجة الملحة لها لإكمال العمل، ومضيا يحشوان كيسيهما وجيوبهما الكبيرة بكل ما كان يصلهما، ويواصلان عملهما الوهمي!
ولم يمر وقت طويل حتى أرسل الإمبراطور أحد ألطف خاصة حاشيته ليرى تقدم العمل، وليعلم موعد تسليم القماش المنتظر. ولم يكن حظ الرجل مع المحتالين خير من حظ ذلك الحاجب العجوز، وتكرر ذات المشهد الذي فيه يصف المحتالان جمال القماش وروعة تصميمه، والرجل يؤمن على كل ما يسمع، وهو عاقد العزم على عدم ذكر ما (لم) يره حتى لا يتهم في ذكائه، أو في استحقاقه لوظيفته التي يحتلها منذ زمن! وهرع الرجل لإمبراطوره يبشره بأن العمل يسير على ما يرام، ووصف له جمال القماش وروعة تصميمه. سرى الخبر في المدينة، ولم يكن للناس من موضوع للحديث غير تكرار مزايا ذلك القماش الجميل الألوان الرائع التصميم!
ثم قرر الإمبراطور أخيرا الذهاب بنفسه – في نفر من حاشيته، ومع الرجلين الذين أوفدهما من قبل لرؤية القماش وهو في منسجه. وكان المحتالان غارقين في العمل دون وجود أثر لخيط واحد في المنسج! قال الحاجب ورفيقه بصوت واحد وهما يشيران للقماش الذي لا يريانه، ويظنان أن الآخرين يستطيعون رؤيته: "يا لجمال هذا القماش! فليتفضل جلالة الإمبراطور بالنظر في جمال القماش وروعة تصميمه"! صدم الإمبراطور بحقيقة أنه لا يرى شيئا مما يصف الرجلان. قال في نفسه: "ماذا يعني هذا بحق الشيطان؟ أيعقل هذا؟ أغبي أنا لهذه الدرجة؟ أم أنني لا أصلح كي أكون إمبراطورا؟ ستكون هذه كارثة ماحقة علي إن صح أي من الزعمين". لم يحر ما يقول غير: "بالفعل... ياله من قماش بديع وتصميم رائع! سيكون رائعا عند خياطته. إنني أجيزه". وبالطبع وافق الجميع على ما قاله الإمبراطور، وقالوا بمثل ما قال، بل وزاد أحدهم باقتراح عملي هو أن يرتدي الإمبراطور ثوبا جديدا من ذلك القماش في الموكب الإمبراطوري الاستعراضي القادم! أمن كل من كان حاضرا على ذلك الاقتراح العبقري. وأخذ الحماس بالإمبراطور فأمر بمنح النساجين وساما سماه "وسام فارس المنسج" يعلقه كل واحد منهم على صدره!
وضاعف النساجان من مجهودهما، وسهرا الليالي وأحرقا عشرات الشموع لإكمال ثوب الإمبراطور الجديد. وأخيرا وبعد اكتمال نسج القماش، بدأ النساجان في عمل "الثوب الجديد" ومضيا يشقان الهواء بمقصات ضخمة، ويخيطانه بإبر ليس فيها من خيوط، وأعلنا أخيرا أن رداء الإمبراطور جاهز ليرتديه جلالته!
وحضر الإمبراطور في موكب مهيب، وتلقاه المحتالان وهما يتظاهران برفع جزء مما نسجاه ويقولان له: "هذا هو الجزء العلوي من الثوب، وهذا ما ستلبسه في الجزء الأسفل، وهذا هو الشال المصاحب للرداء..." وهكذا طفقان يعددان أجزاء الثوب الوهمي، ويكرران: "ستبدو وكأنك لا ترتدي شيئا... وهذا هو بالضبط موطن الجمال في هذا الثوب الأنيق"! وكان الجميع من حول الإمبراطور يؤمنون على ما يقوله المحتالان ولا يرون شيئا، ولكن دون أن يفتح الله على أحد منهم بكلمة اعتراض واحدة!
وقال أحد المحتالين للإمبراطور: "هلا تفضلتم جلالتكم بخلع ملابسكم حتى نلبسكم ثوبكم الرائع الجديد أمام هذه المرآة الطويلة". خلع الإمبراطور ملابسه، ومضى المحتالان يناولانه قطع ثوبه الجديد واحدة بعد الآخرى، ومن حين لآخر يساعدانه على ربط شيئ في الثوب، أو تعديل وضع آخر. ثم اختتما مهرجان الإلباس أو "التلبيس" بوضع ما قالا إنه يعرف عند الخياطين بـ "القطار" وهو ذلك الذيل الطويل من الثوب الذي يجر من الخلف. وسألاه: "كيف يجد جلالة الإمبراطور ثوبه الجديد؟"، وقبل أن يفتح الإمبراطور فمه أجاب الجميع بصوت واحد: "ياله من ثوب رائع، ويالها من ألوان جذابة"
وصاح الحاجب العجوز: "إن المظلة التي نصبت فوق موكب جلالتكم جاهزة الآن في الخارج". ثم خرج الإمبراطور تتبعه حاشيته، وتسابق بعض المرافقين لحمل "الذيل" في ذلك الثوب الوهمي ومضى الجميع في الإشادة بالثوب وجماله، ولم يجرؤ أحد على التصريح بأنه لا يرى شيئا. لم يقابل أي ثوب من ثياب الإمبراطور الجديدة طوال مدة حكمه الطويل بمثل ما قوبل به هذا الثوب الأخير!
وسمع الناس فجأة طفلا غريرا أرعنا يقول في دهشة عظيمة بعد أن وقعت عيناه على الإمبراطور: "ولكنه لا يرتدى شيئا!" صعق والد الطفل وقال وهو خائف وجل بعد أن بدأ البعض يكرر ما قاله الطفل: "لا تلقوا بالا لما يهرف به هذا الطفل الأرعن"! استجمع بعد حين الناس شجاعتهم وبدأ بعضهم في التصريح بما يرى...وصل صياحهم لإذني الإمبراطور لأول مرة، وسرى في عظامه شعور غامض مخيف، إذ كان يدرك في خويصة نفسه أن ما يقولونه هو عين الحقيقة. ولكنه رغم ذلك قال لنفسه إن ليس بإمكانه التراجع الآن، وإنه من الأفضل المضي في التمثيل حتى النهاية. وأخذ نفسا عميقا، ورفع رأسه بأعلى من ذي قبل، وظل رجال حاشيته يرفعون ذيل ثوبه الوهمي.

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 5296

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1053318 [هجو نصر]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2014 05:45 PM
بخت الرضا الرضا كان معهدا عالميا وضع اساسا متينا لكل من درس علي مناهجه . لازالت جملة الطفل الدنماركي وقد مصرها وفرعنها المنهج (البخت رضوي) انطلاقا من كراهيتنا لفراعنة القراّن الكريم ترن في اّذاننا : انظروا مليكنا العريان ! لا اشك ان من ترجمها وبسطها هو علامتنا عبدالله الطيب عليه الرحمة والرضوان لانه قال في احدي تداعياته : انت تجب الاطفال وتفهمهم لانهم يرون الملك العريان ! و(بيت الجاك) الذي بعلم الناشئة كيف يستخدمون الضمائر واسماء الاشارة واسماء الموصول هو اصلا انجليزي ! اجمل الزهور من اجمل بساتين العالم قطفها واهداها لنا ذلك المعهد الذي خربناه ولا ادري باي ذنب !


#1053010 [د. هشام]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2014 10:53 AM
موضوع جمبل يا أستاذ!! رجع بي إلي كتاب المطالعة الأولية. كانت الجملة التي نطق بها الطفل- كما جاء في ذلك الكتاب-"أُنظر يا أبتي إلى ذاك الرجل العُريان!!"


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
تقييم
9.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة