12-09-2015 02:35 PM


‏ هذه قراءة إنطباعية عامة مبنية على نسخة الكتاب بذات العنوان و الصادرة من دار ‏العين بالقاهرة في عام2011. في البدء لا بد من القول بأن كتابات السيرة و التي ‏تُصنّف ضمن الأجناس الأدبية تتشابه في أسلوبها بدرجاتٍ متفاوِتة مع القصة أو الرواية ‏من جيث الأسلوب السردي. و قد عُرِفَت كتابات السيرة في مراحل متأخرة في العالم ‏العربي مقارنة بالعالم الغرب. و هذا النوع من الكتابات ً كما تتنوع أساليب كتابته كذلك ‏تتنوع أغراضه و مراميه. إما عبارة عن سردٍ لسيرة ذاتية تتعلق بحياة شخص أو عائلة ‏أوعبارة عن اعترافات شخصية. وقد تكون السيرة ذات طابع شخصي بحت، أو ذات ‏طابع سياسي أو فكري أو عبارة عن ذكريات أو توثيقٍ لحدث أو مجموعة من الأحداث ‏العامة أو الخاصة. و بالتالي غالباً ما يكون الزمن هو الدافع أو المحرك الخفي أو ‏الجلي لكتابة السيرة. ‏
من أشهر كتب السيرة (إعترافات جان جاك راسو) و( اعترافات توما الأكويني) و( قصة ‏تجاربي مع الحقيقة) لغاندي و (مذكرات تشيرشل) و (كفاحي) لهتلر.أما في العالم ‏العربي فقد اشتهرت (غربة الراعي) لإحسان عباس، و (كنت رئيساً) لمحمد نجيب و ‏‏(الأيام ) لطه حسين و (سارة) للعقاد. ‏
فيما يتعلق بكتاب (مرايا ساحلية) يلاحظ المرء أنها جاءت خلافاً لما هو معروف و ‏شائع في كتابات السيرة الذاتية. حيث كتب الكاتب هذه السيرة في عمرٍ مبكّر بالنسبة ‏لعمر الكاتب. حيث أنه من المتعارف عليه أن كتابة السيرة تكون بعد إنقضاء معظم ‏سنوات العمر و بعد أن تكون التجارب قد عركت كاتبها و لم يتبق منها إلا الدروس و ‏العِبَر.من ناحية أخرى قد تكون كتابة السيرة محاولة يوتوبية لربط للماضي بالحاضر، من ‏خلال بث الحياة أو إستعادة ذكريات أثيرة لاماكن أو أناسٍ لهم وقع عميق لدى الكاتب. ‏و في مثل هذه الحالة فإن كتابة السيرة تجيء و كأنها ضد منطق الأشياء، خاصة في ‏سيرورتها المضادة للزمن الفيزيقي. أو كأنها (تميمة ضد الزمن) كما يقول الشاعر ‏أمل دنقل. لذلك غالباً ما تجيء كتابات السيرة و الحال كما ذكرنا مشتملة على فيوضٍ ‏من أحاسيسَ شتىّ، تغلب عليها مشاعر الحنين، و الشجن من ناحية، و الإحساس ‏بالانتماء، و النزوع العاطفي من ناحية أخرى. قد تحمل السيرة كذلك في حناياها بعضاً ‏من رؤىً فلسفية و إحساس عميق بسطوة الزمن من خلال ما تختزنه الذاكرة من صور ‏ومشاعر التوق و الحنين. فهي بالتالي تعبّر بشكل أو بآخر عن التأثير الميتافيزيقي ‏والعاطفي و النفسي للزمان و المكان و ما يكابده الإنسان تأثير الموت، و الفراق، و ‏الفقد. و هو ما يتناقض مع نزوع الإنسان، وتوقه الغريزي للسرمدية، و الخلود. ‏
إذن كيف نفهم هذه السيرة(المبكرة)؟. هل هي إحساس وشعور عميق بالزمن؟ أو بمعنى ‏آخر هل هي بكائية لزمنٍ جميل ، كان بمثابة حلم ولّى و انقضى و تسرّب من بين ‏الايادي؟ أم أنها رد فعلٍ أو التزامٍ ذاتي و عبء ظل يحمله الكاتب نحو زمان و مكان ‏أثيرَين لديه ؟ً. أم هي مجرد نزوع نوستالجي و وجداني نحو زمن طفولة غضة و براءة ‏باكرة لا زالت باقية في الذاكرة و الوجدان ؟ أم يا ترى هي إشارة خفية و تذكيرٍ بإنتماءٍ ‏للوطن الأم له كفعلٍ مضادٍ الغربة و الإغتراب في تواصلٍ حميمي مع المكان؟.‏
‎ ‎في بداية السيرة يقدّم الكاتب عرضاً لفلسفته و رؤيته أو للحياة و التي أوحت إليه كتابة ‏هذه السيرة حيث يقول: ( كثير هو الفرح، كثير هو الحزن، أخوان عدوان يسكنان حياة ‏واحدة... يتناوبان دفء المشاعر). كما يوضح بعضاً من دوافعه لكتابة الكتاب و هي ( ‏لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود بشدة). ‏
من ناحية أخرى يستبطن عنوان الكتاب إشارات و دلالات ذات معنى. فكلمة (مرايا) ‏الواردة في الجزء الأول من العنوان تحمل معنى الإنعكاس( انعكاس الملامح مثلاً)، حيث ‏تتضمن معانى التأثير المتبادل بين الأصل و الصورة، حيث المكان هو(الأصل) و ‏الإنسان هو (الصورة). كما تدل كلمة ( مرايا) على معاني الجلاء و الوضوح (سطح ‏المرايا الصقيل). أما كلمة(ساحلية) الواردة في النصف الثاني من العنوان فهي بالإضافة ‏لإشارتها الواضحة للمنطقة الجغرافية (الساحل). فهي تستبطن كذلك إشارات دلالية تحمل ‏معاني الإنتماء/ الإنجذاب، و الإحتواء /الاحتضان.‏
فيما يتعلق بأسلوب السرد في السيرة في شكل مقاطع حكائية مستقلة تحمل شحنات و ‏دلالات عاطفية و ارتباط عميق بشخوص، و اماكن توارت بفعل الزمان أو المكان. و قد ‏اعتمد الراوي في كتابته للسيرة على استخدام تكنيك يعتمد على الوصف الخارجي الدقيق ‏بالإضافة للوصف الداخلي (الشعوري) الذي ينفذ للداخل متجاوزاً ملامح الأشخاص، و ‏الأماكن إلى الدواخل كاشفاً في جلاء معاني الإرتباط، و الإنتماء، و الحنين و النزوع. و ‏‏ الكاتب يتّخذ موقف السارد بحيث يبتعد مسافة يتوارى فيها أحياناً بحيث يرتبط مع ‏الاشياء و الشخوص بخيوط غير مرئية حتى نحس بوطأة الزمن الذي مضى و حتى لا ‏يفسد السرد بتقريرية غير مستساغة. ثم يطل أحياناً ليؤكّد لنا وجوده في ذلك المشهد. ‏
‏ استخدم الراوي في سيرته لغة شعرية و عبارات بالغة التكثيف تفيض بالحنين و الشجن ‏و الشوق و الإنتماء كما أشرنا من قبل بما يخدم الغرض من توصيل الرسالة التي من ‏أجلها كتبت السيرة. ‏
فيما يتعلق بوصف الحياة في المدينة ، لم تفلت من ذاكرة الكاتب الراصدة وصف ‏البيوت و الأحياء .ً فقد احتشدت السيرة بوصف دقيق و شامل للمدينة: البشر،المساكن، ‏السكان، الشوارع، الساحات ..إلخ. كما نراه يصف الأماكن و الشوارع بشكل يكاد يجعلها ‏كائن حي له ملامح و أدوار و مريدين. ‏
إن وصف الكاتب للمدينة الذي جاء معبّراً و دقيقاً ليس للشكل الخارجي للمدينة و ‏ساكنيها بل جاء في شكل وصف تشريحي عميق لتفاصيل المدينة في دلالةٍ واضحة عن ‏علاقة ارتباطية حميمية و إندماج حسي و شعوري لا تنفصل فيه المدينة الموصوفة عن ‏الذات الواصفة مذكرٍ إيّانا بهذه الحميمية و الإلفة و التوق للمكان بفكرة ( جمالية ‏المكان)‏‎[1]‎‏ الذي أشار إليه باشلار..‏
تسبح روح الراوي من جديد فوق سماء المدينة في جولة تعريفية يعرّفنا فيها بالمدينة. و ‏مدينة الراوي ليست المدينة البحر أو الشوارع و البيوت فقط و لكن المدينة الكائن الحي ‏بكل مكوّناتها في رحلة تخييلية شبه حقيقية. بالتالي فإن كتاب (مرايا ساحلية) يتضمن ‏ذكريات أثيرة و نوستالجيا نحو ذلك المكان الساحلي و نحو زمان انقضى تتضمن حنيناً ‏و توقاً إليهما معاً.‏
‏( كانت للشوارع وظائفها الاجتماعية ......كان شارع المستشفى هو شارع الشراء ‏الشعبي. شارع المحطة هو شارع الاستعجال و السفر. شارع السينما ...هو شارع ‏الترفيه. شارع البحر ...هو شارع النزهات البريئة. و شارع المدارس.. هو شارع ‏الحب)ز بناء على ما ذكرنا آنفاً فإن السيرة تشبه في كثير من أجزائها كثيراً من ملامح ‏التحليل(الانثروبولوجي) للمدن التي تتضمن وصف و تشريح للمدينة‎(Anatomy of ‎the City) ‎‏. ‏
و بالرغم من أن السيرة تتضمن ذكريات للأحداث، و الأماكن، إلا أن الشخصيات تحتل ‏مكانا مقدّراً في هذه الذكريات. و هنا نجد أن الكاتب في إطار وصفه و تعريفنا ‏لشخصيات السيرة يقوم باستدعاء تلك الشخصيات و تقديمها للقاريء فرداً فرداً بصورة ‏تؤكّد قوة العلاقة بكل منهم. و يتم التعريف بهؤلاء الاشخاص ليس فقط بوصف ملامحهم ‏الخارجية، و لكن بوصف إنتماءاتهم القبلية، و تحديد خلفياتهم الإجتماعية، و أصولهم ‏الإثنية، و منابتهم الجهوية و الجغرافية. ‏
‏ عرف الكاتب من خلال كتاباته الروائية السابقة باحتفاله باللغة الشعرية في كتاباته ‏حيث تحتشد مفرداته بإحتشاد المعاني المعبّرة و الدلالات المكثفة التي تتجاوز الوصف ‏الخارجي لتصوّر الحدث و تبرز الملامح من خلال الإحساس الداخلي.‏
‏ تفيض السيرة بإيراد حشد من شخصيات المدينة (راجو الهندي- شيتا الحبشية- فهمي ‏قرياقوس الترزي ذو الأصول اليونانية...).و لكنها تتوقف مع بعضهم خاصة أولئك ‏الأشخاص غريبي المنبت و الأصول يظهرون من حيث لا تدري لكنهم سرعان ما ‏ينغرسون في جسم المدينة و يؤثرون فيها):‏
عزيزو المجذوب: الذي استأثر بمساحة مقدّرة من الذكريات و التي لا بد أنها تماثل ‏تأثيره فيستحضره أمامه ليسأله: (من أنت يا عزيزو...؟..( اتركك الآن يا عزوز...في ‏الذاكرة مائة ألف وجه و مائة ألف قناع...ليست كلها في خصوبة وجهك...)‏
و لكن الفراق دائماً له الغلبة (...اختفى عزيزو و لكنهم ظلوا يغالبون فراقه-إلى أن ‏ظهر وجه غريب جديد في مكانه.إنها إمرأة ( حمدة) بظهورها الغامض و اصولها ‏الغامضة...(حمدة) الحجازية أو النجدية و التي لا تنتسب للمنطقة حتى اسمها كان ‏غريباً.ثم ظهرت ..جميلة...). و هناك أيضاً أخوها (بشارة) متسول معوق اتقن كرة ‏الطاولة.و العم حمزة الذي كان يقص عليهم الحكايات (أحسن القصص) ثم اختفى فجأة.‏
و لا تزال الشخصيات تتوالى عارضة نفسها في حميمية للقاريء و كأن تلك الشخوص ‏هي التي تكتب ذكرياتها وتصر على إدراج ملامحها في السيرة: (مدني الحضرمي) بائع ‏الأحذية- (علي سمارة العجلاتي) و هنا يتوقف لينفحه بعض كلمات علها تزيد تثبيته ‏في ذاكرة الكتابة( لماذا يلح (عليّ سمارة علي لأن اكتبه في هذه السيرة؟)‏
ثم ينتقل راوي السيرة لوصف الأماكن التي لازالت عالقة بذهنه بقوة: استديو العروسة ‏‏(الذي شهد التقاط أول صورة فوتوغرافية له)، محل ثلاجة الأعيسر لبيع الثلج، مقهى ‏رامونا. و كذلك الأحياء: حي الثورة- حي العظمة حي السكة حديد حي جابر ...إلخ ‏استخدم الكاتب في وصفه للأماكن و الشخصيات تعابير تنضح بالعاطفة و الالفة و ‏الدفء، بشكل يشي بشاعرية واضحة حيث للمكان بعدُُ نفسي و روحي بعيد الأثر.‏
و يأبى الحزن إلا أن يلقي بظله الثقيل في قسوة مفاجئة لتقطع تسلسل الأحداث ‏السعيدة. هي حادثة لا بد أنها صدمت صباه الغض و هو حادث الموت و الفقد التي لا ‏زالت تترك علامتها في جدار الذاكرة. حيث يسرد الراوي في لوعة أثر تلك الحادثة حادثة ‏موت الطفل الذي اسمه هادي (...رنة حزن و كلمات رثاء ووقفة لفراق،... للذي كان ‏مرفّهاً...إلا أنه مات.. ) و هو طفل، بعد أن أضاء لهم مساحات مرفّهة في مدة وجيزة ‏ثم اختفى. و يواصل الكاتب شجنه:(....كان اختفاء هادي اختفاء باكيا لنا أبناء وسط ‏المدينة- كنا نحسبه روحاً اسيانة...) تتمدد في فرحتهم و لعبهم و استمرت صدمة موته ‏المفاجئة زمنا (لازمنا لك الإحساس فترة...). ‏
‏ ثم..‏
يجيء التوقف إجلالاً و تقديراً عاماً تحمله كل المدينة لتلك المرأة (مدينة اوتيب)، ‏فيقول: (.....ترحموا على (مدينة اوتيب). أُطلِق عليها (الأم تريزا) بمواصفات محلية، ( ‏‏65 عاما) مر عليها الساحليون: مرضى زوار أطباء و عاملين و لصوص و صعاليك ‏فكانت أمّاً للبعض و أختاً للبعض و جدة للبعض و واسطة خير للجميع.‏
و كذلك (محبوبة مبروك) القادمة من الشمال التي صارت جزء من حياة المدينة التي ‏تشارك المدينة افراحها و اتراحها و حياتها) و دخلت في نسيج المدينة (حتى باتت خالة ‏و عمة... و جدة إذا اقتضى الأمر.كانت تتقدم طالبي القرب في الأفراح و باكيات العقد ‏في العزاءات و مباركي الولادات و زيارات التهنئة و عيادات المرضى)إلى أن داهمها ‏الخرف.‏
‎ ‎‏(مانوس الماشطة) و التي شبها ب(جسر الأخبار و الحبل السري الذي يربط أحياء ‏المدينة بعضها ببعض).‏
ثم يجيء منعم فضل....(مالي اريد أن أخرج من المستشفى دون أن ألقاك يا منعم ‏فضل؟) و يصفه (هو مهاجر من الوسط، جيء به مهتاجا كبحر و كانت طاقة الجنون ‏الذي تركبه تكفي لتحريك قاطرة....).و يتوالى عرض الشخصيات في تسلسل عنيد كأنه ‏يود أن لا ينسى أحداً:‏
المساعد الطبي الخبير، و (آدم كذب)- ستيفن لوال- الخفراء، الأطباء، حراس بوابة ‏المستشفى (المانعين للدخول). راجا الهندي المتخصص في الكهرباء-هارون راجندرا ‏الهندي(الحلاق)- بندا الأحدب الهندي (الترزي)- (جرد جابور) تاجر القماش الفاخر و ‏العطورالهندي الهندي.‏
و هنا يتكيء الكاتب ليحكي الذكريات المتعلقة بمحاولات و خبرات الحب رموزها البارزين ‏الذين تركوا بصماتهم على ذاكرة طفولته و صباه البريء الناشيء لم يكن يعنينا من أمره ‏ذلك الشارع شيء ( فقد كان الحب في قلوبنا تلك الأيام مجرد يرقات هزيلة لم تكتمل ‏سعد روميو الذي احترف لحب و العشق و تماهى معه عبر السنين- الكاتب حاول أن ‏يحكي الحكايات و الكريات دون أن يحكي إلى أيهما يميل- هل كان الكاتب يبكي ذلك ‏الزمن هل اراد أن ينعاه هل اراد ان يستنجدبه و بذكرياته في مقابل النضج مقابل البراءة ‏و نقاء السريرة و براءة الحياة في مقابل شقاء الحياة الذي يتبدى اكثر كلما اوغلنا في ‏العمر.هل الشخصيات غريبة؟ كان يتابع ظهورهم و تاثيرهم ثم اختفاءهم الطبيعي بالوفاة ‏أو المفاجيء بالإختفاء و الإنزواء.‏
جني الشقي ذو الاصول الحضرمية الذي حاول ان ينقلهالى عالم الشقاوة و التذوق
‏(المحبوب)الذي احترف الرقص.‏
‏ (...أعود إلى أهل الجوار.... ) هكذا في حميمية يبدأ الكاتب حديثه عن أهل الجوار و ‏هو جوار واسع ممتد يقول الكاتب و كلمة الجوار تجيء في حميمية تتخطى حاجز الزمن ‏و كأنها لا زالت جيرة قائمة حتى اليوم و هي بالطبع موجودة في الخاطر و ذكريات لا ‏زالت باقية و ذلك ( لكي يحرر ذكرياته معهم من حبل معقود بشدة) كما قال الكاتب، ‏حيث يتشارك الناس الأفراح و لأحزان و يتبادلون الأدوار في المناسبات المفرحة و ‏الحزينة.فينقلنا معه بكاميرته من بيت إلى بيت و من عائلة إلى أخرى واصفاً البيوت ‏باوصافها التي لم تنفك من أسر ذاكرته الحافظة ( ...,.أريد أن أعبر ذلك الطريق ‏بمحاذاة السينما،...أُحيّ ذلك البيت القائم بمفرده،....القابض على أربعة شوارع ‏‏...ناعم، و ممتد، و مورّد الحيطان.... في ذلك البيت كانت ثمة أيام خوالي، ....و ثمة ‏بهجة تستحق التحية...) أي حب هذا و أي حميمية و أي رابطة هذه التي تربط ‏الإنسان مع الجماد و الحجر و البيوت دعك من ساكنيها؟.‏
فيما يتعلق بالأسلوب السردي أو الحكائي في السيرة الذي لم يجيء وفق التسلسل ‏الزمني. فجاء حيث جاء الحكي السردي و كأنك تتصفح البوماً من الصور معبّراً بذلك ‏عن الإحتشاد العاطفي و الشعوري الذي يتزاحم في ذاكرة الكاتب. ‏
أين الزمان من كل ذلك الإحساس بعبء المسئولية و الالتزام تجاه تلك الأماكن و تجاه ‏تلك الشخصيات ؟.السيرة كما تبدو ترجع بشكل رئيسي إلى فترة السبعينات و ما ‏حولها.هي إحساس بالزمن الذي انقضى و احساس بثقل يضغط على النفس تجاه ‏الساحل و بيوته و ساكنيه الذين شكلوا طفولته الغضّة و صباه الباكر و رسموا شخصيته ‏الراهنة و اناروا له الطريق نحو النضج و النجاح. ‏
المكان/المدينة: ‏
تتضمن السيرة جولة متأنية في معظم معالم المدينة مشيرة لأشخاص و وقائع و أماكن ‏حفرت عميقاً في ذاكرة و وجدان الكاتب حيث بدا وصف المدينة و كأنها تشريح لها: ‏ميدان المولد، دكاكين السوق، السينما،. مع وصف و تقسيم المدينة ليس تقسيماً ‏عمرانياً فقط و لكنه تقسيماً عاطفياً و نفسياً و إجتماعياً، مما يشي بأن المدينة و ‏تفاصيلها قد حفرت عميقاً في الذاكرة: حي الثورة، حي العظمة، حي السكة حديد، حي ‏جابر ...إلخ. المكان في هذه السيرة ليس محايداً و لا جامداً بل يتماهى مع البشر الذين ‏يعيشون فيه و الذين يرتبط بهم كاتب السيرة في إلفة و حنين و حيث يكتسب المكان ‏جماله وشاعريته من البشر الذين يعيشون فيه ( الآن ألمس أهل المدينة – أشمهم ، ‏يمسكون بعطر الكتابة، يودون لو خرجوا في العطر). و يندمج البشر و المكان ليكونوا ‏عطر المدينة الذي يملا الوجدان و يعشش في الذاكرة. و يستمر الإنسيال الوجداني:(ما ‏زال تذوقي و هو ينبش في في اطباق الحضر بيتزا و هامبورجر و اسبغيتي... يحن إى ‏ذلك الطعم النادر لفول(الدبل) و فلافل (ديجانقو) و سندوتشات الكبدة و الكلاوي المتربة ‏في نادي الرماية).‏
إذن كتابة السيرة ليست إنفعال مؤقّت و لكنها في المقام الأول التزام أخلاقي. ليس نحو ‏المدينة بل لكل مكوناتها و رموزها و بشرها و شوارعها و ساحاتها و سوقها المدينة. و ‏هنا لا ينسى البيوت التي تضم تلك الأشخاص(... البيوت 12 بيت من حجر خشن..). ‏و يجيء من ثَم الحديث عن المستشفى: إطلالة على المستشفى (باب الطواريء)( ‏‏...ذلك الباب الهستيري الذي يدخل منه الناس يولولون تتلقفهم الأيدي و المعاطف ‏البيضاء و الحقن المهدئة و محاليل الدم...) ثم وصف المولد و طقوسه و الاحتفالات ‏الموسمية.الشوارع دكاكين الجزارين- شاطيء النزهة الميناء مدرسته(المدرسة ‏الشرقية).........و هكذا تجوس السيرة في كل أنحاء المدينة.‏
ملاحظات ختامية:‏
يلحظ المرء من خلال قراءة هذه السيرة وجود بعض ملامح التقريرية في بعض أجزاء ‏السيرة. قد يكون ذلك لاعتبارات اقتضتها الضرورة التي تُحَتّم ظهور الراوي/الكاتب من ‏آنٍ لآخر،و ذلك لكي نحس بوجوده و نشعر بعمق تأثير بعض الشخصيات كما في ‏ذكريات المدرسة التي يطل منها و كأنها يود أن يذكر أفضالهم و أن يكفر عن شقاوة ‏قد تكون لطخت سيرتهم بسبب نظرة طفولية القاصرة كما في سيرة المعلم(عطا الفضيل) ‏و (موسى المعلم) الذي كانت شقاوة التلاميذ تلقبه ب(الحرباء).أيضاً نلاحظ أن الكاتب ‏لم يلتزم الكاتب بالترتيب الكرونولوجي للزمن و اختار بدلاً من ذلك أن يكون تقديم ‏شخصيات السيرة في شكل مقتطفات أو مقاطع تصويرية تُبرَز سيرة كل واحدٍ من ‏شخصيات السيرة. ‏
ملاحظة أخيرة و هي أن السيرة جاءت خالية من أي ذَكرٍ للعلاقات العاطفية مع الجنس ‏الآخر.و بالتالي فقد غابت (الأنثى) (الحبيبة) أو (العشيقة) من هذه الذكريات. و التي ‏كان يمكن أن تتضمن بعضاً من ذكريات المراهقة و شقاوة المراهقين و النظرة للجنس ‏الجنس الآخر بما كان سيُضيء ركناً مُعتِماً في ذكريات تلك الفترة و سيعمل بالتالي على ‏إكتمال الصورة، بما يجعلها تبدو عند ما يكبر المرء مثيرة للسخرية و المتعة معا. التي ‏تكون دائما ما تكون تتسم بالتخيلات و الغموض و بما يمكن أن تتضمنه من مغامرات ‏بريئة و خطرات سرية تتعلق بالعلاقة مع الجنس الآخر و النظرة إليه.و هي علاقة و ‏نظرة تتسم بمزيج من الرغبات و الممزوجة بالانجذاب و الخوف و التردد في عقول ‏الصبية و المراهقين. جرّاء تأثيرات القيم و الأفكار السائدة و التخيلات و المفاهيم و ‏الصور عن العلاقة مع الجنس الآخر. بالتالي فإن التطرق لمثل هذا الجانب كان يمكن ‏أن يشكّل إضاءات ذات بال حول فترة المراهقة لدى الصبيان في تلك الفترة و في تلك ‏الربوع.‏
[email protected]
‏ ‏
‏ ‏
‏ ‏
‎ ‎


________________________________________
‎[1]‎‏ كتاب غاستون باشلار( جمالية المكان)‏

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1634

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.محمد عبدالله الحسين
د.محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة