07-19-2014 06:59 PM

لدغة عقرب

يوم الحزن الكبير يوم الأربعاء الماضي لم تستطع شمس النهار الساطعة أن تحجب الظلام الذي خيم على السودان والسودانيين أينما وجدوا وعلى قبيلة الفن العالمي الذي لا يعترف بالحدود أو اللغة وذلك حزنا على رحيل الفنان المبدع محمدية الإنسان حلو البسمة.

كما لم تستطع السماء أن تغرق السودان بسيولها بعد أن أغرقته سيول دموع الباكين على رحيل العالم الموسيقى محمدية الفنان سمح الكلمة عف اللسان.

يوم رحيلك يا محمدية صمتت الأوتار وآلات الكمان وكفت عن الصداح الألحان وأضربت سماعات الساوند عن الكلام حذنا على رحيل فارسها وقائدها محمدية الذي توج بين ملوكها على المستويين العربي والإفريقي.

ففي يوم الحزن الكبير هذا رحل عن دنيانا الفانية محمدية الإنسان ملك الكمان جسدا وسيبقى خالدا بإبداعاته وإنسانيته وحلو بسمته وسماحة كلمته وعفة لسانه التي يشهد عليها كل من عاشره عن قرب.

ولعلني كنت من المحظوظين الذين انعم الله عليهم بالتعرف عليه عن قرب بعيدا عن الأوتار والألحان التي أوفاه زملاؤه ورفقاء دربه من الفنانين والعازفين الحديث عنها لاقف على ملامح محمدية الإنسان حلو البسمة سمح الكلمة عفيف اللسان اخو الأخوان.

عرفته والتقيته وجالسته مع كوكبة من زملائه الفنانين المبدعين منذ الربع الأول من السبعينات رحمة الله على من رحل منهم وأطال الله من بقى منهم وانعم عليهم بالصحة والعافية واخص منهم على سبيل المثال لا الحصر رفيق دربه وصديقه عازف الكمان عبد لله عربي وضابط الإيقاع المبدع عبيد .

فلقد كنت ومجموعة من المسرحيين نحل ضيوفا وأعضاء شرف على دار الفنانين في ذلك المنزل الحكومي الذي خصص لهم جوار الإذاعة والمسرح القومي حيث نقضى فترة الفراغ التي تسبق رفع ستارة المسرح وانطلاقة الفنانين نحو الحفلات الغنائية.

كان الفقيد محمدية فاكهة تلك الجلسات ببسمته وسماحة كلمته وضحكاته التي لا تنقطع وطرائفه وقفاشته التي لم يكن يجاريه فيه إلا الفنان المبدع رحمة الله عليه خليل إسماعيل ورحمة الله علية الفنان الرقم زيدان عندما يحل أحيانا بالنادي وتواصلت هذه الجلسات حتى نهاية الثمانينات بدار نقابة الفنانين الجديدة الحالية ويومها انضم للمنافسين لمحمدية في سماحة اللفظ والطرفة رحمة الله عليه الذي اغتيل غدرا الفنان خوجلي عثمان ملك (الظرافة) والطرفة

وللتاريخ لا بد أن أسجل هنا موقفا للفقيد محمدية وهو من الرياضيين الذين مارسوا كرة القدم لعباً وعشقاً فلقد تصادف قرار حكومة النميرى رحمة لله عليه بمنح الفنانين قطعة أرض لتشييد دار لهم مع إصداري لجريدة نجوم وكواكب الرياضية الفنية في أغسطس 78. ففي ذلك الوقت انفرد بي محمدية جانبا وهمس لي قائلا لماذا لا تتبنى مباراة بين الهلال والمريخ دعما للنقابة لتشيد دارها ولم يكن هذا قد خطر ببالي وقتها فشكرته ورحبت بفكرته وبحمد لله نجحنا يومها عبر الصحيفة في أن يلعب الهلال والموردة لصالح تشييد ا لدار وان يتنازلا عن الدخل والذي بلغ يومها ثمانية ألف جنيه كانت تكفى لشراء 160 طن حديد تسليح بسعر خمسين جنيها للطن يومها وكان الذي لعب ضربة البداية من منتصف الملعب رحمة الله عليه النقيب احمدا لمصطفى .

هذه المباراة موثقة في أرشيف نجوم وكواكب ويحمد لصاحب الاقتراح محمدية انه هو المبادر بطرح الفكرة وهذا ما يجهله الفنان وثاني المواقف للفقيد محمدية والتي لم تغيب عن ذاكرتي انه أنقذني من موقف حرج مع زملائه الفنانين وما كان ليفعل ذلك لولا طبعه الإنساني لأنه لا يعرف الغضب والانفعال.

ففي السبعينات كنت أعمل مديراً عاماً لواحدة من المؤسسات التجارية ومقرها بالخرطوم 2 جوار معهد الموسيقى والمسرح الذي كان يدرس فيه كوكبة من كبار الفنانين والعازفين في بديات مشوار المعهد.

وكان أغلبية الفنانين الطلاب يتناولون إفطارهم ببوفيه الشركة حيث نلتقي صباح كل يوم ولما علم الفنانون بالمزرعة طلبوا مني أن ينظموا رحلة لزملائهم بالمزرعة وتحدد يوم الجمعة للرحلة حيث اتفقنا أن احضر لهم صباح الجمعة بالمعهد لأصحبهم للمزرعة ولكنى نسيت الموعد ولم احضر إليهم حسب الاتفاق وكانوا قد تجمعوا في الموعد المحدد وجهزوا أمرهم (بخروفين)وكل ما يلزم مما أثار غضبهم فكانوا بانتظار وصولي صباح السبت ولحظة وصولى كانوا في قمة الانفعال والغضب وبصفة خاصة رحمة الله عليه الفنان الرقم محمد وردى ووقفت حائرا ابحث عن مخرج من هذا الحرج ولكن محمدية فاجأني وهو يطلق ضحكته المعهودة ويقول لي:/

(0عافى منك مقلبت الفنانين اللتعودوا يمقلبوا الناس) ثم التفت إليهم وقال لهم(شوفوا المقالب حارة كيف) وهنا انقلب الحال وضحكوا جمعيا ونسو الحكاية فكان محمدية هو الذي أخرجني من ذلك لموقف.
هكذا كان محمدية المبدع في إنسانيته وسماحته قبل أن يكون رقما في إبداعه الفني.
ربنا تقبله قبولا حسنا واغفر له إن كان مذنبا فتجاوز عن سيئاته واسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء والهم ا سرته الكبيرة والصغيرة الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 866

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1061858 [abdelrazag]
0.00/5 (0 صوت)

07-20-2014 11:40 AM
شكرا لك يا اصيل ... اللهم ارحمه وثفل موازبنه ... واجعل البركة في ذريته واهله...انا لله وانا اليه راجعون...


النعمان حسن
مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة