07-30-2014 03:18 PM


الحرية هي فاتحة كتاب الوجود وخاتمته، وهي الأقنوم الأكثر نبلاً وتقديساً في تاريخ الإنسان المفعم بالصراع حولها، مِن متربِّصٍ بها ليغتالها ومِن باذلٍ روحه فداها .. ولم يفارق الحقيقة من قال إنَّ الحرية هي الإنسان ذاته، فهي استحقاقه الوجودي الأول الذي من دونه تتحول حياته إلى موت وإن كان يحمل جثته ويمشي على قدمين، مثلما يتحول الموت إلى حياة حينما يكون دفاعاً عن الحرية ونبلها وقداستها .. وهكذا أيضاً يتحول السجين إلى حرٍّ يغني في زنزانة سجَّانه المرتجف في قصره، كما قال الشاعر الراحل الباقي محجوب شريف.
تُمثل مصادرة حرية إبراهيم الشيخ عبد الرحمن ومكوثه المستمر في سجن مدينة النهود منذ أوائل يونيو الماضي حلقةً من الصراع الأبدي عبر المعادلة البكر التي كان، ولا يزال، طرفاها جلاداً وضحية .. ولئن حرمتنا جدران السجن السميكة من التواصل والمعايدة عبر الأثير كما جرت العادة خلال سنوات تباعدنا المكاني، يبقى إبراهيم الشيخ مستقراً في الذاكرة الشخصية الأخ والصديق، زميل الدراسة وسيرة التكوين، ورفيق الدروب التي تشاركنا فيها الهمَّ والهاجس والحلم بغدٍ لا يكرِّر البارحة .. ويبقى بسيرته السياسية، منذ عرفته في عهد الطلب إلى رئاسته لحزب المؤتمر السوداني، جديراً بالإنتماء إلى سلالةٍ عصيةٍ على الإنقراض مهما اشتدت وطأة الظلم والظلام .. سلالة نبيلة كُتِبَ عليها أن تحمل عبء الصراع من أجل الحرية جيلاً بعد جيل، ما دام الطغيان لا يكفُّ عن التحالف الشيطاني مع التاريخ، في غفلاته، جيلاً بعد جيل.
في واقعٍ تحكمه موازين القوة العمياء يتراكم الصدأ والعطن ويعمُّ الالتباس الأخلاقي، فتنقلب المعايير التقليدية ومنظومة المفاهيم القيمية وتتبدل الأدوار بحيث يصير المجرم قاضياً والحرامي حامياً، ويكون مطلوباً من الحقِّ أن يعتذر للباطل ومن الموقف الصحيح أن يعتذر لنقيضه، مثلما يكون مطلوباً من الشمس أن تعتذر لظلام الليل لأنَّها فضحت تآمره مع اللصوص وكشفت آثار أقدامهم وما تساقط من سلالهم وهم يهربون!!
لكنَّ إبراهيم الشيخ رفض التصالح مع الواقع الغاشم وأعلن العصيان على تعاليم الحرباء التي تغير جلدها خوفاً على حياتها .. ولأنه ينتمي لمدرسةٍ جسّرت المسافة بين الرأي والموقف، رفض الاعتذار عن "رأيٍ" يعتبره صحيحاً ولو كان الثمن أن يلبث في السجن بضع سنين.
أخي إبراهيم الشيخ
زنزانتك بسعة الكون تنام فيها ملء جفنيك لأنك مرتاح الضمير، وينام غيرك كأسماك الساردين في علبةٍ استبدلت فيها مياه البحر بزيتٍ داجن .. ظلام زنزانتك أشدُّ سطوعاً من ثُريَّات قاعة حوارهم الفخيمة .. كم أنت كثيرٌ وإن كنت وحدك، وكم هم قليلون وإن كانوا كثير لأنَّهم ليسوا سوى أرقام على جانبي طاولة الحوار الكذوب.
لن تذهب معاناتك في غيهب السجن سُدىً ولن تكون أيامك فيه مجرد أوراق تتساقط من الرزنامة، لكنَّها ستكون إضافة تراكمية لمواقف غيرك من الشرفاء الذين تتشكل من تضحياتهم خميرة التاريخ .. سينتشر وهج الصدق الحقيقة ما دام هناك من لم تنعطب بوصلتهم الأخلاقية ويرفضون تحويل جمرة الضمير إلى فحمة.
الإنسان زائل، لكن يبقى تاريخه وتبقى سيرته.
ستبقى إرادة الحياة وحتماً ستنتصر.

[email protected]

تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 1867

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1070123 [أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2014 10:38 PM
أين الصادق المهدي وأين إبراهيم الشيخ؟


#1069171 [تجاني مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2014 08:26 AM
التحية لعمر الدقير والتحية لأبراهيم الشيخ وهما من قيادات اتحاد الانتفاضة في جامعة الخرطوم 1985م عن مؤتمر الطلاب المستقلين . يوازيهم قيادات اخري لااستحضرها في الاسلامية بالاضافة لاتحاد طلاب جامعة الجزيرة الذي ابتدر العصيان المدني الذي اسقط نظام نميري بقيادة طارق الشيخ الطيب (رد الله غربته ) ومعه كوكبة من الأفذاذ ..عادل علي صالح .. مرتضي كمال .. الرشيد الشيخ (رحمه الله ) .. وآخرين


#1068885 [محمد الحسن]
0.00/5 (0 صوت)

07-31-2014 03:47 PM
عمر الدقير لك التحيه والاحترام وعمر احد قادة الانتفاضه كان رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عندما كانت جامعة الخرطوم جامعة الخرطوم كانت مكانته مثل رئيس حزب الامه او الاتحادى ان لم تكن تزيد وكان له ثقل ووزن كبير فجيره لصالح الشعب السودانى ولصالح الانتفاضه وكان شعله من الحماس والوطنيه كنا نذهب للجامعه لنستمع لخطب عمر الخطيب المفوه وكنت اتنبا لعمر بموقع سياسى متقدم ولكنه السودان ينسى مواقف الرجال ويتقدمه الاقزام دائما ويتوارى العمالقه وعمر عملاق رايته فى وقت صعب وكان فى قامة الموقف ويزيد لك التحيه ايها الصنديد والمجد للرجال الشرفا


#1068842 [أبو الحسن الشاعر]
0.00/5 (0 صوت)

07-31-2014 02:06 PM
التحية لكما الإخوة المهندس عمر الدقير والمناضل الاقتصادي إبراهيم الشيخ .. أنا زميل دراسة ونضال .. يوم كانت الحرية حلما وحصلنا عليها بشق الأنفس كما تذكرون لكن سرعان ما اختطف العسكر الوطن وأعادوه لعهود الظلمة والجهل وفتاوى الظلام والقوانين القاتلة للحريات والمنادين بها .. ما يدفعه المناضل ابراهيم ثمنا لموقفه من قوات القتل والسحل بلا قانون ولا مبدأ ولا أخلاق .. هديتي لك في العيد كلمات أمل دنقل :
لا تصالح وإن ملكوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك ثم
أبدل جوهرتين مكانهما هل ترى ؟
هي أشياء لا تشترى ..
وشكرا لصمودك وثباتك على موقفك
وردد دائما كلمات الراحل محجوب شريف
" " نغني ونحنا في أسرك .. وترجف وإنت في قصرك " .. وفي ذلك ما " يهري " مصارين الحكام المجرمين.
أخوك / أبو الحسن الشاعر ، أحد كتاب الراكوبةوسنلتقي قريبا على صفحاتها بمشيئة الله .


#1068800 [كمال الدين مصطفى محمد]
0.00/5 (0 صوت)

07-31-2014 12:30 PM
تجمعت كل العبارات بخلدي ولكنها تبعثرت وفشلت في التعليق الذي يضاهي هذه القطعة الادبية الرائعة .. ولم اجد من مخرج لارتباكي الا ان الوذ بالصمت واستنجد بابيات للشاعر الفذ نزار قباني :
انا لن ارضى ان اكون مهرجا
قزما على كلماته يختال
فاذا وقفت امام حسنك صامتا
فالصمت في حرم الجمال جمال
متعك الله بالصحة والعافية استاذ عمر الدقير
ونسال الله سبحانه وتعالى ان يفك اسر المناضل ابراهيم الشيخ
وحقا لن تذهب معاناته في غياهب السجون سدى
وغدا تشرق شمس الحرية وتعم ارجاء الوطن


#1068785 [عبد الرحمن محمد الحسن]
0.00/5 (0 صوت)

07-31-2014 12:03 PM
التحية لك وللمناضل الجسور ابراهيم الشيخ


#1068754 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

07-31-2014 11:26 AM
سؤال : هل للكاتب المحترم علاقة بجلال يوسف الدقير ؟ نظرا لتشابه الأسماء ..


#1068509 [بابكر مكاوي]
0.00/5 (0 صوت)

07-30-2014 10:02 PM
التحيه والود لك اخي المهندس عمر الدقير نحن الحقيقه في الحزب الجمهوري قد وقفنا موقف ايجابي مع المناضل ابراهيم الشيخ واعلم ايها الاخ انهو مهما طال الوقت فإن الحريه عائده لشعبنا لانهو جدير بها وجماعة الهوس الديني اوصلت السودان اليوم إلى القاع وهم الان عاجزون تماما عن تسيير دفة الحكم ويخططون الان لخفض قيمه الجنيه مره اخرى حيث وصل الان الدولار 10 جنيه وإذا استر الامر اتوقع ان يصل الا 20 جنيه وبالتالي اقتصاديا لايستطيعون السير في حكم البلاد فأما الفساد فحدث عنه ولا حرج ونحن الجمهوريين قد دعونا عليهم في سجاده الثلث الاخير من الليل وفي شهر رمضان الكريم اللهم نسألك ان تخلص السودان من هذه الطغمه الفاسده


#1068486 [التوم محمد]
5.00/5 (1 صوت)

07-30-2014 08:54 PM
حرام عليكم يا إدارة الراكوبة الأعزاء .. هذا المقال عبارة عن لوحةأدبية سياسية بديعة ومن المفترض أن يكون من الموضوعات المميزة أعلى الصفحة


#1068450 [محمد أحمد الريح]
0.00/5 (0 صوت)

07-30-2014 07:05 PM
الشكر والتقدير لكاتب المقال الجميل.
المجد والرفعة للمناضل إبراهيم الشيخ
فك الله أسره ونفع به الوطن.

الخذلان والعار لتجار الدين الذين سرقوا الوطن


#1068413 [فلان بن علان]
0.00/5 (0 صوت)

07-30-2014 04:47 PM
إبراهيم الشيخ بارك الله فيك وفي والديك الذين أنجباك (جابوا لينا في السودان رجل).... فلتهنأ في سجنك (لأنك كل ضمير) ... أما ناس البشير وأخوانه وأخواته فلا هناء لهم في الدنيا والآخرة ... (مساكين ناس الحكومة (بئس السلطة) لأنهم بلا ضمير ... الراحة بعيدة المنال .. ليوم الدين ....


عمر الدقير
عمر الدقير

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (5 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة