08-31-2014 05:50 PM

علي شرف احتفال النوبة باليوم العالمي للشعوب الاصيلة الذي اقيم في امبدة البحيرة بامدرمان تحت شعار "كوكو عرف" تزامنا مع احتفال الامم المتحدة بذات الموضوع تحت مظلة "معا لردم الهوة وتنفيذ حقوق الشعوب الاصيلة " والذي يهدف الي اهمية حقوق الشعوب الاصيلة من خلال السياسات والبرامج علي المستويين الاقليمي والدولي ،لتحقيق هذا الهدف المشترك بالعمل مع كل من الحكومات ومنظومة الامم المتحدة والشعوب الاصيلة وغيرهم من اصحاب المصلحة . والمقصود بالشعوب الاصيلة كما ورد في الورقة المتميزة التي قدمها د.جمعة كندة راعي البرنامج ،هي: " مجمموعة من الناس لديهم حقوق قائمة علي تاريخهم المرتبط باراضيهم ولديهم تميز ثقافي يميزهم عن غيرهم من بقية السكان في دولة ما ".ومن اهم خصائص المشتركة بين الشعوب الاصيلة هي انهم معرضون لابشع عمليات الاستقلال والتهميش المركب والاضهاد بواسطة دولهم التي لاتحترم كرامة الانسان كانسان " . ان هناك ثمة تأملات فكرية يجب اعمالها في هذه التظاهرة الثقافية الاستثنائية والتي تعتبر حدثا بارزا في تاريخ الثقافات السودانية ومدي تجاوب الحضور من الشعوب الاخري مع هذا الاحتفال لان هذا الحدث يطرح قضية في غاية الاهمية بالنسبة للانسان، وهي مسالة مرتبطة ومتلازمة للوجود البشري وهي سؤال الذات ،وتعتبرايضا من الاسئلة المضطربة والمقلقة لكثير من الشعوب السودانية بفعل اشتغال اليات ماكينة الاقصاء والاستبعاد التي صممت وصنعت بواسطة الحكومات المركزية ذات الخلفية الشمالية النيلية العرقية والدينية الاسلامية ،وسعت هذه الانظمة عبر اساليب منهجية محو لوجود الذاتي لكل ما هو خارج من المنظومة الاسلاموعروبية عبر سياسات العنصرية الهيكلية المتمثلة في الخدمة المدنية والعسكرية والشرطة والقضاء والاعلام والتعليم ،وهي ادوات ايدولوجية صرفة وضعت خصيصا لاعادة انتاج الشعوب السودانية الاصيلة في حقل الاسلاموعربية !!! وقد توهمت هذه النخبة ان الالية اليتيمة لضمان سيطرتها وهيمنتها وديمومة استمراريتها في السلطة هي ازالة كل الفروقات الثقافية والابقاء والدعم والعمل علي نشر ثقافة احادية متسلطة تزعم استنادها الي قيم سماوية ! وكانت نتيجة هذه العملية هي استقلال جنوب السودان والهاب همم ومشاعر الشعوب الاخري التي ظلت خاضعة لذات الشروط في البحث عن الذات المفقود ،وكما ان الاليات الاقصائية زادت من درجة الاحساس بالخطر بالوجود الذاتي ،وما الثورات والمقاومات التي ضربت كل بقاع السودان ما الا عبارة أصدق تعبير ورد فعل لهذه المنهجيات الاستبعادية التي كانت وما زالت ملمحا اساسيا لكل الحكومات المركزية وخاصة حكومة المؤتمر الوطني التي اسندت كل مشروعيتها علي هذه الالية ،وفي ظلها تم تقويض الاسس المجتمعية ،وتم تدمير كل العلائق والبني الاجتماعية مما أدت الي استشراء المصادمات والمواجهات القبلية، واصبحت العنصرية هي شعار ودين وعقيدة المؤتمر الوطني ! في ظل حكومة المؤتمر الوطني ضاعت كل فرص بناء الدولة الوطنية وباتت القبلية والعصبية هي الاداة التي تحرك دولاب الدولة ! ولاول مرة في تاريخ الفكر السياسي وفي ظل هذا النظام برز ادب سياسي جديد لم يكن مألوفا في الشان السياسي من قبل وهو مبايعة القبيلة للحزب او النظام !!! وقد تتصدر عناوين صحف الخرطوم " ان القبيلة الفلانية تبايع المؤتمر الوطني " ,وفي عهدها ظهرت المحاصصات السياسية القائمة علي الترضيات القبلية وهذا ليس بعيب في القاموس السياسي للمؤتمر ان تسند السلطة علي اساس القبيلة ،وهناك ولايات بعينها أنشئت ترضية لقبائل معينة ! ، وكما ان هناك اجهزة ومؤسسات في الدولة ظلت مرتبطة بقبائل محددة منذ نشوئها ! كل هذه المسلكيات والسياسات جعل من سؤال فلسفة العيش المشترك امرا صعبا بل عصيا للعقل البشري في مجتمع متعدد الثقافات مثل السودان ، واذا تفحصنا كل العناصر التي تشكل فلسفة العيش المشترك فمثلا :عنصر المجتمع اذ ان مكونات المجتمع العامل الحاسم وذلك من خلال الاعتراف والاحترام والتسامح بينهم لخلق دولة الجميع ،ولكن عبر سياسات العنصرية البنائية التي تبتها المؤتمر الوطني خلقت تراتبية اجتماعية فوقية لا تعترف بالاخر مما ضيعت بل شلت حركة بناء قومية مشتركة بين كل الشعوب السودانية . وايضا العنصر السياسي يجب ان يراعي حقوق الشعوب الاصيلة في التعبير والمشاركة الفعلية في الشان العام ،ولكن السمة البارزة للنظام السياسي هو التهميش والاحتقار وعدم الاحترام بل الابادة والتطهير العرقي لهذه الشعوب الاصيلة المطالبة بحقوقها المشروعة ،وايضا اذا تاملنا في عنصر الاقتصاد وهو واحد من العناصر الجوهرية في فلسفة العيش المشترك يجب علي النظام الاقتصادي ان يزيل كل الفروقات بين كل الفئات والمكونات الاجتماعية وتوزيع الموراد بمساواة وتناسب بين الطبقات المختلفة في المجتمع ،ولكن تراكمت موارد الدولة علي ايدي قلة من النخبة والبيوتات حيث تطاولت عندهم العمارات والقصور وتضخم الارصدة في البنوك الاجنية والوطنية ! في الوقت الذي يموت فيه الملايين من ابناء الشعوب الاصيلة بالجوع والمرض !.
ان البادرة التي اطلقتها النوبة مهمة وجوهرية في هذا المازق التاريخي والانسداد السياسي التي رست اليها العقل السياسي السوداني ،ويجب علي بقية الشعوب السودانية الاخري في دافور والنيل الازرق وغيرها العمل علي تثبيت قيمهم وحضاراتهم وثقافاتهم وصولا لارضية مشتركة لكل الشعوب السودانية ،ونامل ان يكون هنالك منبرا موحدا لكل الشعوب السودانية في الاحتفال القادم وضمان نيل عضويتها في الامم المتحدة.

عبد العزيز التوم ابراهيم
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1085

خدمات المحتوى


التعليقات
#1095396 [ساهر]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2014 10:56 AM
النوبة لا ينطبق علهيم تعريف (شعب أصلي) الذي حددته الأمم المتحدة. لم يكن النوبة طوال تاريخهم أغلبية تعرضت أو كانت قابلة للتعرض للإزاحة والإبادة من قبل مستعمر أو حكومة مركزية. هذا الوصف لا ينطبق إلا على نوبة شمال السودان الذين تعرضوا لتهجير قسري من الحكومة المركزية بالخرطوم إلى أراض وبيئات لم يألفوها كما تدم تدمير ثقافتهم ولغاتهم. القبيلة الثانية التي يمكن أن ينطبق عليها هذا التوصيف هي قبيلة الشُلك التي كانت تمثل أكبر مجموعة سكانية موجودة بالسودان حتى عام 1856م، وكان تعداد سكانهم أكثر من مصر، ثم تعرضوا لإبادة غير موثقة وغير معروفة، وإلى هجرات قسرية أدت إلى تناقس أعداهم ومحو ثقافتهم وهويتهم.

* ** النوبة (جبال النوبة)، قبيلة مهمشة مثلها مثل أي قبيلة مهمشة أخرى بالسودان، ولا تستحق هذه الهيلامانة التي تدعو إليها، وهي هيلامانة لا يقصد بها إلا مزيد من التفتيت والتفكيك والدعوة إلى العنصرية.......

**** لم يجبر أحد لا في المركز ولا في غيره على اعتناق دين معين، أو اتباع ثقافة معينة. مرقت هذه الجماعة على سلطان السلطة المركزية ورفعت السلاح فكان لابد من قتالها لكي تركن للحق ، مثلها مثل أي قبيلة أو جماعة مارقة أخرى...انتهي.


ردود على ساهر
Sweden [ود انقو] 09-02-2014 04:33 PM
كيف تتحدث يارجل النوبه مصنفون ضمن الشعوب الاصيلة بقرار من الامم المتحدة وهنالك وثائق تثبت ذلك وليس ادعاء او اجتهاد كما تظن وهذه ضربة البدايه وسترى العام القادم سيحضر الاحتفال السيد بانكي مون نفسه انتم شعب مستهتر ومجحف بحقوق الاخرين النوبه ليس نوبا زمان كوكو عرف انتهى الامر


#1094688 [أبو الشيماء]
1.00/5 (1 صوت)

09-01-2014 12:26 PM
الأخ عبد العزيز التوم ، شكراً على مقالك الرائع.
أولا مسألة التهميش في السودان هي في الأساس جزء من الصراع القائم بين المركز والهامش وفي هذا يستوى الشرق والغرب والشمال الأقصى. الفرق ربما يكون في أن المتضرر الأكبر هي القبائل الأصيلة باعتبار أن حظها من التعليم لم يكن بمستوى المجموعات الأخرى.
ثانياً: الإسلام لا علاقة له من قريب أو بعيد في السياسات المطبقة مركزياً لاقصاء المجموعات الأصيلة ، بل ربما يستخدم ستاراً لرسيخ البعد العروبي المدعاة للسودان. وإلا فإن نسبة الناطقين بالعربية في العالم الإسلامي أقل من 10% من جملة المسلمين في العالم. وكون 90% من المسلمين لا يتحدثون العربية لا يقدح في إسلامهم قيد أنملة! إذن الجمع ما بين العروبة والإسلام وكأنهما مترادفان القصد منه التمويه لتحقيق الأجندة الخفية.
ثالثاً: إن مقاومة التوجه العنصري للنخبة الحاكمة في السودان منذ الاستقلال لا يمكن أن تتم إلا من خلال التوعية بأهمية الجذور ودورها في تعزيز الثقة بالنفس ثم الانطلاق نحو تطوير وتحقيق الذات. ولا يتم باجترار المرارات وابراز المظالم دون اتخاذ خطوات حثيثة للتوجيه نحو التطوير. وقد رأينا كيف أن مشاعر الغبن والشعور بالظلم قد يحول الإنسان إلى وحش كاسر قد تنقلب وحشيته عليه نفسه كما هو الحاصل في الجنوب. وقد خسرت الحركة الشعبية - وهي لسان حال المهمشين - عندما نبهت المهمشين بما هم فيه من التعميش دون أن تحول حماسهم للتغيير إلى رؤية استراتيجية بخلاف ما فعل الراحل جون قرنغ!
ما لم يكن للقائمين على أمر الشعوب الاصيلة رؤية واضحة للخروج من وضع التهميش إلى المساهمة الفعلية في صناعة القرار الوطني ، سيظل أبناء الهامش عرضة للاستغلال لضرب بعضهم ببعض.


عبد العزيز التوم ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة