05-24-2010 08:52 AM

هل كفرت العُصبة أم أسلم أهل السودان (1)

فتحي الضَّـو

[email protected]

تملكتني دهشة بالغة أثناء مشاهدتي برنامجاً دينياً بُث في فضائية (عبد الله بن أبي سلول) يوم الخميس الموافق 29/4/2010م وهو برنامج يتيح لمشاهديه الاتصال هاتفياً، والسؤال عن أي أمرٍ يعنُّ لهم في أمور دينهم. كان السائل (عثمان) من قرية (تمبول) وذلك بحسب ما كُتب على الشاشة البلورية الصغيرة. وايقنت من خلال طرحه لسؤاله، بل من طبيعة السؤال نفسه، أنه أحد بسطاء أهل السودان، إذ قال: (يا مولانا نحن جماعة تابعين لشيخ طريقة دينية، وكان الشيخ قد طلب مننا في الانتخابات الأخيرة أن نصوِّت لحزب معين، والحقيقة نحن خالفناه وصوَّتنا لحزب ثاني، والآن سمعنا أن الشيخ قال إنه ما حيشفع لينا يوم القيامة! وأنا عايز أعرف هل الكلام ده صحيح؟ وبعدين ما حكم الشرع لمن يخالف شيخه في الانتخابات؟) استنفرت كل حواسي لمعرفة رد المُسائَل، الذي كِدت أن أرى مأزقاً يطفح من بين عينيه وهو يستلمح الحزب المشار إليه بغير كثير ذكاء. ومع ذلك بدا لي أنه وجد مخرجاً، فقال له: (هذا لا يجوز، ليس بين الله وعباده حجاب، والله تبارك وتعالى لا يشفع لعباده عن طريق وسطاء. وليس بالضرورة أن يتبع الحُوار شيخه في الانتخابات) وتلك اجابة بدهية، غير أنني لو كنت مكانه وأردت خيراً لهذا الرجل البسيط باجابة حاسمة، لما ترددت قيد أنملة في الطلب منه أن ينأى بنفسه عن ذلك الشيخ الذي سلب حوارييه نعمة الاختيار وحرية الإرادة، وصار يوجههم طبقاً لرغائبه.. كما قطيع من الأغنام!

كنت ممن يظنون أن العصبة الحاكمة نجحت في (إعادة صياغة الإنسان السوداني) امتثالاً لشعارها الهمجي الذي رفعته بداية سني عهدها بالسلطة، وذلك بغض النظر عن كونها صياغة تمت في الاتجاه الخاطيء. وقلنا كثيراً أن اللائمة تتضاعف على كاهل المحكوم الذي تقبل تلك الإهانة أكثر من الحاكم الذي فرضها عليه. ولهذا كان من الطبيعي أن يجد السودانيون أنفسهم في مواجهة واقع مرير تحاصرهم فيه أسئلة معقدة. فباسم الإسلام ذهبت مُثل أدراج الرياح، وباسم الإسلام تردت أخلاق اعتزوا بها والداً عن ولد، وباسم الإسلام تضعضت قِيم توارثوها كابراً عن كابر. وفي ظل دولة الإسلام لم يعد المصلون يُعرفُون بسيماء في وجوههم من أثر السجود، مثلما لم تكن الذقون المسترسلة دليلاً على حسن إسلام المرء، وفي ظل دولة الإسلام صار التدين رياء الناس فرض عين، مثلما ليس بالضرورة أن يشهد الناس بالإيمان لرجل ارتاد المساجد كما قال نبيهم الكريم. لقد أصبح التعامل بالرشى شطارة، والاختلاس من المال العام فهلوة. بات السكوت على الظلم مكرمة، ونفاق أهل السلطة مأثرة. أضحى قول الحق في وجه سلطان جائر تهور، والفساد الأخلاقي جهاد في سبيل الله.. لمن استطاع إليه سبيلا!

لم يكن السودانيون كفاراً قبل أن توقعهم العصبة ذوي البأس في حبائلها، لكنها أوحت لهم أنهم الضالون وهم مبعوثو العناية الإلهية لإخراجهم من الظلمات إلى النور. قبلئذٍ كان السودانيون كما سائر عباد الرحمن، فيهم من أسلم لله طوعاً، وبينهم من تنصر اختياراً، ومنهم من ظل على جهالته يعبد بقراً أو شجراً أو صنماً صنعه بيديه. وبرغم تعدد دياناتهم وتباين ثقافاتهم واختلاف سحناتهم واثنياتهم، إلا أنهم تعايشوا في ودٍ ومحبة وسلام. كانت المشاعر الإنسانية قاسمهم المشترك الأعظم، والرؤى الوطنية هاجسهم المُوحد الأكبر، وإن حالت أنظمة السوء دون بلوغها. كان للدين قدسيته ومكانته لم يك يوماً موضع خلاف أو سبباً في حرب. لكن تغير الحال مذ أن هبطت عليهم أسراب العُصبة كجراد استهدف وادٍ كان ذي زرع فاصبح صعيداً جرزاً. وتلك إحدى المهام المقدسة التي آزرهم فيها علماء السوء أو علماء السلطان كما سمَّاهم الشيخ الحكيم فرح ود تكتوك، الذي سبق وحذرهم من مغبة الوقوف على أبواب السلاطين طمعاً في دراهم معدودات. وهي حافزهم الذي حدا بهم للتفاني في تقبيح الجميل وتجميل القبيح.. في رحلة مقدسة لم تتأثر بتغير الأزمنة ولا تبدل الأمكنة. شهدناهم بالأمس يرسلون الفتوى تلو الأخرى بتحريم الانتخابات، ويغضون النظر عن ربا تمطَّى وتثاءب وتمدد في (سوق المواسير) يشغلون الناس ببنطال السيدة لبنى أحمد حسين وتزيغ أبصارهم عن رؤية ظاهرة أطفال دار (المايقوما) هم من يسألون الناس التطهر من دم بعوض أصاب ملابسهم، ويتحاشون الحديث عن دم الشهيد محمود محمد طه الذي أزهقوا روحه ظلماً وبهتاناً!

على الرغم من أنني أُوتيت من الخيال سعةً ومن العلم نصيباً، إلا أنه لم أكن أظن أن مظاهر السوء يمكن أن تطال بعض صوفية أهل السودان، لا سيما، وهم الذين كان لهم الفضل في نشر الاسلام، وتوطيد أركانه، والإبقاء على جذوة ناره متقدة على مر العصور. ومثلما أن البعض يمنح وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ظلَّ بعض شيوخ الطرق الصوفية يمنحون البيعة بكرم حاتمي لإمام جديدٍ يورث إماماً مخلوعاً، على الرغم من أن الرعية المُبايِعة تعددت عقائدها وتباينت مذاهبها، وأن الراعي المُبايَع.. سفك دماءً وانتهك عروضاً وكان في السلطة من الفاسدين. وفي هذا الصدد صعب عليَّ هضم مفارقة احتواها فيلم قصير (يو تيوب) بثه أحد ناشطي موقع (سودانيز أون لاين) الشهير قبل أيام قليلة خلت. وكان يعرض وقائع زيارة قام بها أحد أساطين العُصبة ممن يتحملون أوزار بيوت سيئة السمعة وضعت بصماتها بوقائع لا تُمحى بتقادم الأزمنة، وكان المذكور قد شغل منصباً رفيعاً كاد أن يقيم فيه دولته الخاصة لولا أن تداركوه، وبنظرية (غسيل الأحوال) على حد تعبير صديقنا مصطفي عبد العزيز البطل، ارتأى أن يخوض تجربة الانتخابات الأخيرة، بل تردد أنه كان أحد مصممي التزوير الفاضح الذي سارت به الركبان. ظهر سيادته في الفيلم الوثائقي وهو يقوم بزيارة لأحد شيوخ الطرق الصوفية الشهيرين في السودان، وكان في معيته وفي استقباله أيضاً وجوهاً مبثوثة لحاضرين، لو طالعت ماضي بعضها لوليت منها فراراً ولملئت منها رعباً، خطب فيهم صاحبنا - عازف الأوصال – وقال لهم إن علاقة عصبته بالضريح تمتد لسنين، وكشف لهم للمرة الأولى أن (العميد عمر حسن البشير قبل أي يصبح فريقاً - بحسب تذكيره - قام في اليوم السابع للانقلاب وتحديداً يوم 7/7/1989 بأول زيارة له خارج العاصمة وكانت لهذا الضريح) ولا أدري إن كان يود أن يقول ألهذا السبب تطاولت سنين عصبته في سدة السلطة؟

في الواقع لا يحق لي أن أندهش، فقد مضى حين من الدهر على أهل السودان، أصبحوا يطالعون فيه أخباراً مثل هذه التي طالعتها في صحيفة الأحداث 31/3/2010 عن صوفية الزمن الأغبر: قال (أوقفت الشرطة 7 افراد بتهمة الاستيلاء على مبالغ مالية من أحد مشائخ الطرق الصوفية. وابلغ مصدر الأحداث أن شرطة أمدرمان تلقت إخطاراً من أحد شيوخ الطريقة، بأن مجموعة تسللت إلى داخل حجرة بأحد المجمعات الإسلامية بأمدرمان وسطوا على مبلغ 10 ألف دولار و8800 درهم إماراتي وسلسل ذهب وهاتف سيارة. والقت الشرطة القبض على 7 متهمين كانوا يقيمون بالمكان، وأخضعوا للتحقيق لفك طلاسم الحادث) هل يمكن أن تكون هذه المفقودات بطرف شيخ زاهد من أهل الله كما نقول عن متصوفة أهل السودان تأدباً وتبجلاً واحتراماً. ومع ذلك ربما كان هذا الخبر أخف وطأة من خبر آخر طالعته، ويبدو أنه لم يلفت أنظار الناس كثيراً لأنهم كانوا يومئذ في محنة شاغلون. جاء ذلك في خضم ما سمي بـ (غزوة أمدرمان) التي قامت بها حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم، فطبقاً لصحيفة الرأي العام 12/5/2008 التي أوردت الخبر (أن الشيخ ... أحد شيوخ الطرق الصوفية ومريديه تجاوبوا مع نداءات السلطات الأمنية، وألقوا القبض على أربعة عناصر من المتمردين، قذفوا بأنفسهم في النيل في طريقهم إلى الشاطيء الغربي جنوب غابة السنط سباحةً، وتابعوهم لمسافة تزيد عن الثلاثة كيلومترات، ثم دفع الشيخ بابن أخته وهو سباح عندما شعر بخطر الغرق يتهددهم، وبعد وصولهم إلى البر تولى الشيخ ومريدوه إنقاذهم، وتمَّ نقلم إلى مقر الطريقة حيث أجريت لهم كافة الاسعافات الأولية، وتولى الشيخ ابلاغ الأجهزة المختصة التي تسلمتهم في مساء اليوم) ذلك خبر جعلني أتوارى كسوفاً، وأطأطيء رأسي خسوفاً من قوم تخالط صالحهم بطالحهم!

بيد أن المندسين وسط أهل الله هم الذين خصيناهم بحلقات متسلسلة سبق وأن نشرناها تحت عنوان (تصويف السياسة وتسييس التصوف) هدفنا منها إلى تنقية الثوب الأبيض من بقع سوداء علقت به. لكن الذي عزَّ على أهل السودان اجتنابه هو ما سميناه بـ (تديين السياسة أو تسييس الدين) وهي الظاهرة التي استمرأت العصبة تعاطيها، وانعكست وبالاً على السودان والسودانيين. إنها الظاهرة التي كبتلنا طيلة سنوات ما بعد الاستقلال، وجعلتنا ندور في حلقة مفرغة، ذلك لأن بيننا من يريد أن يفرض رؤاه في وطن لا يحتمل الآحادية في أي شيء، ناهيك عن الدين الذي تباينت مذاهبه وتعددت عقائده. هي الظاهرة التي أنتجت المكارثية السودانية في العام 1965 وطردت حزباً ممثلاً في البرلمان واشهرت سيف الدين في وجهه. وهي الظاهرة التي جهزت المقصلة في العام 1968 وأدت إلى ظهور حكم الردة الأول في قضية الاستاذ محمود محمد طه، والتي تكاملت فصولها فيما بعد بظهور قوانين سبتمبر سيئة الصيت في العام 1983 وسيناريو الإعدام في العام 1985 وهي الظاهرة التي جعلت الجمعية التأسيسية في الديمقراطية الثالثة ساحة ترهيب لمن يجرؤ على الوقوف ضد القانون الجنائي. وهي الظاهرة التي جعلت العصبة ترفع المصاحف على أسنة الرماح في الأحياء، لدرجة طلت فيها الفتنة الهوجاء برأسها.. فيما سمي بثورة المساجد تارة وثورة المصاحف تارة أخرى. وهي الظاهرة التي مهدت الطريق لانقلاب الصحابة في العام 1989 وعندما جلسوا على سدة السلطة قالوا هي لله! فهل كانت لله....!؟

نواصل!!

عن صحيفة (الأحداث)





تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2581

خدمات المحتوى


فتحي الضَّـو
فتحي الضَّـو

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة