09-02-2014 08:39 AM



. (1)

تأثرت تجربة الاخوة جبريل ( عوض و محمد و عادل عثمان ) الابداعية بأجواء امدرمان القديمة و المخزون الصوفي و التراث النوبي الثر و في المهاجر كان للاحتكاك المباشر بالثقافة الغربية و بالجماعات المهاجرة الاخري إضافة للثورة التكنولوجية و العالم الاسفيري عميق الاثر علي التجربة الابداعية و جعلها اكثر عمقا و إنسانيةرغم أخوة الدم و القلم و المنفي للاخوة جبريل إلا أن كل واحد منهم يتميز بخاصية كتابة مغايرة لها نكهتها المميزة.

المنفى ... الغربة .... تجربة لا يمكن وصفها إلا بمعايشتها هي ذروة المعاناة والتناقض والصراع الداخلي ... هي قمة التوتر الكياني الذي ينتج ويتفجر بلقاء ذاتين غريبتين ...... هي فتح مجاري وقنوات لينابيع جديدة وتفاعل حي مع حضارات وثقافات اخرى ولهذا تشاهد في أدب المهاجرين حدائق جديدة ... وتكاد تحس في ذلك الادب صخب المدن الغربية ونمط حياة تلك البلدان وجغرافيتها وتاريخها وآدابها المتنوعة

(2)

عوض عثمان عوض ..
من مواليد مدينة أم درمان - السودان عام 1972
خريج جامعة النيلين - كلية القانون عام 1995
هاجر إلي هولندة عام 1996
أقام مدة تسع سنوات في هولندا، ويقيم حالياً في بريطانيا
له العديد من المقالات والمساهمات الأدبية والقصص القصيرة والخواطر، نشرت في عدة مواقع بشبكة الإنترنت وفي مجلة الحوادث اللبنانية وجريدة القدس العربي الصادرة في لندن
صدر له:..
باب السنط، بالاشتراك مع الإخوة جبريل، دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر، بيروت، 2008.
حوار الظلال (قصص قصيرة جداً) دار ميريت للطباعة والنشر، القاهرة، 2010.
أصدر عوض من دار الفارابي ببيروت في مستهل هذا العام روايته الجديدة إيقاع العودة و التي يعود ريعها للاطفال مرضي السرطان بالسودان. و سيصدر له قريبا كتاب وشم النخيل العاري

(3)

عندما تقرأ رواية إيقاع العودة تتضامن بصدق مع بطلة الرواية هاجر ساتي الاديبة و الشاعرة و التشكيلية التي توزعت حياتها بين السودان و بولندة و هولندة و مدينة لندن......حملت الوطن أينما حلت و زرعت الحب و الخير و الجمال في كل من إلتقتهم في محطات حياتها.......واجهت قدرها بشجاعة مدهشة و تسامت فوق الاحزان ببسالة. و عندما إحتضنها تراب وطن أدمنته و عشقته كتب علي شاهد قبرها وصيتها و حكمتها.....تذكار عزيز
.كتب الاستاذ عبد الله الشقلينى عن رواية ايقاع العودة قائلا: استلت الرواية نماذج من دُنيا المهاجرين ، ممن لهم إسهامات في العمل والفن والإبداع . من الذين صنعت منهم المهاجر خامة تذوب في الحياة الاجتماعية والثقافية الجديدة دون أن تتآكل . تتلقى وتُسهم . يصيبها داء الحنين إلى العُشرة الطيبة في الوطن ، على ما تواضع عليه أهلنا ،تربطهم وشائج المحبة ومذاق حياة العشيرة التي تزهو في وجدان الجميع. أن الوطن رغم آلامه ، نراه جميلاً لأنه أرض المنابت التي لا ولن تُنْسى من يرحل بعيداً عنها . خيوطٌ رفيعة وقوية ،تربط الجميع بالوطن الأم ،رغم أنا نراه اليوم قد رحل بعيداً عن مسار الأمم الناهضة، على غير ما كنا نأمل،فانكسرت أحلامنا وكدنا أن ننهزم ، فنحن مثلهم شركاء أرض المهجر ، نعاني البُعد عن الوطن ويأسرنا الحنين .تعثر وطننا الخُطى ، وفشل القائمون على أمره في الحفاظ على وحدته ، وتلك أزمة لن نبارح شقاءها أبداً .و في قراءة غير نقدية يكتب الاستاذ معتصم الحارث عن الرواية: يتطرق الكاتب أيضا –عبر النص الروائي- لينشر أفكاره، باعتباره مثقفا، عن آلية التطور الاجتماعي، فنراه يناقش المعوقات التي تواجه المبدع، وقضية التعليم، وموقف الأنظمة السياسية من العمل الثقافي، وغيرها من القضايا التي تؤرق مضجع أي كاتب طليعي مهموم بوطنه، وبقضايا شعبه.أما عن آليات الكتابة، فقد استخدم الكاتب الآليات التالية: الفلاش باك، الفلاش فوروورد، القصة الداخلية، الشعر، النص الغنائي، الحلم، الخيالات الصوفية بما أضفى حيوية وديناميكية على النص.الراوية هي البطلة، وهذا اختيار واعٍ وموائم يتناسب مع طبيعة الرواية التي تستند إلى البوح، مما يجعل استخدام راوٍ آخر غير مناسب، ولكن الكاتب اضطر في نهاية الرواية إلى استخدام راوٍ آخر (أخت البطلة) بعد أن حكم على البطلة بالموت.تحمل الرواية في صفحاتها النهائية موقف البطلة من الوطن، فتقول متأملة:"هنا.. في هذه البلاد الجريحة لا شيء أسهل من قراءة الحزن والتعب في وجوه العابرين. في هذه المدينة يكبر البشر بسرعة مثل الورود، لكنهم بعد فترة يذبلون ويختفون كالنجوم العابرة في صدر السماء."في احتفائية بارعة بمفهوم تعدد النهايات، وضع الكاتب القارئ في محل الحكم، ليختار إحدى نهايات ثلاث: وفاة البطلة، أو وقوف أخت البطلة وصديقتها ماريكا أمام قبرها، أو حديث ماريكا الموشّى بالألم عن صديقتها هاجر عندما تقف على خشبة المسرح."إيقاع العودة" رواية تشي بميلاد كاتب يجيد أدواته التعبيرية، ويسير بخطى حثيثة نحو القمة

(4)

يحكي عوض عن سر الكتابة بقوله :..
الكتابة ليست محاكاة للواقع بل هي جعل الواقع نفسه أسطوري .. كيف يتم ذلك ؟ هذه هى مهمة المبدع مثلما يمزج الفنان الألوان ويعجنها في مخيلته وتخرج بعدها اللوحة مشرقة بكل بريقها الساحر .. كما أعتقد أن الكتابة في كثير من الأحيان صرخة في وجه الظلم والقبح والإستبداد وهى الشكل الذي نحلم به أن تكون الحياة ولكن هيهات كلها مجرد محاولات ولا يمكننا سوى التشبث بأحلامنا المشروعة وكما قال الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونووس ( إننا محكومون بالأمل ) ..
سؤال كبير يطرح نفسه بشدة وهو ... لماذا نكتب ؟ هل للهروب من الواقع المرير والبائس ؟ أم اللجؤ لعوالم بعيدة أقل صخباُ وضجيجاً .. هل لنقهر الموت أم لنخفف عبء الحياة عن كاهلنا ونصرخ في وجهها مثلما يصرخ المولود أول مرة عند قدومه للحياة .. لا أدري هل محق أحد كبار النقاد الروس حين قال :
إن الخوف والموت هما أكبر محفز للكتابة ..
كما هو معلوم أن السرد الأدبي لا يعترف بالحدود المكانية والفواصل الزمنية بل في كثير من الأحيان نحلق في عوالم بعيدة بحثاً عن عوالم بديلة عن الواقع بكل إحباطاته .. أعتقد أن الكتابة الأدبية في الكثير من الأحيان تطرح أسئلة لكن ليس عليها أن تجيب عليها ..
الكتابة إستعادة لأحداث ولتفاصيل بعيدة , وأتفق تماماً مع مقولة أن الذاكرة هى وقودالكتابة..
الكتابة هى وطن بديل عن حالة الغربة الروحية التي نعيشها , ليس من السهل التصالح مع المنفى ولا حتى مع أوطاننا التي ولدنا فيها وهجرناها منذ عقود إنها معضلة ومتاهة بمعنى الكلمة قلت ذات مرة : ضاقت بنا الأوطان فصارت لنا هذهالكتابة أكثر من وطن .. ويحضرني هنا جزء من حوار متخيل كتبته منذ مدة يقول أحدهما للآخر :

( - لماذا لا تعود للوطن يا صاحب لقضاء بعض الوقت هناك ؟
- وطن !! عن أى وطن تتحدث يا صاحب ؟ الوطن الذي تركناه خلفنا صار هو الآخر منفى , وهذه المنافى أصبحت حالة شتات أبدي .. لا تهمني كثيراً سؤال الهوية بقدر ما يهمني سؤال الوجود نفسه .. )
لسان حالنا يردد أبيات الشاعر التيجاني سعيد : رحلتا وجيت في بعدك لقيت كل الأرض منفى , وبالفعل أصبحت كل الأرض منفي ...

(5)

سطور من كتاب وشم النخيل العاري :..
الصمت المعدني يعقب في الغالب حالات الموت هكذا تقول سيرة الفراغ وذاكرة الألم ومرارة الذكريات , المدينة ما زالت خالية إلا من رائحة الموت وذاكرة الضحايا وحيرة الذين لم يسعفهم الموت بعد .. تجلس على وجعك وتحادث نفسك .. كنت أثنين أنت وظلك وثالثكم حزنك الذي يأبى أن يفارقك تذكرت جارك عندما حكى لك عن الحلم الذي قصته عليه زوجته قبل أسبوع من بداية الأحداث التي لم تهز بعد ضمير العالم الميت .. قالت أنها رأت نفسها وبناتها غارقين في بركة من الدماء , والغريب عند ذلك الصباح أكدت الطفلة الصغيرة بأنها رأت نفس تفاصيل الحلم في منامها .. كانت أمنية زينة الصغيرة أن تصير مراسلة مثل أطوار بهجت لكن حلمها تبخر وتكسر مثل شظايا البلور وكانت نهايتها لا تقل تراجيدية من نهاية المراسلة .. بعد عام من رحيلهم ما زال ينادي على إبنته الصغيرة وكأنها على قيد الحياة .. في تلك اللحظة كان الحزن في عينيه أكبر من حزن الشعراء على خراب وخواء هذا العالم .. ردد بأسى وعتاب : أكاد أخجل من نفسي .. كيف لي أن أظل على قيد الحياة حتى الآن .. لابد أن نستحي من إنسانيتنا التي أصبحت على المحك .. وسط ذهول الأشجار والأحجار وهروب الحيوانات والطيور من كل أرجاء المدينة .. كان صوت الريح وصمت الشوارع يتهامسان بصوت منخفض و الفراغ يتسكع بهدوء كما يحلو له .. أصوات تتكسر وتصرخ بنبرات حزن جريحة.. الخروج من هذا المستنقع الدامي يحتاج لمعجزة .. لكن للأسف إنتهى زمن المعجزات ونعيش الآن زمن الخيبات الكبرى .. أخرج أيها الصوت الجريح القابع في الأعماق وألعن هذا البؤس كما ينبغي .. بين الحضور والغياب متاهات شاسعة من السأم والضجر ..

(6)

إلى صاحب الخُبز الحافي محمد شكري في عليائه

عوض عثمان عوض

من يدخل مدينتك الساحرة طنجة , ولم يهمس في أذن الخيال فهو غير آمن ..
كان ضوء القمر الفضي ينسكب بتوهج كثيف حول خِصرها المشدود.. وهامتها العالية التي تبدو كمسلة فرعونية قديمة صنعتها أياد ماهرة .. تقاسيم ذلك
القوام وتضاريسه المذهلة سِر من أسرار النهر الذي لا يعطيه لأحد ..
وتفاصيل تكوينه لغز من ألغاز الكون الغامِض الذي لم يكتشف بعد.. مُحبة
وعاشقة للنيل والأرض لدرجة الوله .. خبايا ذلك القوام الملئ بالأعاجيب شئ
مثير للدهشة والجنون .. توجد فيه أشكال وخطوط رائعة تبدو كأوشام الغجر
المتمردة .. التي رسمت في لحظات إستغراق وإنفصال تام عن هذا العالم ..
طولها الشاهِق وجمالها الصارِخ أدهش الناظرين وحير أفكار الحالمين..
الذين يدعون أنهم وحدهم من يملكون فك شفرة الجمال في هذا الزمن العابث ..
فكانت خير دليل لمحدودية خيالهم المتواضع .. كل يوم تعلو هامتها وتزداد
إشراقاً وجمالاً.. مزهُوة بحلاوة روحها ومكانتها الراسِخة في ضفة النيل
الخالد كملكة نوبية.. أبصرت عيناها النور عند حافة النهر وعشقت أذنها
سماع هدير أمواجه وزقزقة عصافيره .. فأدمنت روحها سيرة النهر لحد
الثمالة..
حين غمرتها قطرات المطر في إحدى الأمسيات الخريفية كانت فرحتها مثل الطفل
الصغير الذي لا يعرف قلبه سوى البراءة والنقاء.. عندما إحتوتني بظلها
الدافئ ونسيمها العطر شعرت بنفسي خارج هذا العالم .. وظل صدى صوتها
عالقاً في مسمعي لزمن طويل يلازمني أينما رحلت.. ريح منعشة تتسرب في
أعماقي ورذاذ مطر خفيف ينهمر في وجهي .. سألت نفسي حينها: أين أنا هل
أسكن بداخلها أم خارج الزمن؟ همست لها: ما أجمل رقتك وعذوبتك ونداوة روحك
.. لم ألحظ ضوء الشمس في ذلك اليوم لكن لمحت شعاعاً من الضياء.. ينبعث من
حولها يحيط المكان بهالة كثيفة من الضوء والوهج الأخاذ.. سحرني المنظر
فأصبت بحالة صمت مطبق لمدة طويلة من الوقت ...

قلت ذات مرة: لماذا يبدو لي هذا العالم أضيق من شبر قبر رغم إتساعه, وبعد
لقياها وعناقها السرمدي قلت: لقد وجدت الآن كل أسباب الحياة.. بدأ لي
العالم بشكل مختلف .. غمرتني فرحة بهيجة أزالت كل الأحزان اللعينة
العالقة بداخلي ..
أيتها النخلة النيلية الشامخة
طيفك يرافقني هنا وفي كل مكان
في ساحة الفنا الأسطورية بمراكش
وبأزقة الحى المحمدي بالدار البيضاء
وبمقاطعة تمارة بالرباط في حضرة
سلطان العشاق الفيتوري
عند أضواء ياقوته الخضراء رأيتك
ترقصين بطرب على أوتار الحنين
وفوق وديان وسهول سيدي قاسم
وخلف أمواج شاطئ أصيلة
قرب حديقة الطيب صالح
عند الكورنيش في مدينة طنجة
أجزم أنني رأيتك تطلين من خلف نافذة
مطلة صوب الأفق البعيد
بين حشود موكب ملائكي
تلويحتك الحانية ما زالت عالِقة في الفراغ
هل أعانقك الآن؟ أم أذرف دموعاً حارة
لوداعك يا مدينة طنجة؟
عند أبواب مدينة فاس القديمة
وشوارعها وأزقتها وأضرحتها العتيقة
منحتني زاوية صوفية.. تميمة عشق سرمدية
عمرها آلاف السنين من القرون الضوئية
عربون محبة وعشق
أدور الآن كالدرويش في حضرتك
وفي حضرة النهر الخالد
أحمل في ذاكرتي طيف وشم النخيل العاري..
يخرج صوتي بصعوبة من الأعماق السحيقة
وأظل أردد وأصرخ مثل الفيتوري في تمارة:
يا الله .. يا الله .. يا الله

طنجة 4-11-2012 م

(7)

صفير القطار المنفر يتواصل ... تتدافع أمامك .. تتناسل الصور …….قطار العمر لا يتوقف في المنفى ... ليست هناك محطات للراحة….. أيام مضت لن تعود ... محطة قادمة لا تعرفها ... لا تعرف قدرك فيها ... وقائع أزمنة رحلت بطعم التوت والفراولة تبكي لفراقها واخرى تبذل قصارى جهدك لنسيانها ودفنها في أغوار بعيده. ... صفير القطار المنفر يتواصل ... تتدافع أمامك .. تتناسل الصور…..


[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 727

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل عثمان عوض جبريل
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة