09-03-2014 12:47 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر المؤرخون بأن مصلحة الجمارك فى السودان نشأت أبان الحكم التركى للسودان فى العام 1871 وحقيقة اصل الكلمة هى كلمة تركية تسمى (كمرك) وتعنى بالعربية أخذ المال أو تحصيل المال و تقابلها فى اللغة العربية كلمة المكوس ؛ والمكوس كما ذكر العلماء ( هى ضريبة تفرض من حكام الجاهلية الظلمة على البضائع الصادره والواردة من بلدان آخرى وهى شبيهة بجمارك هذه الأيام ) فقد نهى الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و السلام عند ما أتى بالرسالة فى حديث صحيح فى صحيح مسلم عندما تم رجم المرأة الغامدية التى زنت حيث قال : (ص) (والله تابت توبة لو تا بها صاحب مكس لغفر له)
وقد سبق و أن ذكرت هذه المقدمة على ما إعتقد فى مقال سابق و إذا نظرت مليئا فى كل الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة منها أو الضعيفة لا تجد حديث يتحدث عن هذه الجمارك أو الضرائب إطلاقا و ذلك يعنى إنها من بدع هذا الزمان ففى سلسلة تحقيق تراث مكتبة الأزهر الشريف (3) فى جزء فى ذم المكس للحافظ جلال الدين السيوطى والذى حققه أبى يعلى البيضاوى عفا الله عنه جمع فيها أحاديث و آثار كثيرة فى ذم المكس و التحذير منه ؛ فتجد من الاحاديث ( لا يدخل الجنة صاحب مكس) و حديث آخر يقول: (صاحب المكس فى النار ) وحديث آخر يقول ( إذا جاءكم عشارا فقتلوه ) و آخر يقول ( لعن الله سهيلا ثلاث (مرات ) فانه كان يعشر الناس فى الأرض فمسخه الله شهابا)
و بيت شعر يقول :
أقتلا فى المكس ولاتكرث *إن حرموا ذلك أو حللوه
فإن خير الخلق أوصى بأن *إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه
ذكر العالم العلامة إبن خلدون فى كتابة المقدمة (صفحة 14) مايلى:
(أعلم انه لما كانت حقيقة التاريخ إنه خبر عن الإجتماع الإنسانى الذى هو عمران العالم ومايعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش و التآنس و العصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك و الدول و مراتبها و ما ينتحله البشر بأعمالهم و مساعيهم من الكسب و المعاش و العلوم و الصنائع و سائر مايحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال . ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبعته وله اسباب تقتضيه . فمنها التشيعات للأراء و المذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الإعتدال فى قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص و النظر حتى تتبين صدقه من كذبه و إذا خامرها تشيع للرأى أو نحلة قبلت مايوافقها من الأخبار لأول و هله وكان ذلك الميل و التشيع غطاء على عين بصيرتها عن الإنتقاد و التمحيص فتقع فى قبول الكذب و نقله .ومن الأسباب المقتضية للكذب فى الأخبار أيضا الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع الى التعديل و التجريح ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين او سمع وينقل الخبر على مافى ظنه وتخمينه فيقع فى الكذب .
ومنها توهم الصدق وهو كثير و أنما يجئ فى الأكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما بداخلها من التلبيس و التصنع فينقلها المخبر كما رأها و هى بالتصنع على غير الحق فى نفسه ومنها تقرب الناس فى الأكثر لأصحاب التجلة و المراتب بالثناء و المدح و تحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الأخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء و الناس متطلعون الى الدنيا واسبابها من جاه أو ثروة وليسوا فى الأكثر براغبين فى الفضائل و لا متنافسين عليها ) وذكرت هذا الكلام الطيب لهذا العالم الجليل وذلك لتوضيح بأن كثيرا ما يقع بعض الأخوة فى خطأ جسيم وينقلون الخبر دون تمحيص دقيق مسبق حيث يؤكدون بأن الجمارك و الضرائب ليست مكوس و إذا لم تكن مكوس فماهى المكوس إذن ؟؟؟ و قد ذكر رب العزة و الجلال ذلك فى القرآن الكريم فى سورة النساء الأية 29 و الأية 30(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً (30) فهل يا ترى الجمارك و الضرائب يدفعها الإنسان وهو راضى ؟!!! فى تقديرى كلا وألف كلا و النص واضح و ضوح الشمس .
كما ذكر هذا العالم العلامة بأن التاريخ علم إجتماع فأيضا الإقتصاد علم إجتماع يتبادل فيه الناس المنافع فيما بينهم لإشباع حاجياتهم المختلفة وكل إنسان يعمل عملا مفيدا يشبع حاجة من حاجيات الناس بالذهن أو العضل فذلك يدفع بعجلة الإقتصاد الى الأمام ويكون سببا فى إعمار الأرض والبشر.
وكل وزراء إقتصادنا منذ الإستقلال و حتى الأن لديهم خبر يتناقلونه بالوراثة بدون أدنى عمق فى التفكير أو التمحيص بأن الجمارك هى أكبر داعم للإقتصاد الوطنى إذ هى تمثل 40% من إيرادات الدولة !!! ويشيد بلأداة و تحقيق الربط المقدر !!كما هى خط أحمر يمنع مجرد التفكير عن ماهيتها فإذا قابلك أحد المسئولين النافذين فى فرح أو كره ودار نقاش عن الجمارك أو الضرائب فالويل لك إذا قلت بأن الجمارك و الضرائب هى المكوس وسرعان ما يستخف برأيك و لا يصبر عليك لتوضيح الأمر وربما أخرجك من الملة و كفرك و يسألك سؤالا و لا ينتظر الإجابه من أين للدولة أن تجد الأموال لتصريف شئونها ؟ و إذا إنتظر وسمع جزء من الحلول سرعان ما يحبطك و يقول لك إنها نظريات و يعتذر و يغادر و يقول لك لديه موعد هام وربما نلتقى و نتناقش مرة آخرى !!!
قبل عام تقريبا و انا بالمملكة العربية السعودية لا أذكر بالضبط التاريخ ؛ شاهدت الأستاذ / أحمد البلال الطيب يستضيف فى برنامجه فى الواجهه السيد/ نائب محافظ بنك السودان السابق و وزير المالية الحالى الأستاذ/ بدرالدين محمود و سأله الأستاذ/أحمد بإسلوبه الفريد وقال له : (إنتو عاوزين تزودوا الناس مرتباتهم حتجيبوا قروش من وين ؟؟!!) فكر الأستاذ /
و أجاب و الله مافى طريقة إلا نزود الجمارك أو الضرائب !!!!! تماما مثل حكاية ساقية جحا تأخذ من البحر و تصب فى البحر !! هذا الخبر وهذا الطريق الذى يسلكه قادة العمل الإقتصادى هو سبب ضياع هوية الإقتصاد السودانى من خطة لآخرى مرة ثلاثية ومرة خماسية و الحال ياهو نفس الحال و فى جواي صدى الذكرى!!!! وربما يحضر أحدهم فى المستقبل القريب و يغير الخطة لاربعة إثنين أربعة !!!
سبق وفى مقال سابق قبل رفع الدعم عن المحروقات أرسلت رسالة مستعجلة جدا جدا عبر صحيفة الراكوبة أناشد فيها السيد الوزير الأسبق /على محمود بأن رفع الدعم لا يعالج المشكلة الإقتصادية فى السودان و إنما يزيد الأزمة تأزما ولكنه أصر على رأيه مع أركان حربه الميامين و صرح بأنه يعالج المشكلة الإقتصادية بطريقة علاج الملاريا بمنح المريض راجمات ترجمة على السرير و من ثم يبدأ يتعافى فهل ياترى لو سألوه اليوم بعد مرور عام كامل على أخذ هذه الراجمات هل تحسن الإقتصاد درجة واحدة فقط فى العافية ، أخشى أن تكون هذه الراجمات راجمات مزورة يكرر لنا الدكتور البديل الأستاذ بدر الدين محمود نفس العلاج بنفس الطريقة عبر شركة آخرى!!!!
المشكلة الحقيقية للإقتصاد السوداتى فيما يسمى بعائد الصادر و الأشياء التى تعيق التجارة كالجمارك و الضرائب وكثرة الجبايات التى تجبر رأس المال على الهروب و التهرب و من ثم إفساد موظفى الدولة مستقلين حوجتهم فى إشباع حاجياتهم .!!!
ماهو الضرر الذى يصيب الناس ويصيب الإقتصاد السودانى فى مقتل جراء هذه الجمارك ؟!!
1/ الجمارك هى نوع من أنواع أكل أموال الناس بالباطل فهى مكوس يمنعنا ديننا الحنيف من ذلك فى الأية الكريمة فى سورة النساء كما ذكرنا سابقا.
2/الجمارك هى بخس و نقص لحاجيات الناس وغصبا للاموال دون رضى .
3/الجمارك تزيد من التضخم و تزيد معاناة الناس فى معاشهم ,
4/ التاجر أو المورد يعمل كموظف متحصل لدى الدولة يسترد اموال هذه الجباية من المواطن نيابة عن الحكومة مما يعنى بأن هذه الدولة تعتمد فى إقتصادها على المواطن و ليس على التاجر والذى هو أصلا لا يملك شيئا فكيف عليه أن يقوم إقتصاد دولة ؟
5/ الجمارك تعيق الحركة التجارية و التى هى الهيكل العظمى للإقتصاد و يتضرر التاجر ضررا بليغا جراء إرتفاع اسعار البضاعة وذلك يقلل من مبيعاته وحركة دوران رأس ماله.
6/الضرر يصيب البنوك من جراء ضعف حركة الأموال .
7/الضرر يصيب السكة حديد و الخطوط الجوية و البحرية لضعف قوة الحركة التجارية و الضرر يصيب المصانع و المزارع المنتجة جراء إرتفاع الجمارك و رسوم الإنتاج و التكلفة العالية للإنتاج!!!
8/الجمارك تحفز عمليات التهريب وكلما زادت الجمارك كلما زاد تهريب البضائع فيستفيد الأشخاص ولا تستفيد الدولة منهم فلسا فيلحق ذلك الضرر بأجهزة الدولة المختلفة من رشوة و محسوبية و يختلط الحابل بالنابل ويخرج رأس المال العامل فى التهريب من الدورة الإقتصادية للدولة ويتصايح الناس بأن هناك فساد!!!.
9/ موظف الدولة إذا كان فى الجمارك أو الضرائب أو الشرطة أو الجيش أو أى مرفق حكومى فهو مواطن يتأثر بغلاء الأسعار ولا يستطيع إشباع حاجياته بسبب الجباية الجمركية و الضريبية مما يجعله عرضة لمرض الفساد.
10/ والتهريب ؛ و التى كانت الجمارك سببا فيه يحفز تجارة العملات ويمنع إستقرار سعر صرف الجنيه السودانى .
11/التأثير يتفاقم و يبلغ المدى بسسب هذه الجمارك و يهزم رأس المال المحلى و الأجنبى و تفشل كل محاولات التنمية و الإستثمار بسبب تآكل رأس المال الذى يتسبب فيه عدم إستقرار سعر صرف الجنيه السودانى و الذى كما ذكرنا يتسبب فيه التهريب (وإذا حاول أشطر وزير للمالية أو الإستثمار فى إستقطاب رءوس أموال خارجية سوف ينهزم رأس المال المستقطب و يتآكل بسبب نشاط النهريب الذى يمنع إستقرار العملة.!!!!
12/ بسبب هروب رأس المال تعطلت الزراعة و الصناعة ومن ثم كثر عدد العاطلين عن العمل .
13/ كثرة عدد العاطلين عن العمل من خريجين و عمال و خلافه أججت الصراع والحرب فى أنحاء السودان المختلفة بسبب الإحباط الذى اصاب الناس وصارت الحرب عمل من لا عمل له.
14/ لو يضخ بنك السودان يوميا عملات صعبة عبر الصرافات لن تحل المشكلة سوف تذهب هذه المبالع وتتسرب بشتى الطرق لتجاروتجارة العملة و من ثم تجارة التهريب .
15/ أموال الجمارك و الضرائب اموال لاتنبع عن إنتاج حقيقى وهى سبب رئيسى للتضخم و إضعاف قيمة الجنيه السودانى,
إذا كانت اموال هذه الجمارك الضخمة تحسن من الوضع الإقتصادى كما ذكر بعض الأخوة لكنا وقد أصبحنا أغنى دولة فى العالم وحقيقة أننا أغتى دولة قى العالم من حيث الموارد التى لم تتفجر بعد. قد يختلف المناخ الإقتصادي من دولة لآخرى و أيضا تختلف رسم السياسات الإقتصادية و نعلم جيدا فى أمريكا و كل دول العالم الأول لديهم جمارك و ضرائب فالجمارك هناك حماية لمنتجاتهم المحلية و هم ينتجون هتاك كل السلع و مكتفون ذاتيا ولا يريدون شيئا من الخارج إلا وفق إحتياجاتهم القليلة من المواد الخام فامريكا تمنع إستيراد أى سلع سودانية عدا الصمغ العربى و الأن الصمغ العربى متوفر عبر دول الجوار !!!
وإن شاءالله فى المقال القادم سوف اوضح كيف أن الضرائب تؤثر على الإنتاج وإضعاف الجنيه السودانى .
أسأل الله أن يهدى قادتنا وولاة أمورنا فى السعى الدؤوب للعمل على إشباع حاجيات الناس وأن يتعمقوا فى التفكير فى هيكلة الإقتصاد السودانى من إقتصاد يقوم على الجبايات الى إقتصاد يقوم على الإنتاج.
كما أسأل الله أن يردنا إليه ردا جميلا .
تقديم
عبدالمنعم على التوم على
[email protected].
[email protected]

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2232

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1097105 [مغبونه]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2014 01:11 PM
والظاهر موظفين الجمارك ماهيتهم برااااها زارناأحدهم فى بريطانيا لشراء منزل قبل عدة سنوات ومعه مبلغ يفوق ال100000 استرلينى


#1096968 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

09-04-2014 10:35 AM
مقال في الصميم

أعتقد انه للاسف الشديد أن معظم الاقتصاديين في السودان من الكسالى , فالملاحظ ان موظف الدولة في السودان - الا من رحم الله - يعمل على فرض الجبايات من رسوم و ضرائب و جمارك و دمغات من دون ان يفكر في معقولية او مناسبة قيمة هذه الجبايات للخدمة المقدمة او لوضع المواطن المسكين
و هذه الحقيقة كانت اكبر معين للكيزان في فسادهم الاقتصادي و نهبهم لاموال الدولة بما في ذلك مليارات البترول لمدة عشر سنوات


#1096397 [المعز]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 02:47 PM
وما حكم الموظف الذى يعمل على تحصيل الضرائب


#1096386 [صلاح عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 02:31 PM
مشـــــــــــــــــــــــكور جدا علي هذا المقال القيم
اتمني ان تواصل في هذا الموضوع لان لي صديق بيعمل في الدكتوره في نفس المجال
مع ايراد ارقام توضح العلاقة بين النقاط التي سردتها وبين الجمارك من جهة والضرائب من جهة اخري ولعدد من السنوات
الخطير في الموضع نسبة الربع التي تذهب الي المتحصلين
وهم اصبحوا دولة ولهم مصالح مع استمرار النظام الذي لا يعطيهم رواتب تكفي وتارك لهم الحبل علي القارب --- لاكل اموال الناس بالباطل
يجب ان يعلم الجميع بان اموال المحليات والضرائب والجمارك وكل الرسوم التي يتم تحصيلها من المواطنين ستجمعهم يوم القيامة في نار جهنم مع من شرع لهم واذن لهم باخذها من الغلابة .


عبدالمنعم على التوم على
مساحة اعلانية
تقييم
8.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة