المقالات
السياسة
نحو إستراتيجية أشمل للحراك الطلابى فى السودان
نحو إستراتيجية أشمل للحراك الطلابى فى السودان
09-10-2014 11:32 PM

فى الذكرى الأولى لانتفاضة سبتمبر ٢٠١٣:
نحو إستراتيجية أشمل للحراك الطلابى فى السودان
تمهيد:
فى نوفمبر ۲۰۱۲ قدمت دراسة بعنوان (نحو إستراتيجية أشمل للحراك الطلابى فى السودان: القطاع الثالث وإمكانية الانتقال إلى الحراك الاجتماعى) للمنتدى البيئى للجمعية السودانية لحماية البيئة وكانت امتداداً۫ لبحث باللغة الإنجليزية عن (تصاعد وانحسار الحراك السياسى الطلابى فى السودان) قدمته فى مؤتمر فى ديسمبر ٢٠٠٩. وفى الذكرى الاولى لانتفاضة وشهداء سبتمبر رأيت نٙشرهذه الدراسة بشكل مختصر قدر الامكان وعلى نطاق اوسع لعدة اسباب. اولا، ان الدراسة اثارت بعض الجدل عند مناقشتها فى المنتدى فقد رأى البعض فيها دعوة انصرافية للتخلى عن الحراك السياسى من اجل حراك اجتماعى لم تكتمل اركانه ولا ندرى بعد مقدرتنا على ادارته أو تحقيقه. وهذا النقد فى حد ذاته يثير تساؤلا اذا كان نفير الشباب فى خريف ٢٠١٣ قد وضع حدا لشكوكنا فى مقدرة الشباب فى تنظيم حراك مجتمعى وسياسى فاعل أو أن النفير كان حدثا عابرا وفلتة زمنية يصعب أو يستحيل تكراره لمقدرة قوة السلطة الغاشمة على اجهاضه، كما فسر البعض غيابه خريف هذا العام؟ ثانيا، ان بعض الشباب فى الندوة احتجوا حينها ان (الكبار) من الحضور لم يتركوا لهم فرصة التعليق على ورقة مضمونها يخصهم هم اكثر من غيرهم. وقد قامت الجمعية مشكورة (بمبادرة كريمة من رئيس جلسة المنتدى استاذنا ابراهيم منعم منصور) بتخصيص جلسة لاحقة للشباب دفع بعضهم فيها بآراء جريئة وانتقادات موضوعية. ثالثا، ستُنشر هذه الدراسة فى صورتها المتكاملة والنهائية فى اصدارة خاصة لمجلة علمية بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر وأردت الاستفادة من اراء وتعليقات الشباب علها تثرى الحوار وتنير بعض جوانب النفق المظلم، خاصة من اؤلئك الذين هبوا للتصدى لكوارث خريف ٢٠١٣ والذين دفعوا عربون تضحياتهم سجنا وتعذيبا وملاحقة فى انتفاضة سيتمبر.

ركز المحور الأساس للبحث الأول على المراحل التاريخية التى مرت بها حركة الطلاب السودانية بٙدأﹰ بمناهضة الاستعمار منذ أربعينات القرن الماضى، مروراﹰ بعصرها الذهبى الذى توجته بقيادة ثورة اكتوبر ۱۹٦٤ ثم بداية الانحدار ببروز ظاهرة العنف وسط الطلاب وتزايد وتيرة القمع الأمنى إلى أن جاءت الطامة الكبرى فى عام ۱۹۹۰ فى شكل "ثورة التعليم العالى" لتضع الحراك السياسى للطلاب فى محنة بإخضاع كل مراحل التعليم لأهداف واستراتيجيات سياسية محددة سلفاﹰ لعل من أهمها احتواء أو تحجيم النشاط الطلابى السياسى وفرض نظام من القيم التى تنحو تجاه مصادرة حرية الفكر وتشجيع التبعية العقائدية وكبت المبادرات الفردية. وقد استبان هذا فى التدنى المضطرد لنوعية ومستوى التعليم فى كل مراحله ومستوياته.
القطاع الثالث ومجالات الحراك الإجتماعى
وتبدأ هذه الدراسة حيث انتهى البحث الاول بالنظر فى امكانية توجه النشاط السياسى (political activism) نحو الحراك الاجتماعى (social activism) الذى يدور داخل المجتمع المدنى بل هو جزء لا يتجزأ منه. وهذا التوجه غاية فى حد ذاته ووسيلة فى آن لتفعيل حراك سياسى تسنده وتشد من أزره قطاعات مجتمعية قد يلعب الحراك الإجتماعى دوراﹰ أساسياﹰ فى كسب تعاطفها ومسنادتها. إن المحور الرئيس لهذه الدراسة ذو شقين: الأول يتعلق بالمكون المجتمعى بمعنى دراسة إمكانية النقلة من دور الطلاب السياسى إلى الحراك الإجتماعى وجاهزية القطاع الثالث، (بالمعنى الأكثر شمولاﹰ للمجتمع المدنى)، للمساعدة فى دعم مثل هذا التوجه. والشق الثانى يتعلق بالمكون التعليمى، فالنقلة من الحراك السياسى إلى الإجتماعى لا يمكن أن تتم فى غياب الثقافة التعليمية اللازمة. وفى الوقت الراهن فإن القليل من مؤسسات التعليم العالى تُعنٙى بتعليم التواصل مع المجتمع المحلى (community outreach). ويمكن الاستفادة من التجربة الرائدة لجامعة الأحفاد للبنات فى هذا المجال وكذلك الإحتذاء بانماط من التعليم العالى الأمريكي عند التفكيرمستقبلاﹰ فى إصلاح ما افسده التوسع الجامعى العشوائى، كتحويل بعض الجامعات الهامشية لكليات مجتمعية (community colleges).
إن المجتمع المدنى والأُنظومات غير الحكومية (NGOs) أصبحت تعتبر فى مجملها، وبصورة متزايدة، المكون الأساس لما سمى بالقطاع الثالث والذى له أبعاد أفقية ورأسية فى علاقاته مع القطاعات الأخرى وفى وضعه بينها (فهو راسيا يقع بين المجتمع الطبيعى والسياسى وأفقيا بين القطاعيين العام والخاص). ورغم أن الحدود الفاصلة بين مختلف القطاعات غالباﹰ ما تكون مبهمة وغير واضحة المعالم فإن ثّمّة مساحات رمادية متنقلة بين القطاعات قد تتسم بدرجات متفاوته من التعاون أوالتعارض، ومن تطابق المصالح أو تباعدها.
إن عدداﹰ من الفاعلين فى منظمات المجتمع المدنى يحتلون هذا الفضاء المجتمعى المحلى حالياﹰ وهذا التواجد المحدود نسبيا يتم رغما من الصعوبات والتحديات التى ظلت تواجهه فى حين أنه فى الأنظمة الديمقراطية تعمل مكونات المجتمع المدنى من المنظمات الدعوية فى حرية بل هى فى الواقع جزء لا يتجزأ من النسيج الديمقراطى للمجتمع ككل بمعنى "أن تكوينات المجتمع المدنى هى افضل قنوات المشاركة الشعبية فى الحكم" اما فى النظام الراهن، شأنه شأن كل الأنظمة الشمولية، فقد تم تأميم النقابات العمالية والمهنية لتصبح من روافد السلطة والحزب الحاكم. كما أن أحزاب المعارضة التقليدية، بإفلاسها السياسى وتشتتها، فقد جرى ترويضها بسياسات الترغيب والترهيب، مما ترك العمل فى ساحة القطاع الثالث محصوراﹰ فى بعض منظمات المجتمع المدنى الطوعية التى تحاول ملء الفراغات التى تغيب عنها الدولة ولكن عليها أن تسير على حبل رفيع تحاول فيه المحافظة على استقلاليتها من ناحية وتفادى الاحتكاك مع سلطات لاتتفهم كثيراﹰ طبيعة العمل الطوعى وعادة ما تتعامل معه من منظور أمنى. وعلى خلاف ذلك فإن المنظمات الطوعية الإسلامية تتمتع بكل الميزات التى توفرها الدولة من مِنح المصارف الإسلامية والأعمال التجارية إلى التمويل غير المباشر من خلال الاعفاءات الجمركية والضريبية ودعم المنظمات الاسلامية العالمية.
لعل هذا يفسر لحد كبير إزدواجية تعامل السلطات مع المنظمات الموالية للنظام والمنظمات المستقلة وهى ازدواجية تنسجم مع استراتيجية النظام العامة للاقصاء والاستحواذ. وهكذا بدﱠل النظام قانون مفوضية الإغاثة وإعادة البناء لعام ۱۹۸٦ بقانون مفوضية العون الإنسانى لعام ۱۹۹۹ من أجل استبعاد البعد السياسى من العمل الاجتماعى والطوعى. ويبدو أن الدور الأساسى لهذه المفوضية أن تكون مٙقٙاصّة أمنية للمتقدمين للعمل الطوعى وقطع الطريق أمام من لا يتمتعون بالمؤهلات المبرئة للذمة (إسلامية كانت أو أمنية) .
إنه من الواضح أن حال الأنظومات غير الحكومية فى الوقت الراهن ما زال بعيداﹰ عن الأوضاع المثُلى المفُضية إلى تحقيق الاهداف الاجتماعية من ترقية الوضع القانونى الذى يوفر بيئة تحمى النشاط الطوعى، والتركيز على الديمقراطية والنزاهة والشفافية كآلية للعمل فى القطاع الثالث مع تعزيز القيم التعليمية التى تٙحضً على المشاركة الفاعلة والمستدامة. ومن هنا فقد يكون للتساؤل عن غياب أو تقاعس المجتمع المدنى له ما يبرره بشكل عام ولكنه فى نفس الوقت يجنح إلى التقليل من مساهمات ونجاحات بعض مؤسسات القطاع الثالث. فأى مساهمات ونشاطات للمجتمع المدنى، تحت الظروف القاسية التى يعيشها السودان، حتى لو كانت قاصرة أو متواضعة أو لم تؤتِ ثمارها بعد، فهى فى نهاية الأمر تمثل توجهاﹰ نحو ما هو أفضل. كما أن الدور المجتمعى الذى تؤديه، ويمكن أن تساهم أكثر فى تجويده، بعض منظمات المجتمع المدنى هو الأكثر قرباﹰ للمناخ الملائم لنقلة النشاط السياسى إلى الحراك الإجتماعى.
هنالك فرضية فى علم السياسة تقول إن كل السياسة محلية المصدر (“all politics are local”) بمعنى أن الهم ألاساس للعمل السياسي فى المجتمعات الديمقراطية هو التعرف على احتياجات وتطلعات الناخبين فى الدائرته الانتخابية المعنية والتجاوب معها. وهذه الفرضية تنطبق أيضاﹰ على النشاطات المجتمعية التى هى حقيقةﹰ المحور الذى تدور حوله اهتمامات أى دائرة سياسية. فالتحدى إذن هو كيفية تنشيط الحراك الطلابى بتوجيهه محلياﹰ إلى جذور الدائرة الكبرى للمجتمع المدنى والتى هى تحديداﹰ المكون الأساس للحراك الاجتماعى. إن ارتباط الطلاب بمجتمعاتهم المحلية لا يعنى إعادة تعريف دور الحراك الطلابى بقدر ما يعنى تحويل مساره نحو ما يمكن أن نسميه المرجع النهائى لكل السياسات، فهناك ارتباط عضوى بين الحراك السياسى والاجتماعى فهما وجهان لعملة واحدة. وحقيقة فإن الحراك الاجتماعى فى جوهره وأساسه عمل سياسى. فمنظمات المجتمع المدنى هى "جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطى العام إن وجد فعلا، وجزء لايتجزأ من الشروط اللازمة لوجود هذا النظام وصلاحه، أو التمهيد لنشأته إن لم يكن موجودا بالفعل".
إن المشاركة فى الأنشطة المحلية تهدف إلى بناء المعارضة ليس فقط بمعنى الاحتجاج والمواجهه ولكن أيضاﹰ بمعنى خلق فرص ديمقراطية يتمكن الناس من خلالها التعرف على قوتهم الجماعية ومقدراتهم التضامنية. ففى أنشطة المجتمع المحلى توجد العديد من الممارسات التى قد لا تبدو معارِضة مباشرة للسلطة ولكنها تثير تساؤلات عن علاقات القوة فى المجتمع أو تقدم رؤى بديلة لنقل سلطات لقطاعات لا تمتلكها. بمعنى اّخر، هى تتيح فرصاﹰ سياسية يمكن أن تؤدى إلى مشاركة ديمقراطية مباشرة (direct participatory democracy) تمكن للعمل الجماعى أن يمارس ضغوطاﹰ للاستجابة لمطالبه من المستويات المختلفة للسلطة. ولكن دور القطاع الثالث يتجاوز إمكانية التحول الديموقراطى ليمتد للتنمية الاقتصادية. يقول أحد علماء الاجتماع "أن معدلات التنمية الاقتصادية قد ارتبطت ارتباطاﹰ وثيقاﹰ برأس المال الاجتماعى (social capital) أى بقوة المجتمع المدنى. فمنظمات المجتمع المدنى تمنح أعضاءها مجموعة كبيرة من المهارات، وشبكة واسعة من الاتصلات، تتيح لهم فرصاﹰ عديدة لبدء المشروعات الاقتصادية، من مختلف الأحجام والنجاح فى إدارتها والتغلب على المشكلات التى تواجهها".
فإذا كان الهدف هو إحداث التغيير الاجتماعى فإن الحراك والعمل فى مجالات البنية التحتية للمجتمع يمثل تحدياﹰ أكبر من النشاط السياسى المحدود قطاعيا أو مطلبيا، فهو جهد ذو عائد ملموس سواء أكان ذلك بالمشاركة فى حملة تشجير أوالتصدى لكارثة طبيعية أو المساهمة فى برامج تعليمية أو الريادة فى التعبئة لمقاومة تغول على ميدان عام، على سبيل المثال لا الحصر. من شأن هذه النشاطات أن تغذى الشعور بالمسئولية الوطنية والوعى الثقافى كما من شأنها ترسيخ مفاهيم التكافل المجتمعى والتفاؤل الجماعى بطريقة علها تفتح الاؔفاق لحراك سياسى طلابى أكثر طموحاﹰ وأقوى تفاعلا وبالتالى أوفر نجاحاﹰ.
ومما لا شك فيه أن ضعف التجاوب أو التفاعل الشعبى قد أصاب الحراك السياسى الطلابى بكثير من الاحباط والاستياء. ولكن ماذا يكون موقف قطاعات المجتمع المختلفة وهم يرون الطلاب الذين يتصدون للحراك السياسى ويتعرضون لآلة القمع الأمنى هم أنفسهم الذين دفعوا فاتورة العمل المجتمعى بالمساهمة بطريقة أو بأخرى فى خدمة مجتمعهم المحلى؟ عندها قد يصبح التردد بسبب البديل الذى يخشى الكثيرون من تكراره غير ذى موضوع لأن الشباب الذى عرك العمل الاجتماعى والسياسى وعانى بسببه سيصبح من العسير أن تنسحب عليه نفس الخيارت التقليدية التى أتت فى أعقاب ثورتى أكتوبر ۱۹٦٤ وأبريل ١۹۸٥.
تداخل قوى القطاع الثالث وتفعيل الحراك:
وبالرغم من السلبيات الهائلة لسياسات التعليم العالى والضغوط الهائلة التى وضعتها على كاهل الطلاب وحال القنوط والاحباط الذى ولدته، فضلاﹰ عن تدنى مستوى و نوعية التعليم، فلا يزال هناك مجال للتفاؤل بإمكانية حراك طلابى يفضى إلى الحراك الاجتماعى المنشود. فثمة قوىٔ تتداخل و تتفاعل ربما تجعل من احتمال تفعيل هذا الحراك أمرا ممكناﹰ. فإزدياد المنظومات غير الحكومية عالمياﹰ واقليمياﹰ وقومياﹰ وتنامى التواصل بينها عبر الحدود يشكل ضغوطاﹰ لقبول نسبى بدورها المتنامى من قِبل الدولة. وفى نفس الوقت، وبغض النظر عن المسألة الخلافية فى أن هذا الانتشار تزامن صدفةﹰ مع سياسات العولمة أو أنه جاء كٙمٙصلٍ لعلاج بعض آثارها السالبة، فمن الواضح أن ثورة المعلومات التى لازمت العولمة، قد فتحت مجالات المعرفة والتكنلوجيا للكثيرين مما يجعل مقدرة الانظمة الاستبدادية على المستوى المحلى أشد صعوبة فى كبت التحركات والمبادرات للتنظيم الجماعى. كما أن شبكات المنظمات الطوعية توفر الموارد والنموذج لانشاء أُنُظومات جديدة وتساعد فى استدامتها. وعندما ينضج الحراك الاجتماعى فإنه من غير المستبعد أن الصلات التى أقُيمت مع المنظمات غير الحكومية فى المرحلة التأسيسية سترقى إلى مثل مكانة الشراكة التى ٙرتٙقٙت النشاط الطلابى السياسى إلى النقابات العمالية والمهنية إبان النضال فى عهود سالفة.
ومن ناحية اخرى لعله من المفارقة أن ُفرصاﹰ وفتحاﹰ فى مجال النشاط الطلابى قد تكون وفرتها – عن غير قصد - بعض أوجه سياسات ثورة التعليم العالى. فالجامعات الجديدة فى أقاليم البلاد واطرافها تُقٗرب الطلاب إلى محلياتهم وتجعل من النشاط المحلى أمراﹰ أقل تعقيداﹰ من ناحية تنظيمية وأشد إلحاحاﹰ وأكبر عائداﹰ للناشطين ولمجتمعهم. وحتى الإعسار المالى المتصل بسكن ومواصلات الطلاب فى الجامعات فى الحضر، وفصل الشأن الأكاديمى عن غيره من القضايا والمناشط التى تحدث فى الحرم الجامعى، يمكن أن يخدم هدفاﹰ تربوياﹰ إذا قرّب الطلاب من المجتمع وشحذ إحساسهم بالأوضاع التى يعيشها السواد الأعظم من الناس. ثم إن النسبة العالية للبطالة وسط خريجى الجامعات، بسسب التوسع الكمى، نتج عنها طاقات ومقدرات مهدرة يمكن أن تُوظف فى خدمة مشروعات مجتمعية وفى نفس الوقت تساعد على حل النقص فى الكوادر الطوعية الذى تعانى منه معظم المنظمات المحلية. كما أن النزوح الهائل الذى يحدث نتيجة للقمع الدموى والاقتتال فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق يشكل دافعاﹰ قوياﹰ للحراك الاجتماعى خاصة من قِبل طلاب المناطق المنكوبة. كما ان سياسات النظام الرعناء وفساده المتفشى فى كل المجالات من شأنه ان يدفع اكثر الناس صبرا واستكانة الى صيحة "كفاية!" وليس هناك ما هو اكثر تعبيرا لما يموج فى أفئدة الشباب من كلمة "قرفنا". وفى مفارقة تبعث على التفاؤل فان هؤلاء الشباب ولدوا أو نشأوا تحت حكم الانقاذ ولم يعرفوا غيره.
وأخيراﹰ، فإن أهل الاطراف هم تقليدياﹰ مصادر لبعض الممارسات التى تبدو بدائية بمفهومنا العصرى ولكنها تُنبىء عن طاقة خلاقة وإبداع فطرى. ففكرة "النفير" مثلاﹰ فيها مغازِ إشتركية قد تكون بسيطة هيكلياﹰ ولكنها تحمل معانى التضامن الجماعى فى ابسط واعمق صوره. ورغم ما يبدوعلي مثل هذا الابداع من بساطة لا تخلو من رومانسية، فمن شأنه أن يشحذ الهمم عند التصدى لمشاكل التغييرالمعقدة: إبتداع الحلول وإستلهام الابتكار. جاء ʼنفيرʻ الشباب فى خريف ٢٠١٣ ليؤكد تأصل هذا المفهوم فى الوجدان السودانى فى تصديه لكارثة السيول والفيضانات وقد كان مثالا رائعا لحراك جماعى بمبادرة فريدة لم تأتِ من منظمة أو حزب سياسى أو تنظيم حكومى أو وكالة اغاثة اقليمية أو دولية ولكن من مجموعة من الشباب والأصدقاء وظفوا التكنولوجيا الحديثة للتواصل والتفاكر والتخطيط لبعث وتحديث ارث النفير فى العرف التواصلى والعمل الطوعى فى السودان. وكما وصف احد الصحفيين جهود الأفواج التي تدافعت للمساعدة فى مناطق الوحل والطين: "شكراً للأمطار، بهؤلاء - وغيرهم كثر - لاخوف على بلادنا وتغيير واقعها البائس.. فالذي ينقذ المواطن من الموت غرقاً أو جوعاً، لن يعجز عن إنقاذ الوطن!". ورغم فشل الحكومة فى اجهاض الحملة بوضع العراقيل امامها ٳلا انها رصدت بالتأكيد الابعاد السياسية والامنية لذلك الحراك. وعندما تفجرت انتفاضة سبنمبر نشطت السلطات فى تفعيل سياسة القهر والعنف فاغتالت بخسة وجبن اكثر من مائتى شهيد واعتقلت وعذبت الألاف فى محاولة لتفادى حراك وتحدى اصبح تفعيله ليس ممكنا فحسبﹰ بل راجحاﹰ وربما فى نهاية المطاف حتماﹰ مقضياﹰ. وفى خاتمة الامر فإن الحراك الاجتماعى ينطوى على عمل طوعى بطبيعته وينبغى أن ينطلق بٙدأﹰ من ضمير الطالب الفرد وقناعاته الذاتية. ولكن ثٙمٙة تفاؤل بأن ذات الروح التى ولدت الحراك السياسى الطلابى فى الماضى لا يمكن كبتها الى ما لا نهاية. وان كل تحرك نحو اشراك الشباب وإحداث قدر من التغيير وإن يكُ محدوداﹰ فإنه يأتى بمناخ من المؤكد أن ينمو فيه الحراك الطلابى و يزدهر.
القاهرة ١٠ سبتمبر ٢٠١٤

محمد بشير حامد
www.mbhamid.com

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 680

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1102574 [المتجهجه بسبب الانفصال]
1.00/5 (1 صوت)

09-11-2014 08:39 AM
بارك الله فيك دكتور محمد بشير حامد،، هذا طرح ذو مردود بعيد المدى،، فالواقع وانت الشاهد على ذلك كوزير للثقافة في الفترة الانتقالية أنه لو كانت المنظمات المجتمعية والاهلية في كافة الانشطة حاضرة على مستوى الحي والقرية والمدينة بعيدا عن تنميطها لصالح الحزبية فان في ذلك أكبر عامل للحفاظ على الديمقراطية وحقوق الانسان لأن الفرد يكون حاضراً وواعيا ومتابعا لما يدور سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي وغيره من المجالات بالتالي يكون كل فرد وسيلة ضغط واعية يخشاها الساسة فلا يمكنهم الرعي بقيدهم ،،، هذه أعظم فكرة لصالح السودان الباقي لو كانوا يسمعون كلام العقلاء أمثالكم،،،


محمد بشير حامد
محمد بشير حامد

مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة