الذين لا تؤذن ديوكهم للفجر الصادق
09-13-2014 10:45 PM

مقطع روائى
على حمد ابراهيم
(الذين لا تؤذن ديوكهم للفجر الصادق)


*** يعوى مكبر الصوت فى الطائر الفخيم يحمل صوت المضيفة الرخيم ينوب عن الكابتن فى تبليغ التهنئة للمسافرين معه بسلامة الوصول الى المدينة الاكبر فى عالم المدن قاطبة ، مصحوبا بتمنياته أن يراهم مسافرين معه فى مرات قادمة . تحية و تمنيات روتينية لا يحس فيها المتلقى بحميمية صادقة . كم عدد المرات التى كررت فيها المضيفات الجميلات باصواتهن الرخيمة مثل هذه الامنيات الزائفة على اسماع المسافرين منذ صنع الاذكياء من البشر وسيلة الطيران فى الفضاء . وصنعوا لها بالتزامن هذه التزويقات اللغوية الناعمة من باب التظرف المصنوع . لابد أنها الوف كثيرة من المرات . أو قل عشرات الملايين منها . يهمه من الأمر انه وصل المدينة التى تبهر العالم بضخامتها وعنفوانها المتجدد وألقها غير المتناهى . يكفيها أنها قدمت للعالم المنفلتين فى كل ضروب الابداع الانسانى ، وجملتهم ، بما فى ذلك اساطير حى هارلم التى لا تخضع لنواميس العد و الحساب . دشّ فى المدينة التى لا تعرف النوم ، و هو سكران لط من النعاس . فتح عينيه المتعبتين برهق شديد . اخذه الاندهاش و هو يحدق فى قسماتها المدهشة . واصل النظر بانبهار . تكاد الجلبة تشرط صميم اسماعه . هذا عالم غير . هؤلاء اناس غير . صباحهم و مساؤهم غير . عالم لا يشبه عوالمه فى البوادى عموم . تحديدا لا يشبه عوالم دار محارب عموم . ولا تشبه ارضه الارض التى اطلق فيها صرخة ميلاده الاولى فى ذلك اليوم الخريفى الراعف. بدأ إذن فصل المحنة الأول . محنة فراق الربوع البسيط اهلها ، الذين لا يعرفون الصخب . و لا التقعر فى الحديث ، أو فى الامانى الممطوطة. رحلة الحياة القصيرة يقطعونها بالعشرة النبيلة ، والتبسم المفرط فى وجه الاكدار الطارئة . ما عندهم من خير هو ملك متاح للجميع اذا الجأتهم الحاجة اليه . يعطونه عن طيب خاطر . لا يكتبون تعاملاتهم او يشهدون عليها صغيرة كانت ام صغيرة . تكفى عندهم ايماءة الرضا العام . لا يحتاجون كاتبا يكتب لهم ما يقررون . لا يعرفون طريق البنوك وهم الاثرياء الذين يشرط اسماع الامكنة خوار ثرواتهم الحيوانية ، و يخنق غبارها الفضاء اذ تغدو و تروح . هذا عالم غير . ملبسه غير . مشربه غير . وسمته غير . حتى صلوات اهله غير. ديوكه المعلوفة لا تؤذن عند الفجر الصادق كما تفعل ديوك البوادى عموم غير المعلوفة . ترك ذلك العالم وراءه وجاء الى عالم غير و فى قلبه حنين و رجاء . حنين الى ذلك الجلال . والرجاء فى أن يعود اليه ، يقتسم مع المرهقين الحزانى ما يحملون فوق كواهلهم من الضنى العام . عالمان نقيضان لا يلتقيان فى شئ . فى صباح اليوم المقدس ، صباح الجمعة بالتحديد ، شدته المفارقة . الناس فى البوادى عموم يتسابقون نحو مساجد الديرة . كل يروم مكانا فى الصف الأول ، تحسبا ليوم تشخص فيه الابصار . و الناس هنا يتسابقون نحو اماكن اللهو البرئ ، وغير البرئ. كل يروم متعة قصيرة الأجل . يومان فقط فى الاسبوع . يقضون فيها ساعات قليلة للاستراحة من وعثاء وجودهم الشاق . ابناء لحظتهم الراهنة هم . لا يهمهم من غدهم الا ما يوفرون من المال القليل الذى يطعمهم فى محال الوجبات السريعة ، يقضمونها على عجل ثلاث مرا ت فى اليوم . و اجرة السكن غير المريح ، كستبانة ضيقة على أى حال . شدته المفارقة اكثر : ناس مسرعون فى خطوهم كأنهم يلاحقون غزلان البرية الشاردة فى ديار اهله فى البوادى عموم . و اناس منهمكون ومنكبون فى اشيائهم الخاصة . الواحد منهم لا يرفع ناظريه عما يحدق فيه من اشياء . لا يحدث بعضهم بعضا . سواء أكانوا مكدسين فى الأماكن والمرافق العامة . او فى غيرها . هذا يدس عينيه فى كتب ومقروءات يحملها فى حقيبته الصغيرة التى لا تتدلى من كتفيه فى كل الاوقات . وذاك منهمك فى تلفونه الجوال ، يصطحبه معه فى حله وترحاله اكثر مما يصطحب اطفاله . خرج من هذا المنلوج الداخلى الذى تسور وجدانه منذ خرج من جوف الطائر الفخيم واندس فى هذا الطوفان البشرى المتلاطم . عاد يحدث نفسه : صارت بعيدة عنه البوادى عموم . وصاروا بعيدين عنه الناس الذين يألفهم القلب قبل العين. وصارت بعيدة عنه عائشة ، الأخت الأم ، التى جلست تربى الصغار وقد رحلت الأم قبل الأوان . لم يكن متاحا لها أن تكون فى جحفل المودعين فى المطار الشائخ فى ذلك اليوم . اكتفت بالدموع و الدعوات الحانية أن لا يكون ذلك الفراق هو الفراق الابدى الذى تتحسب منه كل نفس بشرية ، و تعرف أنه قادم . استمر فى منلوجه المكتوم : لماذا فعلت بهم الذى فعلت . يعرف أنهم لا يطلبون منه اعتذارا أو اجابة . يريحه هذا. و يعزيه . ويطمئن اليه . يكفى أنهم لا يطلبون منه اعتذارا. يعرفون أن سجيته البدوية التى نشأ عليها لم تمكنه من ممارسة الصبر على المذلة والهوان . أو أن يمتهن الانحناء طمعا فى ذهب المعز ، أو خوفا من سيفه . لملم أشياءه ، وأوراقه ، وضم اليه أهله وسار بهم فى فضاء الله الواسع بلا تدبر غير التدبر الذى يكفله الخالق للنفس البشرية التى هو خالقها ومطعمها وساقيها ، وآخذ بناصيتها . ضرب بهم نحو هذا الصقع النائى حيث لا قريب و لا أنيس . ولا معين . كان متيقنا بإن الذى خلقهم لن يضيعهم فى البرية. سيأكلون يوما و يجوعون يوما . قطعا أنهم لن يجوعوا فى كل الاوقات . ترك لهم الجمل بما حمل . واقبل نحو هذا العام المجنون الصاخب المسرع يحمل معه كرامته وعزة نفسه . ما جدوى ان تكون سفيرا ويتجهمك طفل دبلوماسى يتصور انه امتلك الدنيا فى معية القادرين وتمكن منها . أن يترك الانسان وراءه عالما زاخرا بالحياة وخميلا زاهيا ليبدأ حياة صفرية هو العقاب الاكبر الذى لا يحتمله جميع البشر . وهو القسوة المفرطة التى يقدر عليها بعض بنى البشر فى بعض الاحيان ، و لكن ليسوا كلهم جميعا . و ليس فى كل الاوقات . النفوس البشرية لا تتساوى فى الرضا العام . قطعا هى لا تتساوى فى الرضا بالاستصغار . قال لا فى البوادى عموم . وقال لا فى البلد الذى جاءه بخليط من الاحلام و الاوهام . حلم الكرامة وحلم العيش الكريم . قبض هذه وفقد الاخرى . قبض كرامته وراحة البال . وفقد راحة الجسد . رفض عروضا جذابة يسيل لها اللعاب. كانت عروضا محفّوفة بمخاطر الانزلاق الكبير . فضل سهر الليالى فى مكاتب الطرق السريعة ، يؤدى فيها عملا شاقا باجر قليل . ومخاطر كثيرة . والعمل فى مكاتب التمويل المركزى ، و فى مكاتب المؤسسات الثقافية بإجور ضئيلة ، لكنها مأمونة المظهر والجوهر. و لا ئقة فى الاطار العام . و ذات رونق أخاذ . اليها . أبى أن يتزلف منظمات الاحتيال العالمية التى تسمى نفسها منظمات العون والغوث العالمية . الذين عاشوا فى اصقاع الدياسبورا علموا وعرفوا حجم الافتراء والكذب الذى تحمله هذه الالقاب. وليس الصق بها من وصف الشاعر العربى القديم :
القاب مملكة فى غير موضعها كالهر يحاكى انتفاخا صولة الاسد


علي حمد ابراهيم
alihamadibrahim@gmail.com





تعليقات 3 | إهداء 2 | زيارات 995

خدمات المحتوى


التعليقات
#1105205 [سيف الدين خواجة]
3.00/5 (2 صوت)

09-14-2014 12:50 PM
شكرا يا سعادتك اعرفك من بداية عملك في الخارجية واخر محطة علمت بوجودك فيها جيبوتي ثم الخروج من الانقاذ خواطرك ياشيخ العرب هي حزننا المقيم لوطن مخطوف بلا كابتن ولا مضيفات الا الضجر والامة والملل لناولك الله
كنت طلبت منك ترجمة لقصيدة الدينكا عن وفاة المهدي تور السودان الكبير او ارجو ان تكب عنها في الراكوبة اخر مرة قراتها لك وانا طالب 1973بصحيفة الاضواء


ردود على سيف الدين خواجة
Egypt [على حمد ابراهيم] 09-14-2014 01:45 PM
شكرا اخى سيف الدين قرات طلبك منى اكثر من مرة . الثصيدة التى ترجمتها فى ذلك الوقت كانت عبارة عن همهمات البطل (مايين ماثيانق) احد ابناء دينكا بحر الغزال و الذى دبر اغتيال المستر سكوت مفتش مركز رمبيك . و قد اعدم بسبب ذلك وكان البطل يترنم ويهمهم بتلك الاهجوزة عن الكجور الكبير الرابض فى الشمال ويعنى به المهدى الذى سافر اليه جد البروفسور فرانسيس دينق وبايعه على الثورة والولاء . مع الاسف الشديد اثناء مصادرة منزلى مع مناول المعارضين بعد استقالتى من الخارجية فى عام 1994 ضاعت كل مقتنياتى الثمينة ومنها مصادر ثقافية وعلمية لا تقدر بثمن منها ترنيمة وهمهمات البطل مايين ماثيانق تلك الحادثة التى كمان لى نقاش مع البروفسور فرانيس حين سألته كيف اختار البطل مايين الاصطفاف مع المهدى واختار احفاده الاصطفاف مع الانفصاليين - من خان من . ساكتب ما اتذكره عن هذه الواقعة التى ضمنتها روايتى بعنوان الذين دقوا الابواب التى ضاعت ضمن ماضاع من نفائس فى المنزل المنكوب - شكرا ياسيف ومقدر متابعتك وحرصك

على حمد ابراهيم
ةةة


#1104817 [د. هشام]
0.00/5 (0 صوت)

09-14-2014 07:15 AM
"منظمات الاحتيال العالمية التى تسمى نفسها منظمات العون والغوث العالمية".... من أصدق ما قلت يا أستاذ!!


#1104679 [julgam]
5.00/5 (1 صوت)

09-13-2014 11:52 PM
(ما جدوى ان تكون سفيرا ويتجهمك طفل دبلوماسى يتصور انه امتلك الدنيا فى معية القادرين وتمكن منها)
أخى السفير شيخ العرب حياك الله وأدام شمخوك وكبرياءك وحفظك فى أكبر المدن من المذله والمهانه..ندرى مقولتك أنك أبحرت فى المجهول عندما تشدق عليك مهدى إبراهيم قائلآ أنهم عندهم دبلوماسيتهم بضراعهم دا وسيبك من الدبلومايه الإتعلمتوها فى الجامعات....هؤلاء لا يستحون ولايستقيلون ،ولو فصلوا الجنوب أو أذلوا الوطن والمواطن ،بل يجعرون ويجأرون عندما يفقدون تكليف المنصب،وعندك ابجاعوره وزير المعادن السابق


ردود على julgam
Egypt [على حمد ابراهيم] 09-14-2014 01:53 PM
شكرا الاخ جلجام - نعم ابحرت فى المجهول وتركت الجمل بما حمل وما زلنا جميعا مبحرين فى المجهول الى ان يقضى الله امرا كان مفعولا . ما انشره تحت عنوان ( الذين لا تؤذن ديوكهم لفجر الصادق هى مقدمات ومقتطفات من رواية طويلة ستصدر قريبا باذن الله - عظيم التقدير والامتنان

على حمد ابراهيم


علي حمد ابراهيم
علي حمد ابراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة