المقالات
السياسة
ريموند آرون فيلسوف وعالم إجتماع وصحفي أفيون المثقفيين
ريموند آرون فيلسوف وعالم إجتماع وصحفي أفيون المثقفيين
09-18-2014 12:36 AM


قد قيل في حقه أنه المثقف الذي لم ينخدع. رغم أن السخرية قد نالت منه قدرا كبيرا حينما شاع بين المثقفيين الفرنسيين اليساريين "من الأفضل أن أكون علي خطاء مع سارتر بدلا من أن أكون على صواب مع ريموند آرون." أيام كانت مسالة الإلتزام الأدبي وسيطرة سارتر علي المشهد السياسي. حينها قال سارتر مقولته الشهيرة "كل من ليس مع الحزب الشيوعي أو المعسكر الإشتراكي فهو كلب" لم يكن من الكبار على الضفة الأخرى إلا ريموند أرون وألبرت كامي أما كلود ليفي اشتروس فقد كان على الحياد من الجانبين.
كان ريموند آرون لبراليا من بين اللبرليين الذين قد تفوقوا الي حين. فهو من أكثر الناس دراسة لرأس المال لكارل ماركس ولكن قد دله رأس المال على إكتشاف طوكفيل وفلسفة منتسكيو. أيكون قد نجى بفضل قراءته لرأس المال لماركس من بريق الأيدولوجيات الذي يسبب العمى؟ وحتي من بين اللبراليين فقد إنتقد لبرالية حايك ورأى فيها بريق الأيدولوجية.حينما جرت علي المجتمع بجرة قلم لتخفي اثره. وصدق حدسه اليوم النيولبرالية لحايك تصل بالإقتصاد العالمي الي مراسي الأزمة الأقتصادية.
كان يفتخر بأنه كينزي وأعجب بالنظرية العامة لكينز وحسب أراء فلسفة طوكفيل أن هناك فسحة في المجتمع الفرنسي تتيح فرصة للديمقراطية الإشتراكية دون تصل الى حدود النظم الشمولية كما في النازية والفاشية والشيوعية. فهو أي ريموند آرون كان دائما في مكان الواحد ضد الكل. فقد كان يفضل أفكار ماكس فيبر على أفكار دور كهايم لأن الأخير قد نفى أن يكون للنظم السياسة أي دور علي الإجتماع وهنا يكمن إختلاف ريمون أرون مع دور كهايم في مسالة النظم السياسية فهي ذات جدوى أكثر من فكرة أنتهاء الصراع الطبقي الذي ينتقده ريموند ارون عند الشيوعيين.
تكمن عبقريته في إختلافه مع دوركهايم في مسألة تجاهل دوركهايم الي دور العامل السياسي وإختلافه مع حايك في أن حايك لا يضع للمجتمع أي إعتبار وهنا تتضح الرؤية في مسألة قربه من الكينزية وأحترامه لأفكار طوكفيل وتبجيله لأفكار منتسكيو. لريموند آرون ولع بمسألة الثنائية مابين العدالة والحرية. ويحاول قدر الإمكان أن يخرج من حيز الثنائية المقيتة في مسألة الحرية والعدالة وما يحدث في مسألة الإختلاف مابين اليد الخفية لأدم إسمث واليد الحديدية في الشيوعية. وهنا ينطرح السؤال ما علاقته بجون راولز ونظرية العدالة؟
كما كان ريموند آرون قريبا من شارل ديغول وعمل مع أندريه مالرو كذلك كان شارل ديغول معجب بأفكار كينز وربما يكمن هنا سر إتفاق ديغول مع الشيوعيين أن يكونوا أقرب الى الحزب الإشتراكي وتكون اللبرالية أقرب الى اللبرالية الإجتماعية. ريمون آرون من اليسار الديغولي وهذا الذي لا يوجد في آحزاب اليمين في السودان التي إتخذت من الطائفية منبع أما يسارنا فمازال مرابط في أقصى أقاصي اليسار. فمثلا نجد جاك أتالي يرى في دراسته للماركسية أن ادبيات كارل ماركس هي أقرب الى الديمقراطية الإشتراكية من الماركسية. وهذا ما توصل الية ريموند آرون من خلال ثنائية العدالة والحرية وكذلك أن قراءته لرأس المال لماركس قد دلته علي طوكفيل ومسألة الديمقراطية الأمريكية وفلسفة منتسكيو.
من المفكريين السوداتيين الذين يشبه فكرهم فكر ريموند آرون نجد الأستاذ محمود محمد طه حينما تحدث عن مزاوجة العدالة وحديثه عن الحرية المطلقة التي تتشابه مع فكرة اللبرالية الدستورية لريمون أرون والتشابه مابين الحرية القانونية والحرية الحقيقية. نعم تحدث الأستاذ محمود هنا بمنهج يشبه منهج المفكريين والفلاسفة عكس فكر الأحزاب الطائفية. وعكس أفكار الأنبياء الكذبة عندنا في السودان من إسلاميين وشيوعيين.
تاريخ فرنسا في مسألة العدالة واللا عدالة يوضح نقطة التوازن وككشاف للخطاب السياسي كما إنكشف خطاب ساركوزي كخطاب يجسد اللا عدالة. لذلك في ظل الأزمة الإقتصادية اليوم نجد محاولة فرنسا في تحديد طريق يدل المجتمع الى خطاب العدالة. لذلك عندما أكد فرانسوا هولاند أنه ديمقراطي إشتراكي ربما يكون قد تخطي الخطوط الحمراء بالنسبة الى اليسار الفرنسي رغم أن الإنتقاد كان أن التيار الذي أختاره فرانسوا هولاند قد تخطاه الزمن وكان سائدا في اروبا القرن التاسع عشر. والآن مع الأزمة ستظل فكرة الديمقراطية الإجتماعية أي فكرة توني بلير وغيرهارد شرودر مخرجا للبرالية من أزمتها في ما يتعلق بمسألة الحرية والعدالة وهنا يكمن رأي وفكر ريموند أرون منذ أكثر من ستة عقود. وفي مسألة الحرية والعدالة له جهد جبار في إنتقاد النظم الشمولية ولكنه يختلف فيه قليلا مع حنا أرنت في بعض الجوانب. قد أتاحت له الظروف ان يشاهد نهوض النازيين في ألمانيا وحينها قد كان في ألمانيا وذلك مكنه من معرفة الفلسفة الألمانية وجعله يفضل ماكس فيبر على دوركهايم الفرنسي. وكما كان صديقه سارتر قبل أن يفترقا معجب بفلسفة هوسرل والفينومنولوجيا. فريموند آرون وجان بول سارتر وبول نيزان قد كانوا في دفعة واحدة حيث تخرج ريموند متفوقا على جان بول سارتر الذي أرجاء تخرجه الى العام التالي. كان جان بول سارتر معجب بفلسفة هوسرل والفينومنولوجيا وبنى عليها أفكاره الفلسفية وهوسرل كان صاحب كتاب أزمة العلوم الأوروبية الذي كتب عام 1935 وكان هوسرل المشرف على رسالة الدكتوراة لحنا أرنت صاحبة أجمل بحث عن طبيعة النظم الشمولية. ريموند آرون أستفاد من حبه للفلسفة الألمانية وأطلاعه عليها جعله يقدم دراسته عن مدخل الى فلسفة التاريخ1938. وجعله يفضل أفكار ماكس فيبر على أفكار دور كهايم رغم أن الأخير فرنسي مثله. فإعجاب سارتر الفرنسي بفلسفة هوسرل الإلماني وريموند آرون بماكس فيبر ألم يجعل كل ذلك من مارتن هيدغر أن يفتخر بالفلسفة الألمانية ويقول للفرنسيين في تعالي أن اللغة الفرنسية جيدة مادامت قادرة علي ترجمة وإستيعاب أفكار الفلسفة الألمانية؟
ريموند آرون عمل في صحيفة لو فيغارو خلال ثلاثين عام ويعتبر واحد من أهم كتاب الإفتتاحيات في وقت كان يسيطر فيه عمالقة فرنسا مثل جان بول سارتر وميشيل فوكو ولوي ألتوسر. إنتقد ريموند آرون دراسة لوي ألتوسر عن الماركسية ورأي فيها أن ألتوسر فيلسوف تنقصه المعرفة بعلوم الإقتصاد.
والسؤال أين إفتتاحيات الصحفيين السودانيين الذين أدمنوا عبارة واحدة وهي عبارة التكتيكي والإستراتيجي كأفيون صحفيين يتعاطون أفيون المثقفيين؟ وقد أصبحت عبارة التكتيكي والإستراتيجي تغطي جبال الجهل عند صحفيينا في السودان. فكما يفتخر الفرنسيون بأنهم قد قدموا للعالم الثورة الفرنسية بشعارها الحرية والمساوة والأخاء. فلنفتخر نحن السودانيون بأننا قد قدمنا الأنبياء الكذبة للعالم من إسلاميين يقفون أقصي اليمين وشيوعيين يقفون أقصى اليسار والخاسر هو إنسان السودان الذي يعاني ما يعاني في ظل نخب أدمنت أفيون المثقفيين الذي تحدث عنه ريموند آرون. في إي مكان لا يكون هناك تغيير فعال ما لم يسبقه إنفجار معرفي. ففي السودان لم تلح بعد بوارق الإنفجار المعرفي الذي يبشر بالتغيير بل مازال الإستهلاك عالي لعبارة التكتيكي والإستراتيجي من قبل كتابنا السودانيين.
لم يعترف ريموند آرون بثورة الشباب في فرنسا عام1968 ولم يرى فيها الا أنها كل الكرنفال.فهو لايريد مجتمع يمتص الدولة فهو لبرالي دستوري يرفض التغيير بالعنف وينادي بالحرية التي لا يتباعد البون فيها بين الحرية القانونية والحرية الحقيقية. وهنا يأتي سؤالي عندما يتحدث الصحفيون لدينا عن الديمقراطية لماذا لا نجد أفكار مثل أفكار الصحفي الفيلسوف وعالم الأجتماع والمؤرخ ريموند أرون؟ ووفقا لأفكاره يؤمن بتراجيدية التاريخ وينبغي أن تدفع الثمن الباهظ.
في مدخل الي فلسفة التاريخ حاول أن يصالح مابين الفلسفة الفرنسية التي لا تري في التاريخ كمرادف للعقل كما عند هيغل. ارون يقول ان الفلسفة القديمة قد توجها هيغل واليوم نرفض الهيغلية.وهنا يلتقي مع ألبرت كامي وكلاهما يرفضان التضحية بالفرد في سبيل المستقبل التاريخي.
هناك قراءة للفكر الماركسي عند ريموند آرون خلال خمسة وثلاثين عام إنتهى فيها الى رأي أن فكرة ماركس أقرب الى الديمقراطية الإشتراكية من الماركسية ونفس الرأي نجده عند جاك أتالي وهو أيضا فيلسوف وإقتصادي ومؤرخ. ربما يكون إصرار الشيوعيون السودانيون على فكرة الماركسية التي يراها أمثال ريموند آرون أنها أقرب الى الإشتراكية الديمقراطية لأن الشيوعيين السودانيين يغيب عنهم علم إجتماع المجتمعات الصناعية الذي يعلمه أمثال ريموند آرون وجاك أتالي. لذلك لم يك غريب أن يكون كل إهتمام الشيوعيين السودانيين أن يكون الحزب الشيوعي على قيد الحياة وبعدها لا يهم البحث في مسألة نقطة التوازن مابين الحرية والعدالة. ولا يهم أن يكون الشيوعيون السودانيين يستميتون في الدفاع عن فلسفة الفيلسوف الخايب كارل ماركس في زمن كف فيه العقلاء عن القول أنهم شيوعيون على الأقل في فرنسا كما يشاع هناك في فرنسا.
آرون يؤمن بفكرة التقارب الطبقي ومن ثم التصالح الطبقي وياتي التضامن الطبقي ويرى أن فكرة البروليتارليا التي تحدث عنها ماركس لا توجد علي أرض الواقع بمثل ما يزعم ماركس ولا العلاقة بين الطبقات ليست بذلك البعد الذي تصوره ماركس. لذلك نرى أن ريموند آرون في قراءته لماركس وكما يطلق على نفسه متهكما أنه مشاهد ملتزم في مقابل فكرة الإلتزام الأدبي التي ينادي بها سارتر أنه قد خلص الى فكرة التوازن الذي يؤرقه في مسألة نقطة التوازن في ما يخص مسألة ثنائية الحرية والعدالة. وينتقد في كتابه أفيون المثقفيين جرائم النازية من أجل أهداف نبيلة مزعومة وكذلك جرائم الشيوعية من أجل المستقبل التاريخي. فعند ريموند آرون أن الإشتراكية والدين يتقاربان وهما فاشلان في حل قضايا المجتمع. ويرى ريموند آرون أن نظرية موت الله قد تركت فراغ روحي ملاءه الماركسيون بدينهم. ففي نظر ريموند آرون أن المثقف الجيد يسهر من أجل القيم الإنسانية الكونية المجردة التي تؤدي الى الحقيقة والعدالة وليست حقيقة كما حقيقة رجال الدين والماركسيين. ثلاثة عقود كرسها ريموند آرون لدراسة رأس المال ولم يجد ما يجعله أن يكون ماركسيا.

taheromer86@yahoo.com






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1811

خدمات المحتوى


طاهر عمر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة