09-22-2014 02:20 PM

التشكيلة الاجتماعية للسلطنة الزرقاء
ورقة قدمت في المؤتمر الذي نظمته جامعة الدمازين بمناسبة مرور 500 عام علي السلطنة الزرقاء في مايو 2005م.

الهدف من هذه الورقة بعنوان "التشكيلة الاجتماعية للسلطنة الزرقاء" هو تسليط الأضواء على تطور المجتمع السوداني في الفترة ( 1504 _1821 ) ، وهى فترة السلطنة الزرقاء أو سلطنة الفونج ، في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والعائلية .. الخ

تناولت الورقة التطور الاجتماعي في المحاور الآتية :
_ الأوضاع الاقتصادية .
_ الأوضاع الاجتماعية .
_ الأوضاع الثقافية .
أولا : تقديم :
معلوم إن السلطنة الزرقاء كانت تقع على حدود مملكتي المقرة وعلوة سابقا ، وكانت تمثل تطورا أوسع في رقعة الدولة السودانية ، فلأول مرة بعد سقوط مملكتي المقرة وعلوة تنشأ دولة تضم حدود المملكتين السابقتين .
امتدت السلطنة الزرقاء من الشلال الثالث إلى أقصى جبال فازوغلى شمالا وجنوبا ، ومن سواكن على البحر الأحمر إلى النيل الأبيض شرقا وغربا ، وكان الحد بين مملكة سنار ومشيخة قرى ( الحلفايا ) مدينة اربجى بقرب المسلمية والتنظيم الإداري من اربجى فصاعدا جنوبا كان تابعا لملوك الفونج رأسا لادخل لمشايخ قرى فيه ، ومنها شمالا إلي الشلال الثالث كان تابعا لادارة مشيخة قرى تحت سيادة ملوك الفونج ، وكانت المملكة منقسمة إلى عدة مشيخات من سود ونوبة وعرب حضر وبادية ، وكان كل ملك أو شيخ يدفع الجزية لملك سنار ، إلا أن له نوعا من الاستقلال .
_ دوافع تحالف الفونج والعبدلاب :
كانت هناك عوامل متشابكة أدت إلى قيام تحالف الفونج والعبدلاب يمكن تلخيصها في التالي :
• برزت تشكيلة اقتصادية اجتماعية كانت تتخلق في أحشاء النظام القديم ، كان لابد من التعبير عنها في شكل سياسي يتوافق معها .
• أصبحت شوكة القبائل العربية قوية ، وانتشر الإسلام نتيجة لتراكمات كمية بطيئة ، وبعد سبعة قرون من اتفاقية البقط ، واصبحت الغلبة للديانة الإسلامية بعد اندثار المسيحية ، وكان لابد من وجود نظام سياسي وتشريعي جديد يعبر عن القوى الاجتماعية الجديدة ذات الديانة الجديدة وينظم حياتها الاجتماعية والدينية وفقا لمعتقداتها .
• وفى إطار النظام السياسي الجديد الذي عبرت عنه السلطنة الزرقاء تأتى العوامل والدوافع الاقتصادية مثل حماية تجارة القوافل ، تنظيم ملكية الأرض ، توفير الأمن ، وكان الدور القيادي في تحالف الفونج والعبدلاب للفونج .
ثانيا : الأوضاع الاقتصادية :
كان من ابرز التطورات التي حدثت في هذا الجانب هو التطور في ملكية الأرض كما يتضح من الوثائق التي نشرها د .محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه الفونج والأرض التي توضح نمط الإنتاج الإقطاعي الذي حمل سمات الإقطاع الشرقي من زاوية ملكية السلطان للأرض وتوزيعها على الزعماء والشيوخ بحجج معينة ، وفى كل حالة يحدد الخراج أو الإعفاء منه .
وأدي هذا التطور الجديد إلى تطور في الإنتاج الزراعي ، وكانت أهم المحاصيل التي تنتج في تلك الفترة : الذرة ، الدخن ، ... الخ في أراضى الزراعة المطرية ، والقطن والقمح واللوبيا والخضر وات في أراضى الزراعة المروية ( السواقي ، الشادوف ، الفيضانات ، الجروف ) .
أما في يختص بوسيلة الري الدائم في الأراضي النيلية فقد كانت الساقية أو الشادوف ، ولكن لم يحدث فيها تطور تقني أساسي ، والتي دخلت السودان منذ العهد المروى ، وقد تحدث عن الساقية بتفصيل د . محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه الساقية والذي يشكل مصدرا هاما في تاريخ الزراعة المروية في السودان .
أما عن أدوات الإنتاج الزراعي التي كانت مستخدمة أيام السلطنة الزرقاء كما وردت فى كتاب طبقات ودضيف الله فهي : السلوكة ، المنجل ، النجامة ، والشبكة ( وهى مستديرة وتصنع من السعف ) .
ومن مقاييس الأرض كان هناك مقاس محلى للأراضي الزراعية يسمى الجدعة ( تساوى خمسة افدنة ، الفدان 4200 م 2 ) .
أما عن علاقات الإنتاج ، فقد كان المزارعون واصحاب الإقطاعيات يدفعون الزكاة والفطرة والعشور ، هذا اضافة للضرائب الأخرى التي كان يدفعها المزارعون والتي تستند إلى الأعراف المحلية . بجانب عمل المزارعين ، كان هناك عمل الرقيق ، فقد عرفت سلطنة الفونج نظام الرق أو علاقات الإنتاج العبودية التي كان فيها ملاك الرقيق يستحوذون على كل ناتج عملهم مقابل معيشتهم ومعيشة أبناءهم . كما كان صاحب الأرض أو الإقطاعية يدفع نصيبا من الدخل للسلطان ( خراج ، زكاة ) ، وكانت العلاقة بين التجار والمزارعين تقوم على الشيل ( الربا العيني ) ، ومعلوم أن الربا كان سائدا بعد أن تطور المجتمع التجاري في السلطنة الزرقاء ، والمزارعون الذين يفشلون في سداد ديونهم عليهم أن يتحملوا عقوبات رادعة من المحاكم المحلية ، وذلك لان المسئولين في تلك المحاكم كانوا يتمتعون بعلاقات طيبة مع التجار ، أو ربما كانوا يخضعون لسيطرتهم ، كما أشار سبولدنق ، والواقع أن هؤلاء المسئولين كانوا يعملون في النشاط التجاري ، هذا اضافة لمصادرة أراضى المزارعين الذين يفشلون في سداد ديونهم أو بيعهم كرقيق .
اضافة للزراعة كان هناك النشاط الرعوي حيث كان الأهالي في ذلك القطاع يعملون في تربية الضان والأبقار والإبل .
الصناعة الحرفية :
ازدهرت وتطورت الصناعة الحرفية التي كانت تشمل : صناعة النسيج ، المصنوعات الجلدية ، الصاغة ، المراكب والسواقي ، أدوات الإنتاج الزراعي ، الفخار ، الأدوات المنزلية من حديد ونحاس وخشب ، سك النقود من الذهب والفضة ، الأسلحة ، أدوات الطرب والموسيقى ، الخمور ، أدوات الزينة ، المصنوعات من السعف .
ومع قيام هذه الصناعات وتطورها نشأت الحرف الصناعية المتخصصة مثل : النجارة ، الحدادة ، الخزف ، الغزل والنسيج ، البناء ، .... الخ . وتطور إنتاج هذه الحرف من الإنتاج للاستعمال الشخصي إلى الإنتاج للسوق ، وبالتالي تخصص بعض التجار في شراء هذه المنتجات وعرضها في الأسواق ، وفى بعض المدن كان المنتجون أنفسهم يبيعون منتجاتهم في الأسواق الأسبوعية التي كانت تقام لذلك مثل أسواق : الدامر ، سنار ، شندى ....الخ .
ونلاحظ أن اغلب مواد هذه الصناعات الحرفية الخام كانت محلية مثل : القطن ، الصوف ، الجلود ، الأخشاب ، الحديد ، الذهب ، الفضة ، تراب البحر( الطمي ) المخلوط بروث البهائم اللازمة لصناعة الفخار والطوب .
كما نلاحظ أن اغلب المصنوعات المستوردة كانت كمالية تهم البلاط السنارى الحاكم وكبار الأغنياء من تجار وملاك الأراضي مثل : المنسوجات الفاخرة والعطور ... الخ .
التجارة :
اشتهرت سنار بالغنى والثروة _ كما يقول نعوم شقير _ وكان التجار يأتونها بالبضائع من مصر والحجاز والهند عن طريق النيل والبحر الأحمر ، وكان يرد إليها من دنقلا التمر ومن كردفان التبر والحديد والرقيق ، ومن فازوغلى والصعيد الذهب والعسل والجلود والبغال والبساط والريش والسمسم ومن سوق رأس الفيل من بلاد الحبشة على أربعة أيام من سنار الذهب والخيل والرقيق والبن والزباد والعسل واساور العاج وغيرها من حلى النساء ، وكانت أهم صادراتها التجارية : الذهب والرقيق وسن الفيل والخرتيت والزباد والعسل والجلود والإبل والقصاع ، وكانت الصادرات أيضا تشمل الصمغ العربي ، وريش النعام والروائح .
أما الواردات فكانت تشمل : البهارات ، الصابون ، الروائح ، السكر ، والمنسوجات القطنية الفاخرة .
وكانت التجارة تتم عن طريق ميناء سواكن في البحر الأحمر ، إلى الجزيرة العربية والهند وشرق الهند ، وعن طريق القوافل التجارية عبر الصحراء إلى مصر ، وكانت هناك مراكز تجارية هامة مثل : بربر ، شندى ، سواكن ، فازوغلى ، .... الخ .
وكان من أسباب تطور النشاط التجاري : _ اتساع السوق الداخلية ، الشكل الجديد لملكية الأرض ، اتساع دائرة التعامل بالنقد ، ظهور طبقة تجارية احترفت التجارة ، استقرار الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية .
كما ظهرت طبقات وفئات جديدة تمركزت في أيديها الثروات مثل السلاطين والملوك ومشايخ القبائل وكبار ملاك الأراضي الزراعية والماشية والأغنياء من مشايخ الصوفية والتجار ... الخ . وبالتالي زاد استهلاكها للسلع الكمالية والسلع الفاخرة المستوردة والداخلية واحتياجات السكن الفاخر والمعيشة الرغدة ، وبالتالي أدي ذلك إلى المزيد من انتعاش التجارة بتطور الاستهلاك من الضروري إلى الكمالي ، وهذا يفسر جزئيا طبيعة الواردات الكمالية التي كان لها نصيب الأسد في واردات السلطنة الزرقاء .
ومع ازدياد نفوذ الطبقة التجارية وازدياد تراكم رأس المال التجاري دخلت الطبقة التجارية في صراع لكسر احتكار السلطان للتجارة في سلعتي الذهب والرقيق ، مما أدى إلى إضعاف قبضته في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر وزاد ت قوة التجار الأجانب : الهنود ، الإثيوبيين ، البريطانيين ، اليونانيين ، الأرمن ، العرب . وكان هذا نتاجا لتوسع النشاط التجاري ، وما عاد النظام الإقطاعي الذي كان سائدا يستوعب هذا الاتساع ، ودخل في تناقض مما أدى إلى إضعاف وخلخلة النظام الإقطاعي .
هذا اضافة إلى ظهور عملات جديدة في نهاية القرن الثامن عشر داخل سلطنة سنار مثل الدولار الأسباني مما قوض نفوذ السلطان ، ولم يعد السلطان قادرا على التحكم في الأسعار عن طريق التحكم في كمية الذهب التي تصل إلى الأسواق . هذا اضافة إلى للمصاعب التي واجهتها الحركة التجارية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر مثل انعدام الأمن للقوافل ، فرض ضرائب باهظة على القوافل ، .... الخ .
وعموما ، فان الصراع بين التجار وسلاطين الفونج كان من عوامل تحلل وتفكك دولة الفونج ، واستمر هذا التحلل والتفكك يزداد حتى الاحتلال التركي للسودان عام 1821 م .
العملة :
كانت العملات المتداولة هي : العملة الذهبية ( أوقية الذهب ) ، محلقات الفضة ، الريال ، ألحدا يد ، المحبوب ، الدينار ، الدراهم ، ألا شرفية ، القرش ... الخ كما ورد ت في الطبقات .
وفى أواخر القرن الثامن عشر واوائل لقرن التاسع عشر ظهرت عملات جديدة داخل السلطنة مثل : الدولار الإسباني .
الضرائب :
عرفت سلطنة الفونج الضرائب التي كانت أحد مصادر دخل السلطنة ، وكانت الضرائب تستند إلى الشريعة والأعراف المحلية ، والضرائب الشرعية هي : الزكاة ، الفطرة ، المكوس . أما الضرائب العرفية كما رصدها وشرحها د . محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه ( الفونج والأرض 1967 ) فكانت : الدم ، الكليقة ، العادة ، النزول ، العانة ، السنسنه ، المخلا ، الجباية ، التورات ، حسب ، السبلة ، علوق .... الخ . وكانت هذه الضرائب تجمع إما باشراف الشيوخ أو عامل الخراج ( الجراى ) .
كما نشير إلى أن زيادة الأعباء الضريبية في السنوات الأخيرة للسلطنة كانت من أسباب تفكك وزوال السلطنة .
ثالثا: الأوضاع الاجتماعية :
كان من ابرز سمات التحول في الأوضاع الاجتماعية ظهور تطور جديد في النظام الإقطاعي يختلف عن النظام الإقطاعي الذي كان سائدا في ممالك النوبة السابقة والذي كان فيه ملك النوبة هو المالك للأرض ويعتبر الفلاحين العاملين فيها عبيدا له مقابل معيشتهم ، وبقيام السلطنة الزرقاء تحرر الفلاحون من عبودية ملك النوبة وساد نظام اقطاعى جديد يتميز بالآتي :
_ احتكار السلطان للأراضي ، أي أن كل الأراضي أصبحت ملكا للسلطان ، وكان يقطعها لاعيان الدولة أو لنفسه أو لشيوخ الطرق الصوفية وفى كل حالة ، كان يحدد الخراج أو الإعفاء منه .
_ احتكار السلطان للتجارة الخارجية ، واحتكار أهم سلعتين ( الذهب والرقيق ) ، والثروات العائدة من ذلك الاحتكار أو السلع الكمالية كانت توظف لتدعيم النظام الاجتماعي القائم ، وكان العائد من تلك التجارة اضافة للمكوس من المقومات الأساسية لمصادر دخل النظام .
_ تطور نمط الإنتاج البضاعى الصغير ( الإنتاج الحرفي ) في أحشاء النظام الإقطاعي ، وبالتالي تطور اقتصاد السلعة _ النقد ، أي الإنتاج من اجل الاستهلاك إلى الإنتاج للسوق ، وبالتالي تطورت الطبقة التجارية والتجارة الخارجية والداخلية .
ومع تطور اقتصاد السلعة _ النقد وبروز ونمو الطبقة التجارية تدريجيا والتي قويت شوكتها بمرور السنين حتى دخلت في تناقض مع النظام الإقطاعي مما شكل أحد الأسباب لانحلاله وتفككه ، فظهور وتطور اقتصاد السلعة _ النقد ، وظهور الطبقة التجارية كان دائما من أسباب انحلال النظم الإقطاعية ، هذا اضافة لضعف العائد من التجارة الخارجية والمكوس نتيجة لانعدام الأمن والاستقرار في السنوات الأخيرة للسلطنة الزرقاء . وبهذا المعنى وبتلك الخصوصيات كان نظام الفونج إقطاعيا، وتم تحلله وتفككه تقريبا بالآليات نفسها التي تفككت بها النظم الإقطاعية الأوربية والشرقية ، مع الأخذ في الاعتبار أن نظام الفونج لم يتطور بشكل طبيعي باطني ، بل زال بأثر خارجي ( الاحتلال التركي للسودان ) .
نظام الرق :
كان الرقيق يشكل عاملا هاما في النسيج الاجتماعي للسلطنة الزرقاء ، وكان نظام الرق يتميز بالآتي :
_ كانوا يعملون في مزارع السلطان اوملاك الأراضي وفقا لعلاقات الإنتاج العبودية . _ كان الرقيق مصدرا هاما من أرباح الطبقة التجارية .
_ كانوا وسيلة تبادل أو دفع .
_ كان الرقيق موضع الثقة من أسيادهم يعملون في التجارة الخارجية .
_ كانوا يشكلون العمود الفقري لجيش السلطنة الزرقاء .
_ كان من سياسة شيوخ الطرق الصوفية مثل الشيخ حمد ودام مريوم التشجيع على عتق الرقيق .
وكان من أسوأ ما أنتجته تلك التجارة اللعينة هي عملية الخصى ، تلك العملية الوحشية التي تجعل منظر الخصيان أشبه بالهياكل العظمية ، وهذه العملية كانت ترفع من ثمن العبد .
بهذه السمات والخصوصيات عرفت السلطنة الزرقاء نظام الرق ، والذي كان يختلف عن نظام الرق الذي كان سائدا في أوربا .
التركيب الطبقي :
شهدت فترة الفونج تطورا في التركيب الطبقي ، فبدلا من التركيب الطبقي البسيط الذي كان سائدا في ممالك النوبة شهدت تلك الفترة ألوان طيف طبقي معقدة ، بحيث كانت الفئات الاجتماعية تتكون من الآتي :
السلاطين والملوك وشيوخ القبائل ، التجار ، القضاء والكتبة وقيادات الجيش ، شيوخ الطرق الصوفية ، المزارعون ، الجنود ، الرقيق .
المدينة والحياة الاجتماعية :
كان لازدهار الزراعة والصناعة الحرفية والتجارة والحياة الثقافية أثره في تطور المدينة والحياة الاجتماعية ، وكان من أهم المدن التجارية : سنار ، قرى ، فازوغلى ، شندى ، بربر ، وسواكن التي كانت منفذ السلطنة للعالم الخارجي ، هذا اضافة للحلفايا التي كانت مركزا ثقافيا ودينيا ، والحلفايا هي موطن ودضيف الله صاحب كتاب الطبقات .
كما شهدت السلطنة عادات استهلاكية جديدة مثل البهارات ( الفلفل ، الشمار ، والكزبرة ، ) والتي جاءت للبلاد نتيجة للارتباط بالعالم الخارجي وبعد اكتشاف جزر الهند الشرقية ، كما عرفت البلاد مكيفات جديدة مثل : البن ، التبغ والتنباك . وكانت المنازل تبنى بالجالوص أو الحجر أو القش ، ومن معالم البناء الأساسية في السلطنة هي القبب التي قامت على مدافن الأولياء والصالحين ، ولازالت هذه القبب منتشرة فى وسط البلاد .
كما كانت القوى المنتجة متخلفة في السلطنة ، وكانت المجاعات والأوبئة تفتك بآلاف الناس . كما عرف الفونج الطب التقليدي : البصير ، والفكي الذي يعالج المرضى النفسانيين والعلاج بالأعشاب .
المرأة :
كان للمرأة دور بارز في البنية الاجتماعية للسلطنة الزرقاء ، ويظهر ذلك من نشاطها الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع ، كما كانت تشترك في النشاط التجاري والعلمي والديني ، كما تطورت الأحوال الشخصية وانتقلت الوراثة من جهة ألام إلى جهة الأب ،كما كفل الإسلام للمرأة حق الميراث ، ونظام الزواج والعائلة المستمد من الشريعة الإسلامية .

رابعاً : الأوضاع الثقافية :
تفاعلت تعاليم الإسلام مع الموروث المحلى ، وكانت الحصيلة الإسلام السوداني المتميز الذي اتسم بالتسامح وتنوع الطرق الصوفية والدينية ، ووحدة الفقه والتصوف ، وتعدد الذاهب ( المذهب المالكي والشافعي ) ، وظهور التنظيم الصوفي الاجتماعي كشكل أرقى واوسع من التنظيم القبلي ، واصبحت الطريقة الصوفية تضم أشخاصا من فبائل مختلفة مما اسهم في خلق رابطة أوسع من رابطة القبيلة وبالتالي شكل ذلك البذور الأولى للشعور القومي . _ استنبط الفونج نظاما سياسيا واجتماعيا وثقافيا اعتمد على التعاليم الإسلامية والأعراف المحلية ، والذي حمل بعض السمات والتقاليد السابقة لملوك النوبة ( الطاقية أم قرنين ، الككر ) ، وأضافوا الجديد مثل تطوير نظم الإدارة والتنظيم والتوثيق في الدولة السودانية .
وكانت دولة الفونج حلقة أرقي في مسار تطور الدولة السودانية منذ نشؤها من خلال التخصص والوظائف المختلفة للدولة وتشعبها ( جهاز الدولة ، الجيش ، القضاء ، النظام السياسي والاجتماعي ) ، وكانت تلك الدولة تمثل مصالح الطبقات المالكة وكبار التجار وزعماء القبائل ، والشيوخ المتحالفين مع السلاطين والملوك ، أي أنها كانت دولة طبقية .
_ استنبط الفونج نظاما قضائيا ، كان مستندا في أحكامه على الشريعة الإسلامية والعرف ، وقد وصف مولانا حسين سيد احمد المفتى في كتابه ( تطور نظام القضاء في السودان ، 1959 ) ذلك النظام بالتفصيل .
_ شهدت دولة الفونج أنماطا مختلفة من علاقة الدين بالدولة ، فعلى مستوى المركز في سنار كان شيوخ الطرق الصوفية في استقلال عن الدولة . وفى لحظات ضعف الدولة المركزية ( كما أشار هولت في كتابه : الأولياء والصالحون في السودان ) ، ظهرت دويلات دينية مصغرة داخل دولة الفونج مثل دولة العبدلاب في عهد الشيخ عجيب ، ودولة المجاذيب فى الدامر والتي كان يجمع فيها شيوخ الطرق الصوفية مباشرة بين الدين والسياسة .
_ استنبط الفونج نظاما للتعليم كان متجاوبا مع احتياجات البلاد الاقتصادية والاجتماعية ، وانتشرت الخلاوى في ربوع السلطنة ، كما انتشرت اللغة العربية التي أصبحت لغة الدواوين . كانت ثقافة الفونج حاصل تفاعل بين الثقافة الإسلامية والموروث المحلى في مضمار اللغة العربية ، الشعر الغنائي ، والأغنية الدينية ( المديح ) ، وتفاعل الوافد من إيقاعات الطرق الصوفية ( القادرية ، السمانية ) مع إيقاعات الآلات المحلية ( طبل ، كاس ، طار ، نوبه ، ..) مما أدى إلى إيقاعات جديدة عبرت عن تفاعل الوافد مع المحلى .
وكان الطابع الغالب على الثقافة الإسلامية هو الطابع الصوفي ، والذي استمده الفونج من حالة العالم الإسلامي الفكرية التي كانت سائدة يومئذ ، والتي كانت تقوم على النقل والجمود .
كم كانت الحياة العقلية والفلسفية متخلفة نتيجة لعزلة الفونج عن العالم في السنوات الأخيرة ، وعدم مواكبتهم للتطورات التي كانت سائدة في أوروبا منذ عصر النهضة ، رغم أن الفونج كانت لهم روابط تجارية مع العالم الأوروبي عن طريق التجارة الخارجية ، فنلاحظ انه كانت تصل واردات من أوربا للسلطنة الزرقاء مثل : الورق ، والأسلحة النارية ( بكميات محدودة ) والشفرة الألمانية ، والشاي والبهارات والعطور والروائح ) . أي أن مجتمع الفونج وفى مستوى الطبقات العليا كانوا مستهلكين لتلك المنتجات الكمالية ، ولكنهم لم يتفاعلوا مع التطورات العلمية والفلسفية ، وذلك بحكم أن العالم الإسلامي الذي كانت روابطه مع مجتمع الفونج قوية ، كان فى حالة ركود وجمود ، رغم حركات التجديد التي بدأت تحدث في مصر قبل حملة نابليون عليها .
الخلاصة :
وخلاصة ما نود قوله في هذه الورقة أن السلطنة الزرقاء كانت فترة هامة في سياق التطور الاجتماعي في السودان إذ أنها شكلت نقطة الانطلاق لتطور السودان الحديث ، فهي الفترة التي شهدت تطورا في نظام ملكية الأرض ،وشهدت بذور التنظيم الإداري للدولة السودانية ، وشهدت قيام تنظيمات صوفية ضمت في صفوفها أفراد من قبائل مختلفة مهدت الطريق للشعور القومي ، كما شهدت التحول من نظام الأمومة إلى الأبوة ونالت المرأة السودانية حق الوراثة ، كما شهدت تطورا في نظام التعليم ( الخلاوى ) بشكل واسع مما أدي لانتشار الإسلام وتعاليمه واللغة العربية ، كما ضمت السلطنة الزرقاء رقعة أوسع من الدولة السودانية وشكلت الميل إلى الوحدة والتكامل والاستقلال الذاتي للممالك التي شكلت الحلف الفونجى العبدلابى كما شهدت السلطنة الزرقاء تطور ا في النشاط التجاري والصناعة الحرفية وتطورا في اقتصاد السلعة _ النقد ، وقيام المدن التجارية والصناعية والثقافية .
كما تفاعلت السلطنة الزرقاء مع العالم الخارجي أخذا وعطاءا ، وعندما تم الاحتلال التركي في للسودان عام 1821 م ارتبط السودان بشكل أوسع بالعالم وتم ضم سلطنة دارفور والمديريات الجنوبية ، وظهرت معالم السودان الحديث ، ولتبدأ فترة جديدة فى تطوره الاجتماعي .

**********


المصادر والمراجع :
1 _ احمد بن الحاج ( كاتب الشونة ) : تاريخ ملوك السودان ، تحقيق د . مكي شبيكة ( الخرطوم 947 1 ) .
2 _ الشاطر بصيلى عبد الجليل : تاريخ وحضارات السودان الشرقي والأوسط ( الهيئة المصرية العامة للكتاب 1972 ) .
3_ ب . م . هولت : الأولياء والصالحون والإسلام في السودان ، ترجمة هنري رياض والجنيد على عمر ( دار الجيل بيروت ط3، 1986) .
4 _تاج السر عثمان الحاج : تاريخ النوبة الاقتصادي _ الاجتماعي ( دار عزة 2003 ).
5 _ تاج السر عثمان الحاج : لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي ( مركز محمد عمر بشير 2004 )
6 _ تاج السر عثمان : تحالف الفونج والعبدلاب : الخصائص والدوافع ، صحيفة الأيام بتاريخ : 2 _ 3 _ 2005 م ، 9 _ 3 _ 2005 .
7 _ د . محمد إبراهيم أبو سليم : الفونج والأرض ( وثائق تمليك ) ، مطبعة التمدن 1967 .
8 _ د . محمد إبراهيم أبو سليم : الساقية ( معهد الدراسات ألا فرو_ أسيوية ، جامعة الخرطوم 1980 ) .
9 _ محمد صالح محي الدين : مشيخة العبدلاب ( دار الفكر بيروت 1972 ) .
10_ نعوم شقير : تاريخ السودان ، تحقيق د . محمد إبراهيم أبو سليم ، دار الجيل بيروت 1981 .
11 _ د . يوسف فضل ( تحقيق ) : كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان ، تأليف : محمد النور بن ضيف الله ( ط3 ، دار جامعة الخرطوم للنشر 1985 ) .
12_ د . يوسف فضل : مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي ( 1450 _ 1821 ) ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، ط2 1989 .

13_ Ofahey and Spaulding : Kingdoms of Sudan ( London 1974 )
Spaulding . j .:The Heroic Age in Sinnar ( 1985 ) 14_
15_Bruce .Travels to discover of the Nile ( 1804 )
16 _ Burkard .J .L .: Travels in Nubia ( 1891 ) .

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2085

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1112525 [الاصيل]
1.00/5 (1 صوت)

09-22-2014 10:45 PM
اهم ما اثبته التاريخ ان السلطنة الزرقاء جمعت السودانيين فى بوتثة واحدة وخلقت نسيج اجتماعى اتسم بالتسامح والتوافق اسس لسودان اليوم كان الاتفاق كبير بين الفنج والعبدلاب دون اى خلافات تذكر فما احوجنا لذلك اليوم


ردود على الاصيل
United Kingdom [taher omer] 09-23-2014 04:38 PM
كانت تصدر الرقيق تقول كنا في بوتقة واحدة؟


تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة